صفحة جديدة 3
:: الرئيسية :: :: التسجيل :: :: البحث :: :: التحكم :: :: اتصل بنا ::
 
 
 
اللهم عليك ببشار واعوانه
التميز خلال 24 ساعة
العضو المميز الموضوع المميز المشرف المميز المشرفة المميزه
عبد الرحمن المالكي بالفيديو شرح طريقة التحكم بحجم الصورة
بقلم : kmalsamer
قريبا قريبا

   
العودة   منتديات بني عاصم > الأقسام العامة > اسلاميات-سيرة الرسول-سيرة الصحابة-أحكام الدين-قرآن كريم
 

الإهداءات

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-Jun-2009, 04:00 PM   #1 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي التربية الإيمانية

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد:


فإن حاجتنا إلى العقيدة فوق كل حاجة، وضرورتنا إليها فوق كل ضرورة ، لأنه لا سعادة للقلوب ، ولا نعيم ، ولا سرور إلا بأن تعبد ربها وفاطرها تعالى .
ولقد أرسل الله رسله جميعاً بالدعوة إلى التوحيد قال تعالى [ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ][النحل :36] ويقرر الله سبحانه وتعالى أيضاً هذه الحقيقة ويؤكدها ، ويكررها في قصة كل رسول على وجه الانفراد[ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ][المؤمنون : 23]
[ وإلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ ] [الأعراف : 65]
وهي الكلمة نفسها التي تكررت على لسان صالح وشعيب وموسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام- ، حتى أصبحت قاعدة عامة : [ ومَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا فَاعْبدُونِ ] [الأنبياء : 25]
فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وهو أول ما يدخل به المرء في الإسلام ، وأخر ما يخرج به من الدنيا ، فهو أول واجب وآخر واجب .
ولقد أمضى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حياته في الدعوة إلى هذه العقيدة وجاهد أعدائه من أجلها قال صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ...) (رواه الشيخان)
بل وأرسل رسله وأمرهم أن يبدءوا بالدعوة إلى العقيدة قبل كل شيء كما في قصة معاذ بن جبل- رضي الله عنه -عندما بعثه إلى اليمن : قال إنك تأتى قوماً أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه : عبادة الله وحده ، فإن هم أطاعوا لذلك ....) (أخرجه الشيخان)
وإن من الصور الظاهرة في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى العقيدة حرصه على دعوة الأطفال إليها وغرسه لها في قلوبهم وتعليمه صلى الله عليه وسلم العقيدة لهم بأسلوب واضح ومناسب وكذلك سار أصحابه رضي الله عنهم من بعده على هذا وقد راجعت عدداً من كتب السنة والسيرة مراجعة أولية فوجدت شواهد كثيرة جداً لذلك أشرت إلى شيء منها في أهمية الموضوع وسوف أقوم إن شاء الله بجرد عدد من هذه الكتب وأستخرج ما فيها مما له علاقة بهذا الموضوع .
بل و لقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر العقيدة في مرحلة متقدمة جداً من مراحل الطفولة وهي مرحلة الولادة, كما في حديث التأذين في أذن المولود , قال ابن القيم (رحمه الله) في بيان سر ذلك :
(وسر التأذين والله أعلم أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها.... وفيه معنى آخر وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دينه الإسلام وإلى عبادته سابقة على دعوة الشيطان كما كانت فطرة الله التي فطر عليها سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها) (1)

ولذلك فمن الواجب على الأمة جميعاً وعلى الآباء والأمهات والمعلمين أن يسعو بجد لتقريب هذه العقيدة للناشئة خصوصاً في هذا الزمان الذي كثرة فيه فتن الشبهات وفتن الشهوات وكثر فيه دعاة الظلال وتنوعت أساليبهم ومناهجهم لذلك يجب على المربين والمصلحين أن يغرسوا في قلوبهم الناشئة حب هذه العقيدة والثبات عليها في كل أحوالهم ولعلي من خلال النقاط التالية أذكر بإيجاز شيء مما يبين ضرورة تعليم العقيدة للناشئة وشدة حاجة الأمة لذلك مع سرد بعض النماذج من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فمن ما يبين أهمية هذا الموضوع :

1- أن الاهتمام بتعليم العقيدة للناس ودعوتهم لها ولاسيما الصغار هو منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمصلحين من بعدهم ومن ذلك قوله تعالى عن نوح في دعوته لولده وتحذيره من مصاحبة أهل الضلال ( يَا بَنِيَّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين ) وكذلك يقول تعالى عن إبراهيم حين وصى بها أبناءه (ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ) وفي أول وصايا لقمان لأبنه تحذيره له من الشرك قال تعالى (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوصي ابن عباس رضي الله عنهما فيقول ( يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ، وإذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ........... ).
2- أن في العناية بعقيدة الصغار إقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ولا يخفى أن الإقتداء به عبادة لله عز وجل وسبب للتوفيق للحكمة, قال سعيد بن إسماعيل الزاهد: ( من أقر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة, ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة, لأن الله يقول: (وإن تطيعوه تهدوا)(2)
3- تعليم العقيدة رأس العلوم وأساسها ، فإذا تعلم الطفل العقيدة وغرست في قلبه وفق المنهج النبوي فالعبادات وسائر فروع الدين تأتي بالتبع
4- ما نراه من إهمال بعض الآباء تعليم أولادهم أمور دينهم وأهمها أمر العقيدة بحجة أنهم مازالوا صغار فإذا كبروا لم يستطيعوا تعليمهم, كما أشار إلى ذلك العلامة ابن القيم رحمه الله حيث قال : ( فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه, وتركه سدا فقد أساء غاية الإساءة, وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه, فأضاعوهم صغاراً فلم ينتفعوا بأنفسهم,ولم ينفعوا آباءهم كباراً)(3)
5- أن الاهتمام بتعليم الأطفال وتنشئتهم على الاعتقاد الصحيح هو سبب حماية الأمة بإذن الله من الزيغ والضلال ولذلك لما قال رجل للأعمش (رحمه الله) هؤلاء الغلمان حولك ؟! قال : اسكت هؤلاء يحفظون عليك أمر دينك .(4)
6- كثرة البرامج الموجهة للأطفال في وسائل الإعلام (المرئية والمسموعة والمقروءة) والتي يهدف كثير منها إلى غرس عقائد فاسدة في نفوس الأطفال يقابل ذلك إهمال تعليمهم العقيدة السليمة ولذلك تتأصل في نفوسهم هذه العقائد الباطلة .
7- وجود خطر عظيم على عقائد الأطفال من بعض الخادمات الموجودة في المنازل والتي تسعى لمحاربة ما عند الأطفال من فطر سليمة وتغذيهم بعقائد فاسدة حتى تتأصل هذه العقائد في نفوس أولئك الناشئة في حال غياب الرقيب المدرك لخطورة ذلك الأمر.
8 - ما أوصى به عدد من العلماء والباحثين من وجوب الاعتناء بأمر الصغار وتعليمهم العقيدة والتركيز عليها بالأسلوب المناسب ومنهم على سبيل المثال :
أ) الإمام ابن القيم (رحمه الله) في تحفة المولود حيث قال عن الأطفال :
(فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا لا إله إلا الله محمد رسول الله وليكن أول ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه وتوحيده وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم ويسمع كلامهم وهو معهم أينما كانوا ) (5)
ب) الإمام/ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) في مقدمة كتابه تعليم الصبيان التوحيد حيث قال ( فهذه رسالة نافعة. فيما يجب على الإنسان أن يعلم الصبيان قبل تعلمهم القرآن ) وغيرهم كثير (6)
9- أن تعليم العقيدة الصحيحة للصغير أفضل وأسهل في قبولها من تعليمه بعد ذلك لأنها موافقة للفطرة التي فطر عليها ولم يصل إليها ما يدنسها من أفكار مخالفة ولأن التعليم في الصغر ليس كالتعليم في الكبر إذ الكبير تكثر عنده الشواغل والصوارف وقد قيل في الحكمة (التعليم في الصغر كالنقش في الحجر.... )
أن الاهتمام بتربية النشء على عقيدة صحيحة واضحة سبب عظيم في عصمته من الفتن والانحرافات في حياته المستقبلية والواقع يشهد لهذا فيمن نشأ على عقيدة سلفية بسلامته من مظاهر الانحراف ( الشرك أو البدع أو الفتن)
11- الخلط الواقع عند كثير من الباحثين في علوم التربية بل والخطاء العظيم في هذا الباب حيث زعم بعضهم أن تعليم العقيدة لا يناسب عقول الصغار ومن ذلك :
قول (رو سو) فيما نقل عنه أن الطفل لا يعلم شيئا عن الله حتى يبلغ الثامنة عشر لأن الطفل كما زعم لا يدرك هذه المعاني في هذا العمر.(7)
وترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لهؤلاء الباحثين الذين لم تستنر نظرياتهم بنور النبوة وعقيدة الإسلام يساهم في انتشار هذه المبادئ ، وعليه فإن بيان المنهج النبوي في تعليم العقيدة يدحض مثل تلك النظريات ولذا فسوف أسوق في أخر هذا البحث نماذج يسيرة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم تبين كيف كان اهتمامهم بتعليم العقيدة للناشئة في مراحل متقدمة من حياتهم كما أنني عازم إن شاء الله على الكتابة في هذا الموضوع بشكل موسع بعد إكمال استعراضي لكثير من كتب السنة والسيرة ييسر الله لي إتمام ذلك .
12- مما يدل على ضرورة تعليم العقيدة للناشئة أن المخالفين لأهل الإسلام ولأهل السنة خصوصاً يهتمون بغرس العقائد في قلوب أطفالهم ، فاليهود مثلاً يهتمون اهتماماً بالغاً بتعليم أطفالهم عقائدهم ولقد ذكر الإمام ابن القيم (رحمه الله) عنهم أنهم كانوا كثيرا ما يسمون أولادهم ب ( عما نويل ) ومعنى هذه الكلمة إلهنا معنا
والرافضة يعلمون أولادهم بغض الصحابة حتى إنهم يخفون لعبة الطفل فإذا طلبها قالوا له أخذها بكير (يعنون أبو بكر رضي الله عنه ) حتى ينشأ الطفل على كره أبي بكر رضي الله عنه .

أخيراً :
نماذج من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تبين كيف كان اهتمامه بعقيدة الناشئة وهي نماذج كثيرة منها على سبيل المثال :

1- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة . صحيح البخاري ج3/ص1233

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أخذ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ ثم قال أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة . صحيح البخاري ج2/ص542 وأنظرشرحه في فتح الباري ج3/ص355

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .... ) صحيح البخاري ج1/ص456

4- عن أبي موسى رضي الله عنه قال ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم فحنكه بتمرة ودعا له بالبركة ودفعه إلي وكان أكبر ولد أبي موسى صحيح البخاري ج5/ص2081

5- عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استجنح الليل أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله .....) صحيح البخاري ج3/ص1195

6- عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه يقول كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا غلام سم الله .... ) صحيح البخاري ج5/ص2056

7- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال ( يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ) الترمذي ج4/ص667

8- عن أبي رافع رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة.... ) الترمذي ج4/ص97 وقال هذا حديث حسن صحيح

9- عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر( اللهم اهدني .... وقني شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت ) سنن أبي داود ج2/ص63

10- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك ) الترمذي ج5/ص59

11 - عن معاذ رضي الله عنه قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال .... وأنفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأخفهم في الله . مسند أحمد بن حنبل ج5/ص238

12- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني فان لامني أحد من أهل بيته قال دعوه فلو قدر أو قال لو قضي أن يكون كان . مسند أحمد بن حنبل ج3/ص231

13- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ) تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات ليلة أو قال يوم فخر فتى مغشيا عليه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو يتحرك فقال ( يا فتى قل لا إله إلا الله فقالها فبشره بالجنة .... ) المستدرك ج2/ص382

14- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض الغلام فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال ( يا غلام أسلم قل لا إله إلا الله فجعل الغلام ينظر إلى أبيه فقال له أبوه قل ما يقول لك محمد صلى الله عليه وسلم فقال لا إله إلا الله وأسلم فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه صلوا عليه وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ) المستدرك ج4/ص323

15- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صالح نصارى بنى تغلب على أن لا ينصروا الأبناء فإن فعلوا فلا عهد لهم قال علي لو فرغت لقاتلتهم . مصنف عبد الرزاق ج6/ص50

16- عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربى صغيرا حتى يقول لا إله إلا الله لم يحاسبه الله . المعجم الأوسط ج5/ص130

17- عن علي رضي الله عنه قال قال رسو الله صلى الله عليه وسلم أدبوا أولادكم على ثلاث خصال حب نبيكم وحب أهل بيته وقراءة القرآن ....) ذكره في كنز العمال ج16/ص189

18- عن ابن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفصح أولادكم فعلموهم لا إله إلا الله ثم لا تبالوا متى ماتوا) عمل اليوم والليلة لابن السني ج1/ص373

19- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتحوا على صبيانكم أول كلمة لا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله .... ) شعب الإيمان ج6/ص398

وأما هدي الصحابة رضي الله عنهم في ذلك فكثير ومنه على سبيل المثال
1- عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يدع يهوديا ولا نصرانيا ينصر ولده ولا يهوده في ملك العرب . مصنف عبد الرزاق ج6/ص48
2- عن كردوس التغلبي قال قدم على عمر رضي الله عنه رجل من تغلب فقال له عمر إنه قد كان لكم نصيب في الجاهلية فخذوا نصيبكم من الإسلام فصالحه على أن أضعف عليهم الجزية ولا ينصروا الأبناء . مصنف عبد الرزاق ج6/ص50
3- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال موضع التميمة من الإنسان والطفل شرك . مصنف ابن أبي شيبة ج5/ص35
4- عن جندب البجلي رضي الله عنه قال كنا فتيانا حزاورة مع نبينا صلى الله عليه وسلم فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا وإنكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان . شعب الإيمان ج1/ص76
5- وهذه أم سليم الرميصاء أم أنس بن مالك رضي الله عنهم أجمعين أسلمت وكان أنس صغيراً ، لم يفطم بعد ، فجعلت تلقن أنساً قل : لا إله إلا الله ، قل أشهد أن لا إله إلا الله ، ففعل ، فيقول لها أبوه : لا تفسدي على ابني فتقول : إني لا أفسده . سير أعلام النبلاء 2/305

هذه بعض الأمثلة وهي كثيرة جداً أسأل الله أن ييسر لي إتمام جمعها وأن ينفع بهذا الموضوع وأن يرد الأمة إليه رداً جميلاً
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

-----------------------------------------------------
(1) تحفة المودود ص31
(2) كتاب الجامع للخطيب البغدادي
(3) تحفة المودود ص22
(4) الكفاية في علم الرواية ص115
(5) تحفة المودود ص231
(6) من أمثال 1) الدكتور/ عبد العزيز آل عبد اللطيف في كتاب له بعنوان مقرر التوحيد
2) عدنان حسن باحارث في رسالة تكميلية لنيل الماجستير بعنوان (مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة)
3) الدكتورة وفاء العساف – وكيلة مركز دراسات الطالبات في جامعة الإمام ووفاء طيبة - محاضرة بقسم علم النفس كلية التربية جامعة الملك سعود في حوار نشر في موقع لها اون لاين بعنوان (كيف نغرس العقيدة الصحيحة في نفوس الأطفال)
4) خولة درويش في مقال نشر في مجلة البيان ـ العدد 31 ص 86 محرم 1411هـ تحت عنوان(تمثل العقائد في الطفولة)
(7) التربية عبرا لتاريخ ص 392



hgjvfdm hgYdlhkdm

• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2009, 04:09 PM   #2 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ون سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مصل له ، ومن يضلله فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) آل عمران 107
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) النساء 1
( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أموالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) الأحزاب 70، 71
أما بعد:
فإن الإسلام هو دين الهدى والنور، الذي لا سعادة للبشرية ولا أمن لها ولا سعادة، في الدنيا والآخرة، إلا عندما تهتدي بهداه، وتستضيء بنوره، مخلصة في عبوديتها لله الخالق، تأتمر بأمره، وتتبع منهحه، نابذة كل منهج من المناهج الأرضية المخالفة له.
فإن أي أمة من الأمم في أي بقعة من الأرض، وفي أي زمان من الأزمان، إذا دانت بهذا الدين، واعتصمت بحبل الله المتين، واتبعت رسوله الأمين، بصدق وعلم ويقين، بما أنزله الله في كتابه المبين، وسنة رسوله الرؤوف بأمته الرحيم، إن أي أمة من الأمم تتمسك بذلك، لا بد أن تكون أسعد الأمم، وأكثرها أمنا واستقرارا، تعيش في رغد من العيش، وتحيا في حياة عز وسؤدد، تقود ولا تقاد، وتأمر ولا تؤمر، وتَنهَى ولا تُنهى، تحب الخير للناس كلهم، وتهديهم إليه بجد ونشاط، وتكره لهم ما تكره لنفسها من الشر، بعزم وبقوة، ولو اقتضى ذلك منها أن تقدم من أجل تحقيقه، المال والولد والنفس، لأنها بذلك ترضي ربها الذي لا غاية لها في الحياة سوى رضاه.
وإن أي أمة من الأمم في أي بقعة من الأرض، وفي أي زمن من الأزمان، رفضت هذا الدين، وبعدت عن هديه، وحاربته وحاربت الدعاة غليه، متبعة هواها، عاصية ربها، هاجرة كتابه، خارجة على هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، إن أي أمة فعلت ذلك، لجديرة بأن تكون أكثر الأمم شقاء وخوفا واضطرابا وضنكا، في كل شأن من شؤون حياتها، حتى لو بدت في ظاهر أمرها غنية بالأموال، كثيرة بالرجال، قوية بالمرافق والصناعات الثقال، فإن السعادة لا يجلبها منصب ولا مال، والأمن لا يحصل بسلاح ولا رجال، والطمأنينة لا يأتي بها أي سبب من الأسباب المادية، إذا خلت من الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد دل على ذلك –أي سعادة المهتدين بهدى الله، وشقاوة الرافضين لمنهج الله- الكتاب والسنة وواقع الأمم الذي سجله التاريخ في كل الأحقاب.
قال تعالى عن نبيه نوح عليه السلام: ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدرارا. ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم أنهارا. [سورة نوح:10-12]
فقد رتب على استغفارهم ربهم الذي أمرهم به، إمداد الله لهم بالأموال والبنين، ومنحهم الجنات والبساتين والأنهار، وهذا من ثمرات طاعة الله في الدنيا، ويشبه ذلك قول الله تعالى: ( ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير. وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ...( [سورة هود: 3]
آيات نوح كانت في قوم أول رسول بعثه الله إلى الأرض، وآيات هود كانت في قوم آخر رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وكلها دالة على أن المتاع الحسن، والعيش الرغيد، والرزق العميم، يعطيها الله من اتبع منهج الله واستجاب لهداه.
وقد يمتع الله عدوه الكافر بالرزق والجنات والأنهار والقوة المادية، ولكنه متاع غير هنيء، بل متاع مقترن بالقلق والشقاء والظلم، ثم إن الذي يستقيم على منهج الله يتمتع برزق الله وهو له أهل، بخلاف أعداء الله، فإنه تعالى يمتعهم برزقه ابتلاء لهم، وزيادة في شقائهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: )قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون( [سورة الأعراف: 32]
فتخصيص الله تعالى المؤمنين بأن هذه الطيبات لهم في الحياة الدنيا، مع أن غيرهم من المشركين والكفار يشتركون معهم في التمتع بها، يدل على أن غير المؤمنين –الذين أهمل ذكرهم- ليسوا أهلا لتلك الطيبات في الحياة الدنيا، وأن المؤمنين هم أهلها.
وقد روى ابن جرير رحمه الله بسنده عن سعيد بن جبير، أنه قال: "ينتفعون بها في الدنيا –أي المؤمنون- ولا يتبعهم إثمها" [جامع البيان عن تأويل آي القرآن: 8/165]
وقال القرطبي رحمه الله )قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا( : "يعني بحقها في توحيد الله تعالى والتصديق له، فإن الله ينعم ويرزق، فإن وَحَّدهُ المُنعَم عليه وصدقه، فقد قام بحق النعمة، وإن كفر، فقد أمكن الشيطان من نفسه، وفي صحيح الحديث (لا أحد أصبر على أذى من الله، يعافيهم ويرزقهم، يدعون له الصاحبة والولد)" [الجامع لأحكام القرآن: 7/199]
وذكر أبو حيان التبريزي ما يأتي: "معنى الآية أنها للمؤمنين خالصة في الآخرة، لا يشركهم الكفار فيها، وهو كذلك، لأن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، إلا أنه أضاف إلى المؤمنين ولم يذكر الشركة بينهم وبين الذين أشركوا في الدنيا، تنبيها على أنه إنما خلقها للذين آمنوا بطريق الأصالة، والكفار تبع لهم في الدنيا، ولذلك خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى: )هو الذي خلق لكم في الأرض جميعا( [البحر المحيط 4/291]
ومما يدل على أن رزق الله تعالى منحه خلقه فتنة منه لهم واختبارا أيشكرونه أم يكفرونه، قوله تعالى: )واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم( [سورة الأنفال: 28]
ودلت آية أخرى على أن رزق الكفار يكون حسرة عليهم، لأنهم ينفقون رزق الله في معصية الله ،كما قال تعالى: )إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون( [سورة الأنفال: 36]
ومن الآيات الدالة على أن الأمة المهتدية بهدى الله، يكرمها الله تعالى بالسعادة والخير والبركات في الدنيا، فتحيا حياة الأمن والعيش الرغيد، قوله تعالىولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماوات والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون( [سورة الأعراف: 96]
وإذا رأيت أمة من أمم الأرض محادة لله ورسوله، وقد أغدق الله عليها من رزقه من السماء والأرض، وظهرت بصفة المسيطر المتعالي ، فاعلم أن ذلك ليس بركات عليهم ولا تكريم من الله لها، وإنما هو محنة واستدراج لها، لتنال عقابها الأليم في نهاية المطاف، كما قال تعالى في الأمم التي كفرت بأنعم الله قبل بعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: )ولقد أرسلنا رسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم وزين لهمم الشيطان ما كانوا يعملون. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين( [سورة الأنعام: 43-45]
ومن أصرح الآيات وأجمعها لسعادة المهتدين بهدى الله وطيب حياتهم في الدنيا والآخرة، قوله تعالىمن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون( [سورة النحل: 97]
والحياة الطيبة ليست هي الحياة التي تتوافر فيها أنواع المتع المادية من مأكل ومشرب ومركب وملبس ومنكح، وصناعة وزراعة واختراعات فحسب، وإنما هي الحياة الآمنة التي تطمئن فيها القلوب، ويأمن فيها الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ينتشر فيها العدل، ويختفي فيها الظلم أو يقل، ويقود الناسَ فيها الأكفياء الصالحون إلى ما يرضي الله تعالى. ومتاع الدنيا المادي المباح جزء من الحياة الطيبة.
ومن الآيات التي جمعت بين إثبات السعادة لمن اتبع هدى الله في الدنيا والآخرة، وإثبات الشقاء والضنك والضلال لمن بَعُدَ عن هدى الله وحاربه، قول الله عز وجلقال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكري قإن له معيشة ضنكا. ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى( [سورة طه: 123-126]
تأمل كيف نفى الله الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وأثبت المعيشة النكدة الضيقة والضلال المبين -الذي عبر عنه بالعمى-لمن أعرض عن ذلك الهدى، وهو ذكر الله، ثم أكد تعالى شقاء من لم يهتد بهدى الله في الدنيا بالحياة الضنك، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، فقالوكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى( [سورة طه: 127 وراجع كتاب شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن 3/9 ]

(2)

دلالة السنة على نزول الشقاء بالأمم البعيدة عن هدى الله
وأما السنة فقد دلت على أن الله تعالى ينزل ألوانا من الشقاء على الأمم التي تحارب منهج الله وتصد عن هداه: شقاء الجهل وشقاء انتهاك الأعراض، وشقاء ارتكاب ما يفسد العقول، وإذا فسدت العقول وانتهكت الأعراض، وفشا الجهل، فسدت الحياة كلها! وأي حياة تلك التي تحيا بها أمة هذا شانها إلا حياة الضنك والضيق التي بينها القرآن.
روى أنس رضي الله عنه ، قال: "لأحدثنكم حديثا لا يحدثكم أحد بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد.) [صحيح البخاري 1/28]
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يتقارب الزمان، ويلقى الشح، ويكثر الهرج) قالوا: يا رسول الله ، أيُّمَ هو؟ قال: (القتل القتل) [البخاري 8/89]
وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل) [البخاري 8/89]
أي إن آخر الزمان يخالف أوله، بمعنى أن العصور الأولى كانت عصور نور وهدى، انتشر فيها العلم وثبت العمل الصالح، وأمن الناس على أموالهم وأعراضهم ودمائهم، لأنهم كانوا ملتزمين بهدى الله، يتعلمون الكتاب والسنة، ويعملون بما تعلموه منهما ويطبقون ذلك اعتقادا وقولا وعملا.
ولهذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على تلك القرون بحسب سبقها الزمني، لسبقها العملي، كما في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونههم" قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعدُ قرنين أو ثلاثة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن) [البخاري 3/151، 4/189]
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس خير؟ قال: (قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ...) [البخاري: 7/224]
وسبب هذا التفضيل، تلك التزكية التي زكى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالوحي الذي كان ينزل عليه، علما وعملا، وكذا تزكية أصحابه بعده للتابعين، ثم تزكية التابعين لأتباعهم ... كما قال تعالى: ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون( [سورة البقرة: 151]
وقال تعالى: ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [سورة الجمعة: 2]

(3)

دلالة الواقع التاريخي على شقاء الأمم البعيدة عن هدى الله
أما الواقع التاريخي، فإن الذي يتتبع فيه حياة الأمم سيجده شاهد صدق على أن الأمة المهتدية بهدى الله، هي التي تحوز قصب السبق في العزة والتمكين والسعادة والطمأنينة في هذه الحياة، وأن الأمة الرافضة لهدى الله البعيدة عن اتباع منهجه، هي التي تمنى بحياة الذل والشقاء والاضطراب والخوف والقلق ، مهما أوتيت من ثراء وقوة ومن ألوان المتع المادية، ومهما شيدت من قصور، ومدت من جسور، وشقت من طرق، وأعلت من أهرامات، تجد فيها السادة المتجبرين، والعبيد الأذلاء المستضعفين، والظلمة الباطشين المستأثرين، والمظلومين المحرومين، لا ينصر فيها القوي –بالعدل- ضعيفا، ولا يدفع فيها القادر عن الخائف مخوفا، كما تجد فيها الفواحش المنكرة، والأمراض الفتاكة المنتشرة، وتجد فيها الجهل بأصول الإيمان وفروعه، وبذلك يعبد أفرادها وجماعتها أهواءهم، ويعتدون على الناس فلا يردهم عن عدوانهم إلا القوة الرادعة لهم.
وهذا ما نشاهده في هذا القرن الذي نعيش فيه: القرن العشرين-المنصرم- الذي تطرب لذكره أسماع، وتخشع لعظمته قلوب، القرن الذي بنيت فيه ناطحات السحاب، وعُبِّدَت فيه الطرق البرية الواسعات، حتى أصبح ساكن أقصى الأرض في الشرق، يسافر بسيارته إلى أقصاها في الغرب، وصنعت فيه الطائرات التي تقطع في ساعات ما بين المشرق والمغرب، وامتلأت البحار المحيطات بالسفن الضخمة، المدنية والحربية والغواصات، وأصبحت بعض كواكب السماء، للمسافرين محطات، وقد وطئت أقدام الإنسان على وجه القمر الذي كانت تشبه به الغيد الجميلات!
وهكذا ما من شيء محسوس في هذا الكون إلا كان هدفا لتفكير المفكرين، ومحلا لبحث الباحثين، ليكتشفوا فوائده، ويغوصوا في أعماق أسراره، ويخضعوه للاستفادة منه مدنيا وعسكريا.
ولكن الحياة مع ذلك كله، لا زالت حياة شقاء ونكد، تنتشر فيها الفوضى الحسية والمعنوية، ويعم كثيرا من سكان الأرض الخوف والجوع والفقر والمرض، فلا تجد شعبا ولا دولة-صغرت أم كبرت-آمنة من اعتداء شعب ودولة أخرى، تعد للاعتداء عليها العدة، وتتربص بها الدوائر، ولا تجد شعبا ولا دولة يأمن فيها الناس من الظلم والجور والإجرام، بل إنك لتجد الجرائم تتصاعد كلما تقدم الناس في الاكتشافات العلمية والصناعات القوية، يدل على ذلك ارتفاع نسبة الإجرام والمجرمين في المحاكم والسجون والمعتقلات-عدا من لم تضبطه أجهزة الشرطة ومن يسندها ممن يسمون بأجهزة الأمن-لا بل إنك لتجد الصالح المصلح الأمين، العالم المحب لأمته الساعي إلى تحقيق مصالحها وسعادتها، هو المجرم المكبل بالقيود المودع في المعتقلات، المصلت على رقبته سيف الموت من قبل من آتاه الله القوة من المتكبرين الطغاة، الذين هم أولى بوصف المجرمين، وأحق بالسجون والمعتقلات والنفي والقتل.
كما تجد من يموتون جوعا، في كثير من المعمورة، وبجانبهم من يموتون من الشبع والتخمة، وتجد العرايا من الملبس والبساط والغطاء، لا يجدون ما يستر عوراتهم، ولا ما يفترشونه تحت جنوبهم، و ما يتغطون به من الحر والقر، وبجانبهم من يؤثثون المنتزهات المؤقتة -بله المساكن الدائمة- بأجود أنواع الأثاث ، وقد امتلأت خزائنهم بالملابس الغالية، وافترشوا الزرابي والنمارق.
وتجد من يدعي مناصرة حقوق الإنسان والديمقراطية، وهو يفتك بالإنسان قتلا وتشريدا، ويربي الكلاب والقرود، ويقدم لها ما تشتهيه أنفسها من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ورخاء، وتكبت أي صوت يرتفع مطالبا بالعدل والمساواة، إذا لم يكن ذلك الصوت مؤيدا لمدعي مناصرة حقوق الإنسان والديمقراطية زورا وبهتانا.
إن هذا العصر الذي توجد فيه هذه الكوارث وغيرها، لمن أعظم شواهد الحق على أن الأمة التي تَبعُد منهج الله وهداه، خليقة بالشقاء والخوف والقلق والاضطراب والدمار، مهما أوتيت من متاع الدنيا الزائل، وأن التربية الإسلامية على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هي التي تجلب للأمة السعادة، وتجنبها من الويلات والضنك والمحن، وتبدلها بذلك الحياة الطيبة المستقرة.
ومما يدل على ذلك أن حياة الشعوب الإسلامية التي حافظت على القليل من منهج الله، هي أسعد من غيرها من الدول التي لم تحافظ على شيء من ذلك.
إن تعليم الأمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتزكيتها بذلك، وحملها على العمل بهما، هي التي تحقق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع معا، بدون طغيان بعضها على بعض، كل يأخذ حقه، ويؤدي واجبه، بدون صراع ولا نزاع ولا تطاحن، بل برضا واطمئنان، فلا يفرض أمن فرد ولا أسرة ولا مجتمع بقوة السلطة فحسب، لأن الفرد والأسرة والمجتمع يؤمنون بالواجبات والحقوق، وبالتعاون على البر والتقوى، فلا طغيان لأحد على سواه، وإذا أراد أحد الاعتداء على غيره، وجد ما يردعه من أحكام الشرع التي كلف الله الأمة تطبيقها على القوي والضعيف.
هذا وقد دفعني التأمل في أحوال الناس عامة، وأحوال المسلمين خاصة، أن اجمع في هذا الكتاب جملة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وأقوال علماء الإسلام ما عسى أن يقنع المسلمين أولا، وغيرهم ممن ينشدون الأمن والسعادة ثانيا، بضرورة السعي الجاد لتطبيق التربية الإسلامية، لينبني على تطبيقها أثرها، وهو أمن الفرد والأسرة والمجتمع، وأنه بدون ذلك لا أمن ولا حياة طيبة سعيدة.
وسميته: [أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي] إشارة إلى أن ما تسمى بأجهزة الأمن لا تحقق – مستقلة عن هذه التربية- للفرد والأسرة والمجتمع الأمن المنشود.



التمهيد:
وفيه بيان معنى الأمن، وأقسامه، وأصول الحياة الطيبة التي لا أمن للبشرية بفقدها، ولا تستقيم حياتها إلا بها.
وفي هذا التمهيد مطالب:
المطلب الأول: معنى الأمن
المطلب الثاني:أقسام الأمن
المطلب الثالث: أصول الحياة الطيب.

المطلب الأول: معنى الأمن
أصل الأمن طمأنينة النفس وعدم خوفها، يقال: أمن، كسلم وزناً ومعنىً.
وأمن البلد: اطمأن به أهله. [تراجع مادة: أ م ن في كتب اللغة، كلسان العرب، ومفردات الأصفهاني، والمصباح المنير]
والمراد بالأمن هنا اطمئنان الفرد والأسرة والمجتمع على، أن يحيوا حياة طيبة في الدنيا، لا يخافون على أنفسهم وأموالهم وعقولهم ونسلهم، من الاعتداء عليها، أو على ما يصونها ويكملها.
وكذلك الإطمئنان على سعيهم إلى كل ما يرضي ربهم، لينالوا الأمن في الآخرة بإحلال رضوانه عليهم، وينعموا بجزيل فضله وثوابه، والنجاة من عقابه.
هذا هو الأمن بمعناه الإجمالي: الأمن على الحياة الطيبة في الدنيا، والأمن على نيل رضا الله وثوابه، والنجاة من عقابه في الآخرة.

(5)

المطلب الثاني: أقسام الأمن
يتضح مما تقدم أن الأمن ينقسم قسمين:
القسم الأول: الأمن في الدنيا، وهو الاطمئنان على ضرورات الحياة، وحاجياتها وتكميلاتها، بحيث لا يعتدي أحد على تلك الضرورات وما يتبعها، فإذا هم أحد بالاعتداء على شيء منها وجد ما يزجره عنها من الزواجر التي وضعها الله تعالى، من العقاب الأخروي، أو العقاب الشرعي في الدنيا.
وهذا القسم من الأمن يحرص على تحقيقه جميع الأحياء من العقلاء، لأنه محسوس عاجل، والنفس مولعة بحب العاجل، فلا يقدم أحد على فعل يكون سببا في فقد أمنه، إلا لسببين:
السبب الأول: عدم علمه بأن ما يقدم عليه، قد يكون سببا في فقد أمنه، كمن يقدم على قتل نفس محرمة فيزهقها –خفية في ظنه-ثم يُكشف أمره، فينال جزاءه وهو القصاص.
السبب الثاني: أن يترجح عنده الإقدام
ولا يقف مكتوف الأيدي في الدفاع عن أمنه إذا أراد أحد أن يعتدي عل نفسه أو عرضه أو ماله، فيدافع عن ذلك، حتى يقتل، سواء كان قتله في ميدان المدافعة ضد المعتدي، أم تحت تجبر طاغية استغل قوته في قتله، لأنه يرى أن دفاعه والمحافظة على شرفه وعزته خير من المحافظة على حياة لا يتوافر لها الأمن الحق والحياة الحرة الطيبة.
والأمن الدنيوي الذي يرزقه الله الأمم ، لا يدوم مع الكفر، بل يبدلها الله به الخوف والجوع والحياة النكدة والضنك، كما قال تعالى: )وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة، يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون( [سورة النحل: 112]
ومن الأمم التي أعطاها الله الأمن، ثم بدلها به الخوف لكفرانها، مشركو قريش، الذين قال تعالى فيهم: )فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ( [سورة قريش:3،4]
وعندما أصروا على كفرهم بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته لهم، أبدلهم الله بالأمن خوفا، وبالغنى فقرا، وبالشبع جوعا، وسلط الله عليهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه المؤمنين، فأخافوهم في بدر والأحزاب، ثم دخلوا مكة فاتحين آمنين منتصرين، وأهلها خائفون، وأيقنوا أنه لا أمن ولا طمأنينة لهم إلا بالدخول في دين الله، ولهذا دخلوا في دين الله أفواجا، فنالوا الأمن، وأصبحوا بدخولهم في دين الله سادة الدنيا وقادة أهلها.
هذا هو القسم الأول من أقسام الأمن في الحياة الدنيا.

(6)

القسم الثاني من أقسام الأمن: الأمن الأخروي:
وهذا هو الأمن الحق الذي إذا وفق الله له أمة من الأمم، فهيأ لها أسبابه، ووقاها من موانعه، فسعت لتحقيقه، تحقق لها معه أمن الدنيا أيضا.
وأهم أسباب هذا الأمن: الالتزام بمنهج الله وعبادته وحده لا شريك له، وعدم طاعة غيره في معصيته، كما قال تعالى: )وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون( [سورة النور: 55]
فالأمة التي تؤمن بالله وتعمل صالحا، فتعبد الله ولا تشرك به شيئا، هي الأمة الجديرة بالاستخلاف والتمكين والأمن في الأرض، كما هي جديرة بالأمن التام يوم القيامة يوم الفزع الأكبر، كما قال تعالى: )إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا، أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة، اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير( [سورة فصلت: 40]
فالنجاة من النار يوم القيامة هي الأمن الحق، والذي ينجو من النار يكمل أمنه بدخول الجنة ونعيمها وغرفاتها، كما قال تعالى: ( إن المتقين في جنات وعيون. ادخلوها بسلام آمنين( [سورة الحجر: 45-46]
وقال تعالى: )وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا، إلا من آمن وعمل صالحا، فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا، وهم في الغرفات آمنون( [سورة سبأ: 37]
هذا هو الأمن التام الذي لا يتحقق إلا بالخوف التام: الخوف من الله تعالى وحده، والتوكل عليه وحده، وعدم الخوف من سواه، وهو الذي جادل به أبو الأنبياء –إبراهيم عليه السلام- قومه، عندما خوفوه بآلهتهم، كما قال الله تعالى: ( وحاجه قومه، قال: أتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي شيئا، وسع ربي كل شيء علما، أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون( [سورة الأنعام: 80-82]
وبهذا يعلم أن الأمة التي تحوز الأمن التام في الدنيا والآخرة، هي أمة التوحيد والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها إذا سعت للحصول على الأمن في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما معا، بغير ذلك، فسعيها ضرب من اللعب واللهو، كما قال تعالى: ( فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) .
ومن أجل هذا الأمن أنزل الله كتبه وبعث رسله وخلق خلقه وأعد جنته ونارهوما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( [سورة الذاريات: 156]( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدا الله ومنهم من حقّت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) [سورة النحل: 36].

(7)

مواقف غالب الأمم من أسباب الأمن الحقيقي
ومع ذلك فإن أغلب الأمم التي تدعي أنها تنشد الأمن والرخاء والاستقرار لا تسلك سبيل هذا القسم، بل إنها لتضع السدود أمام سالكيه وتحاربهم وتصد من أراد أن يستجيب لهم، يدل على ذلك قصص الأنبياء والرسل مع قومهم، وتاريخ الدعاة إلى الله مع الأجيال المتلاحقة.
اقرأ قصة نوح مع قومه، وقصة إبراهيم مع قومه، وقصة هود مع قومه، وقصة صالح مع قومه، وقصة شعيب مع قومه، وقصة لوط مع قومه، وقصة موسى مع قومه، وقصة عيسى مع قومه، وقصة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من الأنبياء أجمعين، مع قومه.
وتأمل تاريخ الأمم إلى يومنا هذا، لترى أن أغلب تلك الأمم تسعى-في الواقع- جاهدة لتعاطي كل سبيل يوصلها إلى خوفها وهلاكها ودمارها، وتسد كل باب يوصلها إلى أمنها واطمئنانها واستقرارها، على الرغم من دعواها السعي الجاد إلى الأمن والاستقرار، ثم تتبع ما ذكر الله في كتابه من أن أكثر الناس ضالون مضلون فاسقون كافرون غير مؤمنين، كما قال تعالى: )إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون( [سورة البقرة: 243].
وقال تعالى: ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله( [سورة الأنعام: 116]، وقال تعالى: )إنه الحق من ربك لكن أكثر الناس لا يؤمنون) [سورة هود: 17]، وقال تعالى: ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ) [سورة الفرقان: 50]، وقال تعالى: )لتنذر قوماً ما أنذر آباءهم فهم غافلون لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون( [سورة يس: 6-7].
وتأمل كيف يستهزئ الناس الذين يفقدون الأمن بدعاة الخير والأمن من الرسل فينالون بذلك غاية التحسر والتندم، كما قال تعالى: )يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ستهزءون( [سورة يس: 30].
وتأمل كذلك قوله تعالى: )وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير( [سورة الحج: 72].
بل إن أعداء الأمن يقتلون دعاة الأمن، كما قال تعالى: )لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون( [سورة المائدة: 70].
ومن هنا يتضح لنا ضرورة التربية الإسلامية التي لا يتحقق الأمن الحق في أي أمة إلا إذا تربى أفرادها وأسرها ومجتمعها على تلك التربية الربانية.
( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) [سورة الجمعة: 2].

(8)

المطلب الثالث: أصول الحياة الطيبة.
وهذه الأصول التي لا تكون الحياة طيبة بدونها، هي التي يسميها العلماء بالضرورات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، وبعضهم يضيف إليها ضرورة سادسة وهي: العرض.
هذه الضرورات إذا لم تحفظ لأي أمة، فإن بقاء تلك الأمة الحقيقي مستحيل، وانقراضها أو ذوبانها محقق.
ولذا قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "فأما الضروريات فمعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين" [الموافقات (2/8) بتحقيق الشيخ عبد الله دراز]
وإذا رجعنا إلى نصوص القرآن والسنة وكتب الشريعة الإسلامية وجدنا أن هذه الأصول التي لا حياة بدونها، هي الهدف الذي يجب أن يكون نشاط الإنسان كله متجهاً لحفظه وحفظ ما يكمله أو درء ما يضعفه.
وقد فصلت القول فيها في كتاب مستقل فليعد إليه من شاء فإنه يغني عن التطويل هنا [راجع: الإسلام وضرورات الحياة، صدر عام 1406].



المبحث الأول: المقصود بالعلم
العلم المقصود هنا هو هدى الله تعالى الذي أوحاه إلى رسله عليهم السلام لهداية الناس، وقد أخبر الله تعالى نبيه آدم أبا البشر عليه السلام وزوجه حواء، وإبليس لعنه الله، عندما أهبطهم إلى الأرض، أنه باعث إليهم ذلك العلم، فمن اتبعه نجا في الدنيا والآخرة، ومن عصاه هلك فيهما، كما قال سبحانه وتعالى: )قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( [البقرة: 38-39].
وهو – أي العلم المقصود هنا – الذي أخبر الله سبحانه وتعالى أن من اتبعه نال السعادة ونجا من الضلال والشقاء، ومن أعرض عنه نزل به الضيق والشدة في الدنيا ونال العقاب الشديد في الآخرة، كما قال سبحانه وتعالى: )قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك أتتك ءاياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى( [سورة طه: 123-126].
قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآيات: "يقول تعالى مخبراً عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية، أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهدى الأنبياء والرسل والبينات والبيان. قال مقاتل بن حيان: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: الهدى القرآن، وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعمّ.
)فمن تبع هداي( أي أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل )فلا خوف( أي فيما يستقبلونه من أمر الآخرة )ولا هم يحزنون( على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: )قال اهبطا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى( قال ابن عباس: "فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة". )ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى(، كما قال ههنا: )والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون( [تفسير القرآن العظيم (1/82)، وانظر الكتاب نفسه (3/186)].
وهذا العلم هو الذي ألهم الله خليله إبراهيم وابنه إسماعيل أن يدعواه جلّ وعلا بأن يمنّ به على ذريتهما الذين يخلفونهما في عمارة بيت الله الحرام، مع رسول يكرمه الله به ليتلوه عليهم ويعلمهم إياه ويطهرهم به، بحيث يعبدونه ولا يشركون به شيئاً، كما قال سبحانه وتعالى: )وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم، ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين( [سورة البقرة: 127-130].
قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى إخباراً عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد صلوات الله وسلامه عليه رسولاً في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجميين من الإنس والجن ..." [تفسير القرآن العظيم (1/184)].
قلت: وقد بيّن سبحانه وتعالى في كتابه أنه بعث فيهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بكتابه لتعليمهم وتطهيرهم بالعمل الصالح، كما قال تعالى: )لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين( [سورة آل عمران: 164].
وقال تعالى: )هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين( [سورة الجمعة: 2].

(10)

وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم العلم النافع الذي هو كتاب الله وسنة رسوله، وضرب له مثلاً بالغيث الذي يسقي الله به الأرض، كما ضرب أمثلة لأقسام الناس في انتفاعهم بهذا العلم وعدمه، فقسّمهم ثلاثة أقسام:
قسم يعلم هدى الله ويهتدي به، ويهدي به غيره، وهم الذين يسعون في تحصيل هذا العلم ويعملون به ويدعون إليه، وضرب لهم مثلاً بالأرض الطيبة التي تقبل الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير.
وقسم يسعون في تحصيل العلم، ولكن فقههم فيه أقل من القسم الأول؛ وكذلك عملهم، فهؤلاء ضرب لهم مثلاً بالأجادب من الأرض التي تمسك الماء فيسقي الناس منها ويشربون.
وقسم ثالث لا يسعى في تحصيل العلم ولا العمل به، وضرب لهؤلاء مثلاً بالأرض السبخة التي لا تقبل الماء ولا تنبت الكلأ.
كما روى ذلك أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا ورعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)) [البخاري في العلم (1/28) ومسلم (4/2282)].
هذا هو العلم النافع الذي جاء من عند الله، فأثمر في صاحبه العمل الصالح الذي يرضي الله تعالى، وكل علم سواه فليس بنافع ما لم يكن خادماً له مؤدياً إلى ما يؤدي إليه.
قال الشاطبي رحمه الله: "العلم الذي هو العلم المعتبر شرعاً – أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق – هو الباعث على العمل الذي لا يخلي صاحبه جارياً مع هواه كيفما كان، بل هو المقيد لصاحبه بمقتضاه الحامل له على قوانينه طوعاً وكرهاً" [الموافقات (1/34) تحقيق محمد محي الدين].
وقال: "قال سفيان الثوري: إنما يتعلم العلم ليتقي به الله، وإنما فضل العلم على غيره لأنه يتقي الله به، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال -وذكر فيها-: وعن علمه ماذا عمل فيه)) [الترمذي (4/612) من حديث ابن برزة رضي الله عنه، وقال: هذا حديث حسن صحيح].
وعن أبي الدرداء: إنما أنا أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: علمت، فلا تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرة: هل ائتمرت؟ والزاجرة: هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع ... [الموافقات (1/29-30].
وأوضح ابن القيم رحمه الله أن العلم النافع هو العلم الذي تطيب به الحياة وينشرح به الصدر، وهو الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ومنها – أي من أسباب شرح الصدر – العلم، فإنه يشرح الصدر ويوسعه، حتى يكون أوسع من الدنيا، والجهل يورثه الضيق والحصر والحبس، فكلما اتسع علم العبد انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل علم، بل للعلم الموروث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العلم النافع، فأهله أشرح الناس صدراً وأوسعهم قلوباً وأحسنهم أخلاقاً وأطيبهم عيشاً ...)) [زاد المعاد (2/24)].
قلت: من أهم أسباب انشراح صدر العالم بالعلم النافع صحة تصوره لما ينفعه وما يضره، لأنه بذلك يصبح سيره في الدنيا مبيناً على علم بالطريق الآمن الذي يحقق له السعادة، فهو يسلكه راضياً مطمئناً، ولو حصل له بسلوكه ضرر مؤقت، فإنه يعلم حسن العاقبة، كما أنه على علم بالطريق المخوف الذي فيه شقاؤه، فلا يسلكه وإن كان فيه نفع مادي ولذة مؤقتة، والجاهل بخلافه ولذلك يضيق صدره، وإن بدا سعيداً، لأنه محجوب الرؤية عن سبيل سعادته وسبيل شقائه، فيسلك سبيل الشر ظاناً أنه ينتفع به، فينكشف له عكس ذلك مرة بعد مرة، وهو لا يتعظ ولا يفيق، وكلما وقع في شرّ ضاق صدره، وهكذا.



المبحث الثاني: العلم بالله تعالى
العلم بالله سبحانه وتعالى هو أساس العلم النافع، وكل علم لم يُبْنَ على هذا الأساس فليس بنافع في الحقيقة، وإن اغترّ به أهله، لأنه لا يحقق لصاحبه سعادة في الدنيا ولا هداية، ولا ينجيه من شقاء الآخرة وعذابها، بله أن يوصله إلى رضا الله ودار نعيمه.
والعلم به سبحانه يعني التعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله عن طريق كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مع العلم أنه يستحيل على المخلوق مهما بلغ من الاجتهاد في معرفة الله أن يحيط به، كما قال تعالى )ولا يحيطون به علماً( [سورة طه: 110].
وفي هذا المبحث أربعة مطالب:

المطلب الأول: العلم بألوهية الله
العلم بألوهيته تعالى التي لا يشاركه فيها أحد، وهي الأساس الأول من أسس الإسلام، وإليها دعا جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام من لدن نوح إلى خاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
قال ابن تيمية رحمه الله: "وهذا حقيقة قول (لا إله إلا الله) وبذلك بعث جميع الرسل، قال تعالى: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون( [الأنبياء: 25]، وقال: )واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون( [الزخرف: 45] وقال تعالى: )ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت( [النحل: 36].
"وجميع الرسل افتتحوا دعوتهم بهذا الأصل" [مجموع الفتاوى (10/51)].
والإله معناه المعبود بحق، وألوهيته سبحانه مطلقة كربوبيته، فكما أنه تعالى الربّ الخالق الذي لا ربّ ولا خالق سواه، فهو سبحانه الإله المعبود الذي لا إله سواه، وهي تتضمن أن يكون المخلوق عبداً له لا لسواه، والعبودية هي كمال الحب وكمال الخضوع للإله سبحانه، وذلك يقتضي طاعته المطلقة والبعد عن معاصيه، فإن العبادة شاملة لكل حياة الإنسان، كما قال ابن تيمية رحمه الله: "العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمساكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة ..." [الفتاوى (10/149-150)].
وقال ابن القيم رحمه الله في هذا المطلب: "فمشهد الألوهية هو مشهد الحنفاء، وهو مشهد جامع للأسماء والصفات، وحظ العباد منه حسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات، وحظ العباد منه حسب حظهم من معرفة الأسماء والصفات، لذلك كان الاسم الدال على هذا المعنى هو اسم الله جلّ جلاله، فإن هذا الاسم هو الجامع، ولهذا تضاف الأسماء الحسنى كلها إليه، فيقال: الرحمن الرحيم العزيز الغفار القهار من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، قال تعالى: )ولله الأسماء الحسنى( [سورة الأعراف: 179]. فهذا المشهد تجتمع فيه المشاهد كلها، وكل مشهد سواه، فإنما هم مشهد لصفة من صفاته، فمن اتسع قلبه لمشهد الإلهية، وقام بحقه من التعبد الذي هو كمال الحب بكمال الذل والتعظيم والقيام بوظائف العبودية، فقد تم له غناه بالإله الحق، وصار من أغنى العباد، ولسان حال مثل هذا يقول:
غنيت بلا مال عن الناس كلهم وإن الغنى العالي عن الشيء لا به"
[طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص: 78-79 طبع قطر].
قلت وإنما يكون الغنى بالله بالتربية الإسلامية التي تحمل الفرد على إيصال الخير إلى الناس وكف الأذى عنهم، والاستغناء بالله تعالى عن المخلوقين.
وقال سيد قطب رحمه الله: "يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية، ألوهية يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه، وكما يتفرد الله سبحانه بالألوهية، كذلك يتفرد تبعاً لهذا بكل خصائص الألوهية، وكما يشترك كل حي، وكل شيء بعد ذلك في العبودية، كذلك بتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية، فهناك إذاً وجودان متميزان: وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد" [خصائص التصور الإسلامي ص:229-230، 263 الطبعة الثانية].
وقال في موضع آخر: "إن توحد الألوهية وتفردها بخصائص الألوهية، واشتراك ما عدا الله ومن عداه في العبودية، وتجردهم من خصائص الألوهية، إن هذا معناه ومقتضاه أن لا يتلقى الناس الشرائع في أمور حياتهم إلا من الله، كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر إلا لله، توحيداً للسلطان الذي هو أخص خصائص الألوهية، والذي لا ينازع الله فيه مؤمن ولا يجترئ عليه إلا كافر ..." [خصائص التصور الإسلامي ص:229-230، 263 الطبعة الثانية].
فالعبد مأمور أن يحقق العبودية لله فيطيعه في أمره ويجتنب معصيته، وإذا قام هذا المعنى في نفسه على الحقيقة لم يعمل في الدنيا إلا خيراً ولا يرتكب شراً يضره أو يضر غيره، فإن فعل شيئا من ذلك أسرع إلى التوبة النصوح. وبذلك يتحقق أمنه وأمن غيره معه.

(12)

المطلب الثاني: العلم بشمول علم الله وإحاطته بكل شيء
لقد كثر في القرآن الكريم ذكر علم الله المحيط بكل شيء بأساليب شتى. وكلها ترمي إلى هدف واحد، وهي إشعار الإنسان بأن أعماله لا تخفى على الخالق، وأنها محفوظة مكتوبة، وسيحاسب عليها.
قال تعالى في شأن أهل الكتاب الذين حذّر بعضهم بعضاً من الاعتراف بما في كتبهم مما يوافق القرآن ويؤيد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، لئلا يكون اعترافهم ذلك حجة للمسلمين عند الله، وكأن الله لا يعلم ذلك لو كتموه، قال تعالى: )وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون، أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون( [البقرة: 76-77].
تأمل هاتين الآيتين، هل تجد شيئاً يمكن إخفاؤه على الله الذي أحاط علمه بما في السماوات وما في الأرض، وما يخطر للمرء في صدره، وهل يقدر الإنسان أن ينكر شيئاً مما عمل في الدنيا عندما يلاقي الله فيجد عنده كل ما عمل من خير أو شر؟
ولقد أعذر الله إلى عباده وحذرهم نفسه رأفة بهم، ومن لم يحذر بعد ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.
وأن الإنسان مهما احتال على الناس وأظهر غير ما يبطن فصدقوه وظنوا به الخير، وهو فاسد القلب سيئ العمل، فإن ذلك غير خاف على الله.
وأنه قد يفعل السوء على غفلة من الناس وينسبه إلى غيره من ذوي البراءة، ولكنه لا يفوت على الله الذي لا يخفى عليه شيء، وإن الإنسان قد يدافع عن المذنب ويحامي عنه، ويثبت أمام الناس براءته، ولكنه لا يقدر على ذلك عند الله، كما قال تعالى: )إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما، ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما. يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا. هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا. ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما. ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما، ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا( [سورة النساء: 105-112، وراجع في تفسير الآيات وسبب نزولها الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (5/375-380)].
وقال تعالى: )وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون( [ الأنعام: 3].
وقال تعالى: )وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون. وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين( [سورة الأنعام: 59-62].
وقال سبحانه: )ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور( [هود: 5].

(13)

تابع للمطلب الثاني: العلم بشمول علم الله وإحاطته بكل شيء
إن الذي يضمر عداوته لأي شخص، ولا يظهر ما يدل عليها لا يقدر أحد من البشر أن يكشف تلك العداوة التي أضمرها، ولكن الله الذي خلق الصدور، عليم بذات الصدور، وقد ذكر في سبب نزول الآية أن بعض المنافقين كانوا يقولون إذا أثنينا صدورنا واستخفينا في بيوتنا واستغشينا ثيابنا على عداوة محمد فمن يعلم بنا؟ فأنزل الله آية هود السابقة [راجع كتاب الجامع لأحكام القرآن في تفسير الآية المذكورة].
تُرى أي قانون وأي سلطان في الأرض قادر على هذه الرقابة الملازمة المحيطة التي لا يشذ عنها شيء؟
وقال سبحانه: )الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار( [الرعد: 8-10].
وقال تعالى: )وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين( [يونس: 61].
قال تعالى: )إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين. يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد. ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم( [المجادلة: 5-7].
وقال تعالى: )رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق. يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار. اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب. وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير( [غافر: 15-20].
ولو أراد الباحث تتبع الآيات المماثلة الدالة على كمال علم الله وإحاطته بكل شيء، وأن كل ما يعمله الإنسان أو يقوله معلوم لله مكتوب على صاحبه وسيجزيه الله عليه يوم القيامة، لو أراد الباحث تتبع ذلك لما وجد صفحة من صفحات القرآن تخلوا من ذلك.
ولو أن البشر يربون على هذه الصفة وما تقتضيه لما كان في الأرض إلا الصلاح الذي اقتضاه منهج الله، وهو الإحسان الذي سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ليعلم الناس، فقال: ((أخبرني عن الإحسان، قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) [مسلم: (1/37)].
وإذا تقيّد الإنسان بمنهج الله بسبب اطلاعه على أن الله تعالى يعلم كل شيء لا يخفى عليه شيء، كان مأموناً في كل تصرفاته التي يعلم أن عليه فيها رقيباً في كل لحظة من لحظات عمره.
قال الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله: "وأهم شيء وأجدره في هذا الصدد أنّ الإيمان بلا إله إلا الله يجعل الإنسان مقيداً بقانون الله ومحافظاً عليه، فإن المؤمن يكون على يقين بسبب اعتقاده بهذه الكلمة أن الله خبيراً بكل شيء، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه إن أتى بعمل في ظلمة الليل أو حالة الوحدة فإن الله يعلمه، وأنه إن خطر بباله شيء غير جميل فإن علم الله محيط به، وأنه إن كان من الممكن له أن يخفي أعماله عن كل واحد في الدنيا، فإنه لا يستطيع إخفاءها على الله عزّ وجل، وأنه إن كان يستطيع أن يفلت من بطش أي كان، فإنه لا يستطيع أن يفلت من الله عزّ وجلّ، فعلى قدر ما يكون هذا الإيمان راسخاً في ذهن الإنسان يكون متبعاً لأحكام الله قائماً عند حدوده لا يجرؤ على اقتراف ما حرّم الله، ويسارع إلى الخيرات والعمل بما أمر الله ولو في ظلمة الليل أو حال الوحدة والخلوة، فإن معه شرطة لا تفارقه حيناً من أحيانه، وهو يتمثل دائماً أمام عينه تلك المحكمة العليا التي لا يكاد الإنسان ينفذ من دائرة حسابها" [مبادئ الإسلام ص:98، طبع الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية].

(14)

المطلب الثالث: العلم بقدرة الله التامة على كل شيء
إن العلم بهذه الصفة العظيمة، وهي قدرته على كل شيء يجعل الإنسان يخاف من أن يقدم على شيء من الشر، أو يترك شيئاً مما أمر به من الخير، لعلمه بأن الله لا يغيب عنه شيء، ولا يعجزه شيء وسيجازيه على علمه بما اقتضاه علمه.
وقد جمع الله تعالى بين علمه المحيط وقدرته التامة في قوله سبحانه وتعالى: )قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير( [آل عمران: 29].
والجاهل بصفة قدرة الله تعالى لا يبالي ما عمل من خير أو شر لأنه يظن أن لا حياة بعد الموت، لعدم وجود قادر على إعادته بعد موته، ولذلك كثر في القرآن الكريم إقامة الحجج على المشركين الذين أنكروا المعاد، والنصوص في ذلك كثيرة جداً، قال تعالى: )أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوي بنانه( [القيامة: 3-4] وقال تعالى: )فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب، إنه على رجعه لقادر، يوم تبلى السرائر، فما له من قوة ولا ناصر( [الطارق: 5-10] وقال تعالى: )أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين. وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم. الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون( [يس: 77-80].
فقد جمع هنا بين كمال قدرته وإحاطة علمه.
وقال سبحانه: )أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا( [فاطر: 44].
فالتربية على العلم بقدرة الله وعلمه المحيطين بكل شيء، تكسب الفرد تقوى الله وخشيته، فلا يقدم على ما لا يرضاه، وتكسبه كذلك الثقة في إثابته على فعل الخير فيسعى للعمل بما يرضيه وترك ما يسخطه.

(15)

المطلب الرابع: العلم بعدل الله الكامل
إن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنزل كتبه، وهي تتضمن أخباراً وأحكاماً، فأخباره كلها صدق، لا يتطرق إليها كذب، وأحكامه كلها عدل، لا يتطرق إليها ظلم، سواء منها ما تعلق بالدنيا من إخبار عما يقع فيها من المغيبات، أم ما كلفه الله الناس من التشريعات، أو ما يتعلق بالآخرة من إخبار عما أعد الله فيها جملة أو تفصيلاً، وما يجازي به تعالى خلقه من أنواع الجزاء، فإن أخباره صدق عن الدنيا والآخرة، وأحكامه عدل في الدنيا والآخرة، ولذلك قال سبحانه وتعالى عن نفسه: )وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم( [الأنعام: 115].
قال الفخر الرازي رحمه الله في تفسير الآية السابقة: "إن كل ما حصل في القرآن نوعان: الخبر والتكليف، أما الخبر فالمراد به كل ما أخبر الله عن وجوده أو عدمه، وأما التكليف فيدخل فيه كل أمر ونهي توجه منه سبحانه على عبده، وإذا عرفت انحصار مباحث القرآن في هذين القسمين، فنقول: قال تعالى: )وتمت كلمة ربك صدقاً( إن كان من باب الخبر، وعدلاً إن كان من باب التكاليف، وهو ضبط في غاية الحسن" [التفسير الكبير (13/161)].
وعدله سبحانه يقتضي أن يوفى كل عامل جزاء عمله، ويقضي لكل مظلوم من ظالمه، مهما قل العمل أو كثر، وجل العلم أو دق، فإنه تعالى قد أمر بالعدل ونهى عن الظلم، وأقام الحجة في الأرض ببيان ما هو عدل وما هو ظلم، ووعد أهل العدل بثوابه وتوعد أهل الظلم بعقابه، قال تعالى: )إن الله يأمر بالعدل( [النحل: 90] وقال تعالى: )قل أمر ربي بالقسط( [الأعراف: 29] وقال: )وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون( [الطور: 47].
ولهذا أنذر سبحانه عباده بحسابه العادل الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال تعالى: )إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما( [النساء: 40].
وقال تعالى: )ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون( [يونس: 54].
وقال تعالى: )ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون( [يونس: 47] وقال تعالى: )إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون( [يونس: 44] وقال سبحانه: )ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا( [الكهف: 49]. قال تعالى: )ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين( [الأنبياء: 47].
إن تربية الفرد على هذه الصفة للإله العالم القادر على كل شيء، هي أعظم تربية تجعله يسعى إلى طاعة الله وترك معصيته، ومعاملة عباد الله بما شرّع الله دون تعدٍ لحدوده.
وفي قوله سبحانه وتعالى: )فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره( [الزلزلة: آخر السورة] أجمع ما وعد الله فيه عباده المؤمنين أو توعد به الكفرة المجرمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر أنواع الخيل، وأنها لرجل أجر، ولرجل وزر، فسئل عن الحُمُر؟ قال: ((ما أنزل الله عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة)) وذكر آخر الزلزلة [البخاري (3/217) ومسلم (2/681-682)].

(16)

المطلب الخامس: العلم بصفات الله وأسمائه
العلم بصفاته وأسمائه تعالى التي وردت في كتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتعبد له بها، من أعظم ما يؤثر في سلوك العبد، فإن أسماءه وصفاته إنما ذكرت ليتعرف الله بها إلى عباده، كما قال سبحانه وتعالى: )قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى( [الإسراء: 110].
فالتربية بأسماء الله وصفاته والتعبد بها، هي أعظم ما يؤثر في العبد التأثير الحسن، لأن كل اسم من أسماء الله يحمل من المعاني ما لو فقهها المؤمن وغرست في نفسه، لازداد تقرباً إلى الله بطاعته وترك معصيته، ومن ذلك السعي في إيصال الخير والإحسان إلى الناس والبعد عن الإساءة إليهم، كما قال ابن القيم رحمه الله: "ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلاً عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به وأحبهم له صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا أحصي ثناءً عليك أننت كما أثنيت على نفسك)) [مسلم (1/352)] ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله، لاستدعت منه المحبة التامة عليها، وهل مع المحبين محبة إلا من أثار صفات كماله، فإنهم لم يروه في هذه الدار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب عنهم" [طريق الهجرتين وباب السعادتين ص:561-562].
وما ذلك إلا لتأثير تلك الأسماء في محصيها المتعبد بها لربه، لأنها ربّته بمعانيها على طاعة الله وشكره، والبعد عن معاصي ربه، ومن ذلك أن يحسن إلى خلق الله ويحب لهم من الخير ما يحب لنفسه، ويكره لهم من الشر ما يكره لنفسه.
ومعنى هذا أن يحفظها ويفهم معانيها التي أثرت فيه، وألفاظها وحدها لا تكفي من حفظها ليتأثر بها التأثر الذي يريده الله.
ولكن ينبغي أن يعلم أن العلم بأسماء الله وصفاته لا يناله من ألحد فيهما بتعطيل أو تشبيه أو تأويل اتباعاً للهوى وتحكيما للعقل، كما هو شأن من حاد عن طريقة السلف الصالح من الإيمان بهما من غير تعطيل ولا تأويل ولا تمثيل على ضوء قوله تعالى: )ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( [الشورى: 11] وقوله تعالى: ( ولا يحيطون به علماً ) [طه:110].


المبحث الثالث: العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
إن القرآن الكريم لم ينزل إلا لهداية البشر وإقامة الحجة عليهم، كما قال سبحانه وتعالى: )الم، ذلك الكتاب لا ريب فيها هدى للمتقين( [البقرة: 1-2] وقال سبحانه: )إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم( [الإسراء: 9].
وقال تعالى: )هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون( [الصف: 9].
قال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "وهذه الآية (يعني آية الإسراء المذكورة) الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع مما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خيري الدنيا والآخرة ..." [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/409)].
والعلم بكتاب الله لا يأتي إلا عن طريق تلاوته وتدبره وتطبيق أحكامه، وتزكية النفس بما اشتمل عليه من إيمان وأدلة يقينية عليه، وعمل صالح ومكارم أخلاق، والذي لا يقرأ يستطيع أن يأخذ حظه من تعلم ذلك وتطبيقه.
فقد بين الله تعالى في هذا القرآن ما يجب على العبد القيام به لربه ولنفسه ولغيره من المخلوقين، وما يجب اجتنابه كذلك. فإذا علم الإنسان القرآن الكريم وائتمر بأوامره وانزجر عن نواهيه، فإنه لا بد آتٍ بما ينفع نفسه وينفع الناس ويبتعد عما يضر نفسه ويضر الناس، وذلك هو الأمن في الحقيقة.
ولقد كان لهذا القرآن أثره في نفوس الذين أخذوه علماً وعملاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك كانت السعادة وكانت العزة وكان الأمن والاستقرار والإيثار والمودة والإخاء، وهذه المعاني التي ينشدها العالم اليوم لفقدها أو ضعفها الذي يكاد كالفقد، لا يمكن أن تعود إلى البشرية إلا إذا سلك المسلمون مسلك سلفهم الصالح في تعلم كتاب الله وسنة رسوله لتطبيقهما في حياتهم، كما طبقها أولئك السلف.
قال ابن كثير رحمه الله: "وقال الأعمش ... عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن، وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً" [تفسير القرآن العظيم (1/3) وانظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (13/331)].
وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم في التكليف كالقرآن، وقد فصَّلَتْ ما أجمل فيه، أو شرع الله فيها أحكاماً ليست في القرآن وهي وحي مثله، إلا أنها وحي غير مَتْلو، والله تعالى قد أمر بطاعته وطاعة رسوله وأمر بأخذ ما جاء به من السنّة كالقرآن.
قال تعالى: )قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين( [النور: 54] وقال تعالى: )وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى( [النجم: 3-4] وقال تعالى: )وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا( [الحشر: 7].
لذلك لا بدّ من تعلم سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، لأنها التطبيق العملي للإسلام الذي جاء به من عند ربه.


المبحث الرابع:العلم برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمقصود أن يتيقن المسلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله – كما تيقن أن الرب الخالق هو الله المعبود – أنزل عليه وحيه ليبلّغ دعوته إلى الناس كافة، وأنه لا رسول بعده، ولا كتاب بعد القرآن الذي جاء به، وأنه هو الذي يجب التلقي عنه واتباعه والاقتداء به، ولا يجوز اتباع من خالف ما جاء به كائناً من كان، وأن سنته الصحيحة واجبة الاتباع كالقرآن في التكليف، وقد كان صلى الله عليه وسلم كما وصفته عائشة (حلقة القرآن) [مسلم (1/513)].
وقد فصّلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله القرآن وزادت عليه أحكاماً لم ترد فيه، وهي كأحكام القرآن في وجوب الأخذ بها.
وهداية البشر وسعادتهم في تحقيق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي يعلم حق هذا النبي الكريم ويعمل بما جاء به من عند ربه جدير بأن يأمنه الناس على نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بكل ما فيه خير للبشر جميعاً، ونهى عن كل ما فيه ضرر كذلك، رأفة بأمته ورحمة، وخوفاً عليهم من الإثم والعنت، كما قال سبحانه وتعالى عنه في كتابه: )لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم( [التوبة: 128].
وقال تعالى: )واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون( [الحجرات: 7].
وقد بين صلى الله عليه وسلم كمال رأفته وشفقته على هذه الأمة، وأن العصاة الذين يقعون في السيئات – مع شدة حرصه أن لا يقعوا فيها – يذودهم عنها وهم يقعون فيها، والوقوع فيها وقوع في النار التي أرسل للإنذار منها والتبشير بالجنة لمن أطاع الله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار، يقعن فيها، فجعل ينزعهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وهم يقتحمون فيها)) [البخاري (7/186) ومسلم (4/1789)].


المبحث الخامس: العلم باليوم الآخر
إن علم الإنسان بأنه سيموت فقط، غير كاف في تربيته على فعل الخير واجتناب الشر، لأنه ما من أحد إلا يعلم أن الموت أمر حتم وأنه لا يخلد أحد في هذه الأرض، يستوي في ذلك المؤمن المطيع الكامل الإيمان، والكافر والفاسق، بل أن الكافر الذي لا يؤمن بالبعث واليوم الآخر وما فيه من جزاء، كلما ذكر الموت ازداد ضراوة وشراهة في التمتع بالشهوات، وازداد اعتداؤه على حقوق غيره، ما لم يردعه رادع مادي من العقاب، لأنه لا يرجو متعة بعد موته فيستعجل كل متعة ممكنة قبل الموت.
ولهذا تجد الإيمان بالله تعالى يقترن به الإيمان باليوم الآخر، وتجد الذين لا يؤمنون باليوم الآخر هم أكثر الناس عصياناً وتمرداً على الله ورسوله، وأكثر بعداً عن الاستجابة لداعي الخير.
والتذكير بالموت إنما ينفع المؤمن باليوم الآخر، ليزداد المطيع من الطاعة، ويتوب العاصي عن المعصية وينزجر، خشية مما هو مقدم عليه من الحساب والجزاء.
فالمؤمن باليوم الآخر حق الإيمان، ينافس فيما يرضي ربه، على عكس من لا يؤمن به. وقد أجمل الله سبحانه وتعالى رحلة الإنسان وأطوارها خاتماً لها بالبعث بعد الموت، فقال: )ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، ثم إنكم بعد ذلك لميتون، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون( [المؤمنون: 12-16].
وقد آمن الناس، بل صدقوا بهذه الأطوار كلها، لأن ما أحرزوه من علم مادي مما علمهم الله إياه في هذه الحياة قد كشف لهم عن صدقها، ما عدا البعث فإنه لم يؤمن به إلا من هداه الله لدينهن فآمن بما أخبر الله به من الغيب الذي هو أول صفات المتقين في القرآن: )الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون( [البقرة: 1-3].
وقد زودهم الله تعالى – مع إيمانهم المطلق بكل ما أخبر به من الغيب، ومنه البعث – بالحجج والبراهين الساطعة، على أن البعث حق لا مرية فيه، فاجتمع لهم الأمران، الأمر الأول: التصديق المطلق والتصديق الكامل بما أخبر الله معتبرين خبره هو الدليل الكافي، لأن أخباره كلها صدق، والأمر الثاني: العلم بالحجج العقلية المقنعة على صدق ما أخبر الله تعالى به.
أما غير المؤمنين بالله حقاً فمازال أكثرهم لا يؤمنون باليوم الآخر، الذي هو نهاية أطوار حياة الإنسان كلها، بسبب انهم لا يصدقون إلا بما أدخلوه تحت التجارب المادية فظهرت لهم نتائجه حسية، وما عدا ذلك من الغيب فلا شأن لهم به ..
وقد ذكّر تعالى بأهوال يوم القيامة وما يصاب فيه الناس من ذهول لشدته، فقال جل وعلا: )يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد( [الحج: 1-2].
أمر سبحانه بتقواه وأتبع ذلك بهذا الإنذار والتخويف من بأس يوم القيامة الذي هذا شأنه.
كما نبّه سبحانه الناس من الغفلة التي هم فيها والإعراض عن طاعته، باقتراب الحساب على ما يعملون من أعمال، فقال تعالى: )اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون( [الأنبياء: 1-3].
هذه طبيعة من لم يؤمن بالبعث والجزاء في اليوم الآخر، أو يؤمن به ولكنه غافل عنه، طبيعته الغفلة والإعراض وعدم التأثر بما يتلى عليه من آيات الله واللعب واللهو، وإنه إذا تأملت أحوال أكثر المسلمين اليوم – بله غيرهم – وجدت أنهم يتصفون بهذا الصفات بعيدين عن صفات من يؤمن باليوم الآخر ولا يغفل عنه. إنهم في غفلة عن الله وإعراض، قد طغى عليهم اللعب والهزل واللهو، فأخلدوا إلى الأرض، وناموا عن المجد فأذلّهم الله دلاً لا فكاك لهم منه إلا بالعودة إلى الله وتزكية أنفسهم بالعلم النافع والعمل الصالح.
وأنذر الله سبحانه وتعالى الناس بيوم القيامة والبعث والجزاء من وقت نفخ الصور إلى أن يدخل أهل الجنة وأهل النار النار، فقال تعالى: )ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون، ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون، وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين، قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين، وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين( [الزمر: 68-74].
إن المسلم الذي يربى على السعي في أسباب الأمن من هذا اليوم العظيم، هو الذي يتحقق به الأمن في الدنيا، وإن الذي لا يخاف هذا اليوم، ولا يسعى في أسباب الأمن من أهواله، لهو الجدير بالإخلال بالأمن في الدنيا، لأن الذي لا يخاف هذا اليوم العظيم، لا يتورع عن أي فعل تتوق له نفسه، مهما كانت فيه من الضرر على سواه.

(20)

وإن الذي يطلب من الناس أن يحققوا الأمن في الدنيا، ولم يربهم على الإيمان باليوم الآخر، ولا على السعي في أسباب الأمن من أهواله، إن الذي يطلب من الناس تحقيق الأمن على هذه الصفة، مهما بلغ من القوة المادية يعد كراقم على الماء، بل لا يصدق في دعواه ورغبته في أمن الناس، لعدم سعيه حقاً في تحقيق الأمن باتخاذ وسائله المحققة له، فهو يدعي أنه يريد تحقيق مصالحهم وحمايتهم من الخوف والقلق في الدنيا، ولكنه لا يقيم على دعواه ما يصدقها بحمايتهم من الخوف الحقيقي الذي سيلاقونه يوم الدين، والحماية من هذا الخوف هي حماية من خوف الدنيا لو كانوا يعقلون.
فالساعي لتحقيق الأمن في الآخرة هو الساعي للأمن الحقيقي، وهو الذي يأمنه الناس في الدنيا على دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وهو الذي يستحق البشرى بالأمن الذي اجتهد في تحقيقه عندما ينتقل من الدنيا إلى الآخرة، كما قال تعالى: )إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم، ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين( [فصلت: 30-33].
وهل يتحقق الأمن الحق إلا لمن كان الله وليه في الدنيا والآخرة؟
وقد تطابق الكتاب والسنة على أن التربية باليوم الآخر تحقق الأمن، لذلك تجد تحريم الاعتداء مقروناً بجزاء اليوم الآخر وعقابه، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء منه، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) [البخاري (3/99)].
وفي حديث أبي هريرة – أيضاً – رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عليه وسلم: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار)) [مسلم (4/1997)].
وفي حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أراضين)) [مسلم (3/1230)].
وفي حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال: "هذه غدرة فلان")) [مسلم (3/1360)].
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة فيقال: ألا هذه غدرة فلان)) [البخاري (4/72) ومسلم (3/1360) واللفظ له.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل غادر لواء يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة)) [مسلم (3/1361)].
ترى هل يقدم الذي تربى على الإيمان باليوم الآخر وعلمه حق العلم على الغدر بالناس وأخذ حقوقهم وسفك دمائهم، حتى لو خلا عن أعين الناس، وهو يعلم أن غدره سيشهر أمام الأشهاد يوم الدين، ينصب له لواء وينادى باسمه، ويقال: هذه غدرة فلان؟.
إن المالك الحق – مالك يوم الدين – يقتص للسيد من مملوكيه، كما يقتص لمملوكيه منه سواء بسواء، بلا ظلم ولا محاباة، كما يفعل ذلك كثيرٌ من ملوك الأرض، يحابون القوي ويظلمون الضعيف.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رجل فقعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني، ويخوّفونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا فيهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك، وعقابك إيّاهم، فإن كان عقابك إيّاهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إيّاهم دون ذنوبهم، كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل)) فتنحى الرجل، وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما تقرأ قوله تعالى: )ونضع الموازين القسط ليوم القيامة، فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين( [الأنبياء: 47].
فقال الرجل: يا رسول الله، ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم. أشهدك أنهم كلهم أحرار)) [الترمذي (5/320-321) وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن ابن غزوان، وقد روى ابن حنبل عن عبد الرحمن بن غزوان هذا الحديث.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بعتقهم، وإنما أجابه على سؤاله بأن العدل الإلهي يقتضي أن يحاسب هو على ما جنى، وأن يحاسبوا هم على ما جنوا، ويقتص للمظلوم من ظالمه، ولمّا كان إيمان هذا السائل باليوم الآخر وبالحساب العادل فيه إيماناً متيقناً، وزاده جواب الرسول صلى الله عليه وسلم علماً به وبالعدل الإلهي فيه، خاف على نفسه لأنه هو السيد، وخصماؤه هم العبيد، والسيد أقوى من عبده في الدنيا، وقد يكون ظلمه لهم أكثر من ظلمهم له، فما وحد مخلصاً لنفسه من ذلك إلا مفارقتهم بعتقهم، ليكسب بذلك أمرين:
الأمر الأول: وقاية نفسه من مزيد الإثم بظلمهم ماداموا بين يديه.
الأمر الثاني: كسب الأجر بعتقهم الذي قد يغفر الله له ذنوبه التي اقترفها معهم ويبقى له المزيد من الثواب.

(21)

وقد قارن أبو الأعلى المودودي رحمه الله، بين الإيمان بالآخرة وعدم الإيمان بها، وبين ما يترتب على كلا الأمرين، فقال: "فالإسلام يثبت هذه العقيدة – إي عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر – في قلب الإنسان، فكأنه بذلك يلقي في روعه حارساً من الشرطة الخلقية يدفعه إلى العمل ويحثه على الائتمار بأوامر الله جل وعلا، سواء عليه أكان في الخارج من الشرطة والمحكمة والسجن ما يحمله على القيام بها أم لا، وهذا الحارس الداخلي وهذا الوازع النفسي هو الذي يشد عضد قانون الإسلام الخلقي ويجعله نافذاً بين الناس في حقيقة الأمر، وإن كان مع ذلك من تأييد الحكم والرأي العام ما يسهل تنفيذه، فذلك أجدى وأزكى، وإلا فالحقيقة أن هذا الإيمان وحده يضمن هداية الفرد المسلم والأمة المسلمة إلى سواء الطريق إذا كانت خالطت بشاشته قلوبهم وتغلغلت هذه العقيدة في نفوسهم تغلغلاً ..." [نظام الحياة ص: 16].
وقال في موضع آخر: "فإن إنكار الإنسان للحياة الآخرة أو إقراره بها له تأثير بعيد في حياته، فإن الذي فطر عليه الإنسان أن لا يصبو إلى عمل، أو يعرض عنه إلا على قد ما يرى فيه لنفسه من فائدة أو ضرر، فأنى للذي لا يعدو نظره فائدة هذه العاجلة وضررها أن ينشط لعمل صالح لا يرجو منه فائدة في هذه الدنيا، أو يجتنب عملاً سيئاً لا يخاف منه على نفسه ضرراً في هذه الدنيا؟ أما الذي ينفذ بصره إلى نتائج الأعمال ولا يقف عند ظواهرها، فلا يرى نفع هذه العاجلة أو ضررها إلا شيئاً عارضاً، فيؤثر الحق على الباطل، والخير على الشر، نظراً إلى فائدة الآخرة أو مضرتها الأبدية، ولو كان الخير يرجع إلى نفسه بأفدح ضرر، والسيئة بأعظم منفعة في هذه الدنيا، فانظر إلى ما بين هذين الرجلين من الفرق العظيم والبون الشاسع، فالخير في نظر الأول ما يحصل نفعه في هذه الدنيا الفانية ... والشر عند ما ينتج أو يخشى أن ينتج شيئاً مكروهاً في هذه الدنيا ... بينما الخير في نظر الرجل الثاني ما يرضي الله، والشر ما يسخطه، وهو يرى أن الخير خيرٌ في كل حال، وإن لم ينفعه في هذه لحياة الدنيا، وابتلاه بكل ضرر فيها، ويستيقن أن الله سيعطيه نفعاً أبدياً عنده في الآخرة، وأن الشر شرٌ في كل حال، وإن لم يذقه أو لم يخف أن يذوق وباله في هذه الحياة الدنيا ووجد فيها المنفعة كل المنفعة، ويعلم علم اليقين أنه إن فاته العقاب على أعماله السيئة في هذه الدنيا، فلا مفر له منه في الآخرة ..." [مبادئ الإسلام ص:115-117].
فأي الرجلين أحق بالأمن وتحقيقه في الدنيا والآخرة الأول أم الثاني؟
ألا ما أطول الطريق على طالب الأمن من غير هذا السبيل بل ما أصعب الوصول إليه من سواه، وما أفدح الأخطار النازلة به! وما أقصر الطريق لطالبي الأمن من هذا السبيل وأعظم مكاسبهم، فياليت قومي يعلمون!.


المبحث السادس: العلم بالملائكة ووظائفهم
إن الذي يعلم أن لله تعالى مخلوقات ملأت السماوات، وأحاطت بالعرش، وانتشرت في الكون كله تنفذ أمر الله ولا تعصي له أمراً، وأن من وظائفها العناية بهذا الإنسان والاهتمام به منذ أن أراد الله خلقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل إنهم ليتلقونه في الآخرة، وهم الذين يفتحون لأهل الجنة أبوابها، ولأهل النار أبوابها، وخزنة الجنة ملائكة وخزنة النار ملائكة.
إن الذي يعرف ذلك إجمالا،ً ليكاد ترتعد فرائصه من شدة الخوف من هؤلاء الذين يلازمونه في كل أحواله، ويكتبون كل أعماله وحركاته، فيلقى كل ما يكتبونه محضراً عند لقاء ربه، فكيف إذا عرف ذلك بالتفصيل الذي أذن الله به؟
ويكفي أن نذكر شيئاً من وظائفهم المتعلقة بهذا الإنسان مع النصوص الدالة عليها باختصار، لنرى الأثر الذي يحدثه العلم بالملائكة والإيمان بهم في نفس المؤمن.
1- دوام عبادتهم وعدم عصيانهم مطلقاً، كما قال تعالى: )فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون( [فصلت: 38].
وقال تعالى: )يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون( [التحريم: 6].
جُمع في هذه الآية بين ثلاثة أمور في الملائكة:
الأمر الأول: أن منهم من وظيفته القيام على شئون النار.
الأمر الثاني: أن هؤلاء القائمين على جهنم متصفون بما يناسبها، وهو الغلظة والشدة.
الأمر الثالث: كمال طاعتهم لربهم وعدم عصيانه، ولهذا حذّر الله المؤمنين وأمرهم بوقاية أنفسهم من هذه النار التي عليها هؤلاء الملائكة الذين هذه صفاتهم، فإنهم لا يمكن أن توجد في قلوبهم رحمة لمن أمرهم الله بحبسه في نار جهنم.
وإن هذه الصفة التي هي عدم المعصية، والطاعة الكاملة لله سبحانه وتعالى من أعظم ما يبعث في نفس المؤمن محاولة الارتقاء بنفسه في طاعة الله إلى أعلى مستوى يقدر عليه، وإن لم يكن تكوينه مثل تكوين الملائكة في العصمة، إلا أن الاقتداء في الاجتهاد في الطاعة حسب طاقته يرفعه إلى أعلى ما يطيقه البشر، وفي ذلك كفاية بالنسبة للإنسان.
2- إن الملائكة لشدة حرصهم على طاعة الله وكونهم جبلوا على ذلك، يحبون أن يكون الكون كله معموراً بطاعة الله بحيث لا يشذّ عنها أحد من الخلق، ويكرهون أن يوجد في الكون السفلي ما يخالف الكون العلوي، بوجود عصاة وفساد، لذلك أبدوا شفقتهم وخوفهم من أن تكون هذه الأرض محل فساد من بين سائر الكواكب والسماوات، من اعتداءٍ وسفك دماءٍ وظلم، وغير ذلك، كما قال تعالى: )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون( [البقرة: 30].
إنهم لشدة حرصهم على طهارة الكون من الشرك والظلم والاعتداء، ومحبتهم للتوحيد والطاعة والعدل والأمن والاستقرار، يود أن يكون العالم السفلي (الأرض) مثل العالم العلوي، بأن تكون مقراً لهم يعمرونها بعبادة الله وطاعته، ولكن لحكمةٍ يعلمها الله، وقدرٍ أراده، وعلم محيط بالمصالح والمفاسد، أراد تعالى أن يكون سكان هذه الأرض من جنس آخر: جنس خلقه الله من قبضته من طين ونفخة من روح، جنس يكون تكليفه اختياراً، ولا تكون العبادة والطاعة سجية له كالملائكة، بحيث لا يقدر على الخروج من فلك الطاعة في كل أحيانه، بل يكون من طبيعته أن لديه قدرة على الطاعة والمعصية، ونوع اختيار، ويكفي أن يبعث الله إليه الرسل وينزل عليه الكتب لهدايته، والملائكة ترافق هذا الإنسان من وقت علوقه برحم أمه إلى أن يدخل الجنة أو النار.
3- ولعل في جعل الله تعالى سفيره إلى رسله الهداة من البشر حبريل عليه السلام أمينه على وحيه، تكريماً منه تعالى لملائكته الحريصين على وجود الصلاح في هذه الأرض، كما قال تعالى: )إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين( [التكوير: 19-21].
وهم بذلك يقيمون الحجة على البشر بأنهم قد أتوهم بالهدى من عند الله الذي فيه صلاحهم، وبيان ما يجب عليهم أن يجتنبوه من الفساد.
4- ولهذا جعلهم الله تعالى حراساً على البشر، يراقبون نشاطهم وأفعالهم ويكتبونها عليهم في سجلات تنشر عليهم يوم القيامة، كما قال سبحانه وتعالى: )وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون( [الانفطار: 10-12].
وقال تعالى: )ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد( [ق: 16-18].
إن الإنسان المؤمن الذي يعلم أن حراساً أمناء كَتَبَةً، يعلمون ما يفعل، ويكتبون عليه نشاطه كله في سجلاتهم في كل لحظة من لحظات حياته، لا فرق بين خلوته وجلوته، لا بد أن يسعى جاهداً في عمل كل صلاح يقدر عليه وفي البعد عن كل فسادٍ أو شرٍ.

(23)

5- ومن وظائفهم توفي الأرواح ونزعها، وهم ينقسمون إلى قسمين: ملائكة رحمة تنزع نفس المؤمن نزعاً خفيفاً، وملائكة عذاب تنزع روح الكافر نزعاً شديداً عنيفاً، كما قال تعالى: )قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون( [السجدة: 11].
وقال تعالى: )وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون( [الأنعام: 61].
وقال تعالى: )ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون( [الأنعام: 93].
وقال تعالى: )ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق( [الأنفال: 50].
إن المؤمن الذي يعلم أن من وظائف الملائكة نزع روحه وأنه إذا حاد عن الجادة تولت نزع روحه ملائكة العذاب، ليجتهد كل الاجتهاد في السعي إلى ما يرضي ربه سبحانه وتعالى ليكون الموكلون به عند زهوق روحه في آخر حياته ملائكة الرحمة لا ملائكة العذاب.
6- وهم الذين يمتحنون الميت في قبره، كما في حديث البراء بن عازب، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: )يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت( قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فذاك قوله عزّ وجلّ: )يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة( [مسلم (4/2201) والآية في سورة إبراهيم: 27].
وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بيان من يسأل الميت، وصفته وتفصيل سؤاله، وأقسام المسئولين وأجوبة كل قسم، وما يترتب على تلك الأجوبة في البرزخ. فقد روى رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قبر الميت -أو قال أحدكم- أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ثم يُنَوَّر له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك.
وإن كان منافقا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك( [الترمذي (3/374-375) بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وقال: لم يخرّجه من أهل السنة سوى الترمذي. وقال الترمذي: حديث حسن غريب].
وعلم الإنسان بهذا الامتحان من ملائكته المقربين الذين لا يعصونه يجعله يعدّ له عدته ويعيش مشفقاً على نفسه طول حياته، فلا يعتدي على حقوق الله ولا على حقوق عباده، وهذا هو الذي يؤتمن على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم.
7- ومن وظائف الملائكة أن طائفة منهم يكونون خزنة لجنة، وأخرى خزنة لجهنم، وهم الذين يفتحون أبواب الجنة للمؤمنين، وأبواب جهنم للكافرين، يستقبلون المؤمنين بالتبشير، ويستقبلون الكافرين بالتبكيت والتوبيخ والإهانة، كما قال سبحانه وتعالى: )ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون. ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون، وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين. وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين( [الزمر: 68-73].
إن رحلة الإنسان من وقت خلقه في بطن أمه إلى أن يدخل الجنة أو النار، وملائكة الله معه لا تفارقه لممَّا يقوي العزم على طاعة الله والبعد عن معصيته وإضرار عباده، وإن عدم تربية الإنسان على هذا الباب من أعظم المصائب والكوارث التي تجني ثمارها البشرية من الظلم والاعتداء والإخلال بالأمن.
وللملائكة وظائف أخرى لم نتعرض لها هنا، واكتفينا بما ذكر لقوة صلته بهذا الإنسان.


المبحث السابع: العلم بوجوب محبة الله ورسوله
إن الذي يفقد محبة الله ورسوله من قلبه، لا يكون مؤمناً بالله ورسوله، لأن محبة الله هي لب عبادة الله وركنها، ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبة الله، فهي أيضاً من لب العبادة لله.
ويجب أن يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمنين من نفسه وماله وولده والناس أجمعين.
والذي تكون قرابته وزوجه وماله وتجارته، أحب إليه من الله ورسوله، فليس من أهل الهدى ودين الحق، وإنما هو من الفاسقين، كما قال تعالى: )قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين( [التوبة: 24].
والإنسان إذا كان الله ورسوله أحب إليه من هذه الأمور المشتملة على أنواع المحاب الدنيوية، فإنه لا يُقدّم ما يحبه طبعاً أو يهواه على ما يحبه الله ورسوله شرعاً، وهذا هو منبع الأمن، لأنه لا يمكن أن يعتدي على حقوق الآخرين لا لنفسه ولا لمن يحبه طبعاً، لعلمه أن ذلك مما يسخط الله ويجعله في عداد الفاسقين، ولأنه يقدّم محبة ما يحب الله ورسوله على ما تحبه نفسه أو يحبه أقاربه الذين يحبهم.
وهذه جملة من الأحاديث الواردة في محبة الله ورسوله ومحبة ما يحبه الله ورسوله:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أخب إليه مما سواهما، ومن أحب عبداً لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر – بعد أن أنقذه الله منه – كما يكره أن يلقى في النار)) [البخاري (1/9-10) ومسلم (1/66)].
وفي حديث أنس – أيضاً – قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)) [البخاري (1/9)].
تأمل صيغتي نفي الإيمان في حديثي أنس الأخيرين، إنهما بعبارة واحدة: (لا يؤمن أحدكم)، إلا أنه في الأول قال: ((حتى أكون أحب إليه من والده وولده ...)) وفي الثاني قال: ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) ومعنى هذا أنه إذا لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه من والده وولده .. ومن أضرّ الناس واعتدى على حقوقهم ولم يأمنوه على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فإنه لا يكون محباً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم المحبة الشرعية التي أرادها الله تعالى منه.
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الذي يحب الله على الحقيقة – ويحب رسول الله كذلك – لا بد أن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه، وهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم( [آل عمران: 31].
والذي يحقق محبة الله ورسوله باتباعه لرسوله صلى الله عليه وسلم، هو الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لأن ذلك كله مما يحبه الله ورسوله، ويجب عليه اتباعه حتى تتحقق له محبة الله ورسوله، باتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على محبته أكثر من محبتهم لأنفسهم، ليقدموا محاب الله ومحاب رسوله على محاب أنفسهم، كما في حديث عبد الله بن هشام، رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك)) فقال عمر: والله لأنت أحب إلى من نفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((الآن يا عمر)) [البخاري (7/218)].
فعلى الذين ينشدون في مجتمعاتهم أمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم، حاكمين ومحكومين أن يربّوا أفرادهم وأسرهم على محبة الله تعال ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحبة كل ما يحبه الله ورسوله، حتى يقدموا محاب الله ورسوله على محاب كل أحد سوى الله ورسوله، حتى ولو كانت أنفسهم.
أما تربية الناس على حب غير الله ورسوله، فإن في ذلك الدمار والهلاك وعدم الأمن والاستقرار، لأن الذي يربي الناس على حب نفسه لا يلبث الناس أن ينقلبوا أعداء له، لأن حب غير الله لا يدوم في نفوس الناس، بسبب أنهم جبلوا أن لا يحبوا أحدا غير الله إلا لمصالح مادية تعود عليهم، فإذا وجدوا مصالح مادية عند غير محبوبهم الأول أكثر، مالوا إلى هذا ووقفوا معه ضد ذاك، وهذا ما يشاهد في هذه الحياة.
أمّا إذا حبّ الناس أحداً ل،له واستقام على طاعة ربه، فإن حبهم له لا يتغير غالبا،ً لأنه تابع لمحبة الله، ومحبة الله ثابتة في قلب المؤمن، وكذلك محبة من يحبه الله.


المبحث الثامن: العلم بأن الله واهب الحياة والرزق.
إن أعظم م يحرص عليه الإنسان في الدنيا أمران:
الأمر الأول: الحياة وطول الأجل.
الأمر الثاني: الرزق، وهو شامل لكل ما ينتفع به ويتمتع من مال وأهل وسكن وجاه ومنصب ومكانة وغيرها.
وإن أعظم ما يخاف منه هو انقطاع الأجل وانقطاع الرزق أو ما يؤثر على الحياة والرزق.
والذي لا يؤمن بالله واليوم والآخر إيماناً حقاً كما أراد الله تجده أشد الناس حرصاً على الحياة والرزق، وأكثر الناس شراهة لتناول الشهوات، أياً كان مصدرها، حرصاً على تمتعه بأكبر قدر متاح قبل مفارقة الحياة، وإذا فاز في الحصول على الرزق الذي ينشده، وسلم مؤقتاً من انقطاع الأجل اشتد هلعه لطلب المزيد واشتد خوفه من أن يصاب بما ينغّص حياته أو ينقص رزقه.
أما الذي يؤمن بالله وباليوم الآخر، فإنه بفطرته البشرية يحب الحياة ويحب الرزق، ويسعى لحصول الرزق، ودفع ما يضرّه أو يقطع أجله، وهو مأمور بذلك شرعاً، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدّرَ الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) [مسلم (4/2052)].
إلا أنه يعلم يقيناً أن الذي يهب له الحياة ويمد له في العمر، هو الله وأن الذي ينزع منه هذه الحياة هو الله، وأن سعيه للرزق محكوم بمشيئة الله تعالى، يبسط له ما يشاء ويقدر له ما يشاء. قد يجعله من أكبر الأغنياء، وقد يجعله كفافاً، وقد يجعله فقيراً على الرغم من كدحه وسعيه، لهذا تجد المؤمن يسعى في دفع الأذى عن حياته ولجلب رزقه، وهو مطمئن بأن أجله مقدرٌ، لا يقدمه أحد غير الله ولا يؤخره، وأن رزقه لا يأتيه منه إلا ما كتب الله له.
فالله سبحانه وتعالى هو واهب الحياة والموت وخالق الإنسان من تراب ثم من نطفة مهينة، وهو الذي يميته إذا شاء في أجله المحدود، كما قال عز وجل: )الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور( [الملك: 2].
وقال تعالى: ( إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ) [العلق: 1-2].
وقال تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ) [الحجر: 26]
وقال تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) [المؤمنون: 12-14].
وقال تعالى: )قتل الإنسان ما أكفره، من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره( [عبس: 17-19].
فالله هو الذي خلق الإنسان ووهبه الحياة ابتداء،ً ولا يقدر أحدٌ سواه تعالى أن يخلق أو يهب الحياة.
وكذلك هو الذي يميت من وهب له الحياة في أجل مقدر لا يزيد ولا ينقص، وقد ردّ الله زعم من ظنّ أن أحداً أو شيئاً ما يقدم الأجل أو يؤخره، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غُزًّى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير) [آل عمران: 156].
ونفى سبحانه وتعالى أن تموت نفس بدون إذنه فقال: ( وما كان لننفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً ) [آل عمران: 145].
وأخبر تعالى أن التحصينات المادية، من حصون وقلاع وجيوش وأسلحة، لا ترد الموت عمن تم أجله، كما قال تعالى: )أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة( [النساء: 78].
وأخبر تعالى أنه هو الذي يحيي ويميت كما أنه هو مالك السماوات والأرض، فقال: )ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون، هو يحيي ويميت وإليه ترجعون( [يونس: 55-56].
وقال تعالى: )إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير( [التوبة: 116].

(26)

والرزق كالأجل مكتوب لصاحبه لا يقدر أحد على إعطائه أو منعه إلاّ بإذن الله، وقد دلّ على هذا المعنى نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، وشهد به – كما شهد بالذي قبله – الواقع الذي لا يجحده إلا مكابر.
فالخالق هو الرازق، كما قال تعالى: ?الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم? [الروم: 40]. تأمل كيف جمع الله في هذه الآية بين الخلق والرزق والأجل، فالذي يخلق هو الذي يرزق وهو الذي يحيي ويميت وقال تعالى: ?قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون? [يونس: 31].
من يوجد الماء الذي تحيابه الأرض فتنبت، أو من خلق الخصائص التي اشتملت عليها تربة الأرض فكانت صالحة لإنبات الزروع المختلفة؟ ومن خلق الهواء والشمس اللذين لا نبات بدونهما؟ إلى غير ذلك.
ومن خلق الحيوانات وجعل منها الأليف المأكول أو المركوب؟ ومن أوجد الآلات الصالحة للصناعات والمساكن والسلاح؟ ومن خلق العقول المدبرة لذلك كله؟ إنه الله.
من الذي يوسع الرزق لهذا ويضيقه على ذاك؟ بل يوسّعه لشخص في وقت، ويضيّقه عليه في وقت آخر، قال تعالى: ?الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر? [الرعد: 26]، ?أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنّ في ذلك لآيات لقوم يؤمنون? [الروم: 37].
وقال سبحانه وتعالى، مسوياً بين الإنسان وغيره من الحيوانات العجماء التي لا تملك ما يملكه الإنسان من العقل والتدبير وحمل الرزق وخزنه، في أن رزق الجميع من الله الخالق: ?وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم? [العنكبوت: 60].
وأمر سبحانه عباده بطلب الرزق عنده وشكره على رزقه إياهم، فقال: ?فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون? [العنكبوت: 17].
وقال تعالى: ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين? [الذاريات: 56-58].
ومن أعظم ما يحرص عليه ذوو المطامع والأهواء من الأرزاق الْمُلك الذي يكون وسيلة للوصول إلى المال وغيره من مُتَعِ الحياة وبسط النفوذ والجاه، وفرض احترام الناس وتقديرهم، حيث يكون صاحب الملك هو الآمر الناهي، يقدر على فعل ما لا يقدر عليه غيره، يصبح بالملك عزيزاً وقد كان قبله ذليلاً، ويصبح أعزة الناس أذلة له، هذا الملك الذي هذه صفته، ويحرص عليه الناس حرصاً شديداً هو بيد الله تعالى، كغيره من الأرزاق، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، يمسي الإنسان ذليلاً مهيناً خادماً لذي السلطان، فيصبح ملكاً عزيزاً مخدوماً، ويمسي ملكاً عزيزاً مخدوماً فيصبح ذليلاً مهاناً خادماً، كما قال تعالى: ? قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب? [آل عمران: 26-27].

(26)

هذا، وقد دلت نصوص السنة – كما دلت نصوص الكتاب – أن الأجل والرزق مقدران من الخالق الرازق، لا قدرة لأحد على التحكم فيهما بتقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان، فالْمَلَك يكتب رزق كل إنسان وأجله وسعادته وشقاءه وهو في بطن أمه، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، قال: ((إن أحدكم يجمع خلق في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة في مثل ذلك، ثم يكون مضغة في ذلك مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربعة كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي وسعيد ...)) [البخاري (4/78-79) ومسلم (4/2036) واللفظ له].
وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً لطول أمل الإنسان في طول أجله وسعة رزقه وزيادته، وللأجل المقدر الذي يقطع ذلك الأمل الطويل، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خطّ النبي صلى الله عليه وسلم خطاً مربعاً، وخطّ خطاً في الوسط خارجاً منه، وخطّ خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط: وقال: ((هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، أو قد أحاط به، وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الخطط الصغار الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا)) [البخاري (7/171) وهو في المسند (1/385) وابن ماجة (2/1414)].
ونبّه الرسول صلى الله عليه وسلم زوجه أم حبيبه بنت أبي سفيان التي سألت الله أن يمتّعها به وبأبيها وأخيها، نبّهها أن للأجل أيامه المعدودة التي لا تزيد ولا تنقص، وأن الرزق مقسوم لا يزيد ولا ينقص، كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة، لن يعجّل شيئا قبل أجله، أو يؤخر شيئاً عن أجله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من النار أو عذاب في القبر كان خيراً وأفضل)) [أحمد (1/390) ومسلم (4/2050-2051)].
وفي هذا الحديث تنبيه على أن يهتم المسلم بالعمل الصالح ويلحّ في الدعاء أن يوقفه الله، وأن يعيذه من النار وعذاب القبر، وأمّا الأجل والرزق فإنهما قد كتبا ولا بد منهما كما كتبا، وإن كان يشرع الدعاء بطلب العافية وتيسير الأمور وقضاء الحاجات.
ولما كان الخوف من انقطاع الأجل والرزق، قد يمنع الإنسان من قول كلمة الحق خوفاً على نفسه من ولاة الجور الظلمة الذين بأيديهم القوة والمال والأمر والنهي، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يمنعه ذلك الخوف من قول الحق، معللاً أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أَجَل ولا يبعدان من رزق، كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا لا يمنعنّ أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده فإنه لا يقرب من أجلٍ ويباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم)) [أحمد (3/50)].
وعندما دنا أجل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثت إليه ليحضره – ولا شك أنها كانت متأثرة لوفاة ابنها – أرسل إليها رسولاً يقول لها: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌ عنده بأجل مسمى)) [البخاري (2/80) ومسلم (2/635-636)].

وقد يظن بعض الناس أن التعرض للقتال والمبارزة ينقص الأجل، وذلك ظنّ المنافقين الكاذب، فإن الأجل محدود، والذي يقتل إنما يقتل لانقضاء أجله، كالذي يموت بأي سبب ظاهر أو في أي مكان آخر، الأجل هو الأجل وإن تعددت أسبابه.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "ولا يموت أحد أحدٌ قبل أجله، مقتولاً أو غير مقتول، قال الله عز وجل: ?وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً? [آل عمران: 145] وقال تعالى: ?فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون? [الأعراف: 34] ?قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم? [آل عمران: 154] وحتى يستوفي رزقه ويعمل بما يسر له ...)) [المحلى (1/37)
وراجع منهج التربية الإسلامية لمحمد قطب (2/71)]

(27)

هذا، وإذا تتأمل الإنسان أحوال الناس، وقلّب صحائف التأريخ وجد أن الواقع المشاهد في كل زمان، بل في كل يوم مطابقاً لهذه النصوص التي سقيت من القرآن والسنة للدلالة على أن الأجل والرزق بيد الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يستطيع أحد في الأرض ولا في السماء أن يقدم فيها أحداً أو يؤخره أو يزيده أو ينقصه إلا بإذن الله.
فكم من الناس من يسعى سعياً حثيثاً ليكون غنياً ويطرق كل باب يتاح له طرقه، ولكنه يعيش كل حياته في تعب وكد ونصب، وفقر مدقع لا يجد إلا الضروري من الرزق! وكم من الناس من يسعى سعيه أو أقل منه فيصبح غنياً ممتلئة خزائنه من رزق الله تعالى! وكم من غني أمسى يرفل في نعيم غناه، فأصبح فقيراً يستحق نصيبه من صدقات الأغنياء! وكم من شركة تجارية صغيرة أصبحت أم الشركات، وكم من شركات كبيرة افتقرت! وكم من عزيز تخضع له الرقاب وتحنوا له الجبابرة لاعتلائه عرش الملك أصبح، يتمنى أن يكون له حق العيش في بلده كبقية الأفراد، فلم يجد إلا النفي إن سلم من الإهانة والإذلال! وكم من صعلوك كان يكدح في الحياة سعياً وراء لقمة العيش يحمل للناس الأثقال على ظهره في الأسواق بالأجر الزهيد، أصبح آمراً وناهياً لقوم كانوا قادة شعوب: ? قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب? [آل عمران: 26-27].
والفائدة من علم هذا المعنى، وهو أن الله واهب الحياة والرزق، أن العالم بذلك المؤمن به يتقيد في سعيه لوقاية نفسه من الأخطار أو الحصول على الأرزاق بأوامر الله الشرعية، فلا يتعدى على حقوق الله ولا على حقوق خلقه، لعلمه بأن أجله ورزقه مربوطان بأمر الله الكوني القدري، فلا يمكن أن يحصل في سعيه إلا ما قد قدره الله له أو عليه، ولذلك لا يضرّ الناس ولا يؤذيهم طمعاً في رزق أو زيادة حياة، مهما كان هذا الرزق، ولو كان ملك الدنيا بحذافيرها، ومهما كانت هذه الحياة، ولو كانت دائمة السرور من أول عمره إلى آخره لا تكدّرها المكدّرات. وبذلك يأمنه الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وسائر حقوقهم، سواء كان ملكاً آمراً وناهياً أم خادماً مأموراً منهياً.

(28)

ولا بد هنا من التنبيه على أمر مهم جداً، وهو أن الجاهل عندما يعلم هذه المعاني التي شرحت في هذا المبحث والنصوص الدالة عليها، والواقع المشاهد الذي يدعمهما، قد يظن أن العمل لحفظ الحياة وصيانتها والحصول على الرزق يعتبر عبثاً، ما دام أن الأجل بيد الله، لا يقدمه أحد لحظة ولا يؤخره أخرى، وما دام أن الرزق من عنده، لا يمنعه أحد ولا يعطيه – أي أن الله وحده واهب الحياة والرزق - .
وقد تبادر هذا المعنى إلى ذهن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجابه الرسول صلى اله عليه وسلم بأن الإيمان بالقدر شيء ووجوب العمل والسعي شيء آخر، فالقدر بالنسبة للإنسان مجهول لا يدري ماذا قدر عليه، والعمل مشروع كلفه الله إياه، فلا يجوز ترك العمل اتكالاً على القدر الذي سبق في علم الله كما في حديث علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم، فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ((ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها في الجنة والنار، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة)) فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. قال: ((أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة)) ثم قرأ: ?فأما من أعطى واتقى ...? الآية [البخاري 2/99) ومسلم (4/2039)].
فالقدر المجهول لا يمنع السعي المشروع، ولا يجوز لتارك العمل المشروع الاحتجاج بمضي القدر، ولهذا كان الذي يُقتَل دون نفسه شهيداً مع أن أجله قد قضى أن يقتله ذلك القاتل المعتدي الذي حاول المقتول أن يدفعه عن القتل، وأمر الله تعالى الإنسان بكسب رزقه والسعي له، كما قال تعالى: ?وهو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور? [الملك: 15].
فعلى الإنسان أن يبذل طاقته في تحصيل مصالحه، ودرء المفاسد عنه ولكن لا يركن إلى سعيه ذلك ويعتقد أنه ينشئ النتيجة ولا بد، بل يعتقد أنه يعمل السبب المشروع وأن الله هو خالق السبب والمسبب معاً ولا قدرة لأحد على دفع ما أراد الله تعالى وقوعه.
قال ابن حجر رحمه الله في شرح حديث عمران بن حصين الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل يعمل لما خلق له، أو لما يسر له)) [البخاري (7/210)]: "وفي الحديث إشارة إلى أن المآل محجوب عن المكلف، فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به، فإن عمله أمارة إلى ما يؤل إليه أمرره غالباً، وإن كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك" [الفتح (11/493)].
وهذا هو معنى التوكل على الله الذي دل عليه القرآن والسنة، فليس من التوكل ترك الأسباب، وإنما هو الاعتماد على الله، وعمل السعي المشروع، وعدم اعتقاد أن السعي ينشئ النتيجة، بل المنشئ هو الله تعالى وقد بين ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم حيث جمع بين الاعتماد على الله، مع فعل السبب المشروع، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)) [الترمذي (4/573) وقال: قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح. وراجع كتاب جامع العلوم والحكم في شرح الحديث ص:379-385 لابن رجب، طبع مصطفى البابي الحلبي وأولاده].
والشاهد في الحديث أنه شبه لمتوكلين على الله حق توكله بالطير ووصفها بوصفين. الأول: أنها تغدو خماصاً، أي تغدوا من أوكارها لطلب الرزق وهي جائعة، والثاني: أنها تروح بطاناً أي تعود إلى مقارها وهي مملوءة البطون، ومعنى هذا أن المتوكل على الله يسعى لكسب رزقه مع اعتماده على الله ولا يتكل على القدر.


الفصل الثاني : تربية الفرد المسلم بالعمل الصالح
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث.
تمهيد: في معنى العمل الصالح.
المبحث الأول: في الحض على طاعة الله ورسوله.
المبحث الثاني: اكتساب الحرية الحقة.
المبحث الثالث: نماذج تطبيقية لأثر التربية الإسلامية.

الفصل الثاني
تربية الفرد المسلم بالعمل الصالح
تمهيد: في معنى العمل الصالح.
الصلاح ضد الفساد، والعمل الصالح ضد العمل الفاسد، ولكن من الذي يحدد العمل الصالح من العمل الفاسد؟ من الذي له حق الحكم عل عملٍ مَّا بأنه صالح أو فاسد؟ أهم بشر؟ مَن مِن البشر؟ إنه لو أعطى هذا الحق للبشر لتباينت آراؤهم وأحكامهم، ولحكم بعضهم على عملٍ مَّا بأنه صال، وحكم آخرون على نفس العمل بأنه فاسد ومن الذي يفصل في نزاع الفريقين؟
لذلك ترى أنواعاً من السلوك وأنماطاً من النشاطات، تعد جرائم عند قوم يعاقَب عليها مرتكبها عندهم، وتجد نفس تلك الأنواع والأنماط حلالاً ومزايا، يدعى إليها ويثنى على فاعلها عند قوم آخرين، والأرض مملوءة بذلك.
ولنضرب لذلك مثالاً واحداً يتضح به المطلوب: الحرية الفردية في الاقتصاد، التي هي أساس في معسكر الدول الغربية: الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا، كل فرد له الحق أن يملك ما يشاء من الأموال فأباحوا الملكية الفردية إباحة مطلقة، فله أن يملك ما ينتفع به من ملابس وأوانٍ وأثاث منزلي وغيرها مما يحتاج إليه الفرد لنفسه، وله أيضاً أن يملك ما يشاء من المرافق والوسائل التي تنتج الأشياء المستهلكة، ليبيعها من غيره، كالآلات والأراضي والمواد الخام بدون استثناء، وهو حر في سعيه لجمع المال بوسائله، ينتج ما يشاء ويبيع بالسعر الذي يريده، يتفق مع المشتري والأجير بكامل حريتهم، وفائدته الذاتية هي الدافع المحرك الأول له في الإنتاج والسعي دون التفات إلى منافع غيره، وذلك كفيل عندهم أن تنال الجماعة مصالحها من خدمة الأفراد الذين أعطيت لهم تلك الحرية ... وهم يتنافسون فيما بينهم، وليس للدولة أن تتدخل في حرية تجارة الأفراد وسبل إنتاجهم وأساليب تعاملهم مع غيرهم.
هذه الحرية في الملكية الفردية هي منشأ جميع الشرور والمفاسد في الأرض عند ذوي المعسكر الشرقي الاشتراكي، كروسيا-قبل انهيار الاتحاد السوفييتي- والصين ومن في فلكهم، فلم يبيحوا للفرد إلا ما يحتاجه لمنافعه الشخصية، كالأواني والملابس وأثاث المنزل ونحوها. وما عدى ذلك من الأرض والآلات وغيرها مما تنتج الثروات فلا حق للأفراد فيها، لأن الفرد إذا تمكن من ذلك استعبد غيره من الكادحين، لذلك يجب أن تتدخل الدولة في ذلك وتعتبره جريمة وفساداً يجب أن يستأصل من الأرض ... [راجع الأسس الاقتصادية للمودودي] فالملكية الفردية في المعسكر الرأسمالي صلاح يجب أن يحمى، وفي المعسكر الشرقي فساد يجب أن يستأصل.
وإذا تأملنا تاريخ البشرية وجدنا كل أمة أو كل قوم يدعون أنهم مصلحون، ويصفون من يخالفهم بالفساد في كل النشاطات الإنسانية: العقدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. الشرك هو الحق عند أكثر الأمم في الأرض، والتوحيد بدعة يجب أن تحارب: ?أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب? [ص: 5] ?قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد? [هود: 87].
?وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد? [غافر: 26] ?... قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد? [غافر: 29] ?قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى? [طه: 63] ?ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون، وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون? [الأعراف: 80-82] ?وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون? [البقرة: 11-12].
وهكذا تجد الناس في تخبط واضطراب وتباين، كل قوم يدعون أنهم هم المصلحون وغيرهم مفسدون.
فمن الذي يحدد العمل الصالح ويكون صالحاً فعلاً في كل زمان ومكان ولكل قوم في هذه الأرض؟
إنه الله سبحانه وتعالى، وقد حدد الأعمال الصالحة في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في العقيدة والعبادة والسلوك وفي كل مجال من مجالات الحياة، وبيّن سبحانه أن كل من حاد عمّا أمر به ودعا إليه فهو خاسر في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ?والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر? [سورة العصر].
وقد أجمل الله سبحانه وتعالى أصول الإيمان والعمل الصالح على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور، واستنبط العلماء نصوص الكتاب والسنة للعمل الصالح، شرطين:
الشرط الأول: الإخلاص لله تعالى، كما قال تعالى: ?وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء? [البينة: 5]
والنصوص الواردة في الإخلاص من الكتاب والسنة كثيرة جداً [راجع على سبيل المثال أول باب في كتاب رياض الصالحين للإمام النووي].
والشرط الثاني: اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بحيث يكون العمل مطابقاً لما جاء به من عند الله وليس مخالفاً له، كما قال تعالى: ?قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم? [آل عمران: 31] والنصوص الواردة في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً أيضاً في الكتاب والسنة، فلا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان مراداً به وجه الله وموافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والعمل الصالح هو كل ما يرضي الله تعالى من أعمال القلب واللسان والجوارح، كالعبادة [راجع المبحث الثاني من الفصل الأول في معنى العبادة]، وكل ما لا يرضي الله تعالى فهو عمل فاسد. فالميزان إذاً للعمل، أهو صالح أم فاسدٌ، هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

(30)

المبحث الأول:
في الحض على طاعة الله ورسوله.
إن الغاية التي أنزل الله من أجلها كتبه وبعث لها رسله، هي رضاه سبحانه الذي لا وسيلة للوصول إليه، إلا طاعته وطاعة رسله وتقواه سبحانه وتعالى، قال تعالى: ?وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله? [النساء: 64] ولهذا قرنت الطاعة بتقوى الله في دعوة رسله، كما قال تعالى، على لسان نوح وغيره: ?فاتقوا الله وأطيعون? [الشعراء: 108 وما بعدها].
وقد تكرر الحضّ على طاعة الله ورسوله في القرآن الكريم كثيراً كما تكرر التحذير من طاعة غير الله في معصيته ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن أمثلة على طاعة الله ورسوله: قول الله عز وجل: ?ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا? [النساء: 59].
وقوله تعالى: ?ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا? [النساء: 69].
وقوله سبحانه : ?من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا? [سورة النساء: 80].
وقوله عز وجل: ?قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين? [آل عمران: 32].
وقال تعالى: ?وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون? [آل عمران: 132] وقال تعالى: ?وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين? [المائدة: 92].
وقال تعالى: ?والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم? [التوبة: 71].
وقال تعالى: ?إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون? [النور: 51-52].
وقال عز من قائل: ?قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين? [النور: 54].
وقال تعالى: ?وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون? [النور: 56].
وقال تعالى: ?ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً? [الأحزاب: 71]، وقال تعالى: ?ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم? [محمد:33].
وقال تعالى: ?... ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما? [الفتح: 17].
وقال تعالى: ?وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين? [التغابن: 12].
وإن التأمل في هذه الآيات التي وردت الطاعة فيها منصوصاً عليها بلفظها، وغيرها كثيرٌ لم يذكر هنا، إن التأمل في ذلك ليدل على مدى الاهتمام بتربية المسلم على طاعة الله ورسوله التي لا إسلام بدونها ولا نجاة.
فما أرسل الله الرسل إلا ليطيعهم البشر، وما أرسل من رسول إلا دعا قومه إلى الطاعة التي هي مفتاح تقوى الله، وما يحصل نزاع بين المسلمين حاكمين ومحكومين إلا وجب عليهم رد ما اختلفوا فيه إلى الله ورسوله ليحققوا الطاعة لتي أمروا بها، ولا هداية لصراط الله المستقيم ولا مرافقة لعباد الله الصالحين، إلا بالطاعة لله ولرسوله، ولا رحمة ولا إيمان ولا فلاح ولا فوز ولا هداية بدون طاعة الله ورسوله.
أما إذا أراد القارئ أن يتأمل زيادة على هذه النصوص التي حضت على الطاعة بلفظها وغيرها مما لم يذكر هنا، إذا أراد أن يتأمل ما ورد في القرآن من الحضّ على الطاعة بمعناها وليس بذكر لفظها، فإنه يصعب عليه إحصاء ذلك وحصره، فما من ترغيب أو ذكر ثواب على عمل صالح أو على ترك عمل سيئ إلا كان امتثالاً لأمرٍ أو اجتناباً لنهي، وهو معنى الطاعة.
وما من ترهيب و عقاب يذكران على ترك أو فعل، إلاّ كان على ترك أمرٍ أو فعل نهي، وهو ما يضاد الطاعة.
فالتربية على طاعة الله ورسوله هبي التي تؤدي إلى العمل الصالح وترك العمل السيء، وفي ذلك يكمن الأمن الحقيقي.
التحذير من طاعة غير الله فيما يخالف أمره
ومن أمثلة النوع الثاني – وهو التحذير من طاعة من خالف أمر الله ورسوله، سواء كان صادراً عن العدو الداخلي، وهو الهوى والنفس والشيطان، أم العدو الخارجي وهم أعداء الله الكفرة ومحبو الفسوق والعصيان – قول الله تعالى: ?ياأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين? [آل عمران: 100].
وقال تعالى: ?وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله? [الأنعام: 116].
وقال تعالى: ?... وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون? [الأنعام: 121].
وقال تعالى: ?... ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا? [الكهف: 28].
وقال تعالى: ?فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً? [الفرقان: 52] وقال تعالى: ?ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون? [العنكبوت: 8].
وقال تعالى عن الكافرين الذين عصوا الله ورسوله: ?يوم تقلب وجوههم في النار يقولون ياليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا? [الأحزاب: 66-67] وقال تعالى: ?فلا تطع المكذبين، ودوا لو تدهن فيدهنون، ولا تطع كل حلاف مهين? [القلم: 8-10].
وقال تعالى: ?فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً? [الإنسان: 24] وبهذا يعلم أن في طاعة غير الله ورسوله فيما خالف أمر الله ورسوله يكون الكفر والضلال والشرك والعذاب الأليم، والبعد عن ذلك يحتاج إلى صبر وتوكل على الله سبحانه وتعالى.
وعلى هاتين القاعدتين: - طاعة الله ورسوله وعدم طاعة من خالف أمر الله ورسوله - ربّى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكان عصرهم خير العصور في الأرض، وذلك ما يجب أن يسلكه كل من أراد أن يربّي أمة مسلمة يتحقق بتربيتها الخير والسعادة والأمن في الأرض.
فإن التربية على طاعة الله ورسوله تجعل من رُبِّي عليها يلتزم بأوامر الله ورسوله، وأوامر من اتبع شرع الله ورسوله في كل حال من الأحوال في الشر والعلانية.
وكل أمر أو نهي لا يكون نابعاً من طاعة الله ورسوله، فإن التمرد عليها سهل يسير إذا غاب المتمرد عن العين المادّية التي تراقب أو خلا عن سطوة القانون البشري.
أما طاعة الله فإنها لا تفارق صاحبها في كل لحظة من لحظات حياته، فلا يخون ولا يغش ولا ينفض عهداً ولا ينتهك عرضاً ولا يسرق مالاً ولا يغتصب أرضاً، ولا يتناول شيئاً ممّا حرم الله عليه، ورقيبه في ذلك كله هو الله الذي تجب طاعته التي التزم بها وتربّى عليها، وبغض معصيته التي حذّر منها وتربّى على البعد عنها وعن أهلها، فهو يحب طاعة الله ويسعى لتحقيقها ويكره معصية الله ويهرب من الوقوع ففيها، فإذا فعل خيراً يعود على غيره من البشر إنما يفعله لأنه طاعة لله ولرسوله، وإذا ترك شراً يعود ضرر فعله على الناس، فإنما تركه لأنه معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك لا يخاف منه خصمه أذى ولا يطمع منه صديقه محاباة وعمل منكر، وهذا هو الذي يأمنه الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وسائر حقوقهم.
وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين، ولم ينل هذا الفضل غيرهم، ممن يعبدون أهواءهم ويفضّلون المعصية على الطاعة، وقد امتن الله على عباده المؤمنين بهذا الفضل العظيم فقال عز من قائل: ?واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون، فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم? [الحجرات: 7-8].

(31)

المبحث الثاني: اكتساب الحرية الحقة
إن الذي يرزقه الله العلم النافع، وهو هُدَى الله، والعمل الصالح، وهو الدين الحق، أي تطبيق علمه بسلوكه العملي، يُغرَسُ في قلبه أمران عظيمان:
الأمر الأول: العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى، بحيث لا يتحرك ولا يسكن إلا في عبادة ربه وطاعته، تحقيقاً لقوله تعالى: ?وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون? [الذاريات: 56] وقوله تعالى: ?قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين? [الأنعام: 162-163].
والأمر الثاني: الحرية الكاملة من عبودية غير الله، من هوى ونفس وشيطان وملذات وطغاة.
فإذا تمكنت عبوديته لله من قلبه، وتحرر من عبودية غير الله، كان أهلاً لأن يأمنه الناس على كل شيء، لأنه لا يستجيب لرغبة، ولا يخضع لرهبة، ولا يقوده إغراء ولا شهوة، ولا يتبع هوى، وإنما يستجيب لأمر الله، وأمر الله لا يوجد فيه إلا عمل الخير الذي فيه غاية الأمن لكل البشر.
والذي يعتدي على حقوق الله أو حقوق عباده، إنما يفعل ذلك بسبب استرقاق الشهوات لقلبه الذي لم تتمكن من عبودية الله منه، وإنما تمكنت منه عبودية غيره، فهو أسير شهواته وهواه ولو كان في ظاهر أمره ملكاً للناس.
وقد دل القرآن الكريم على أن الذي يحقق عبودية الله في نفسه يسلم من عبودية غيره، والذي لا يحقق عبودية الله في نفسه يكون عبداً لشتى مخلوقاته، فالحرية الحقة هي عبودية الله الواحد، والعبودية المذِّلة هي الخضوع لغير الله، قال تعالى: ?ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون? [الزمر: 29].
والمثل مضروب لتقريب المعنى للأفهام، فالذي يكون مملوكاً لعدد من الناس يلقى عنتاً ومشقة في إرضائهم، ولا يجد منهم رأفة به ولا إعانة على مصالحه، بخلاف من كان مملوكاً لمالك واحد، فإنه يرضيه بطاعته ولا يجد من يعارضه في ذلك، ويثيبه مالكه على عمله ويعرفه له، فالذي يعبد الله وحده هو الحر الذي لا تستعبده آلهة شتى، والذي لا يعبد الله وحده يكون مسترقاً لتلك الآلهة المتعددة: آلهة الطواغيت التي تأمره بالمنكر فيفعله، وتنهاه عن المعروف فيتركه، وآلهة الشهوات التي تدعوه إلى الوقوع فيها والاعتداء على حقوق الناس، وهذا هو العبد الذليل الحقير لهواه وشهواته فَقَدَ العزّة التي تنال بعبادة الله، فأبدله بها الذل لغيره.
وهذا ما عناه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)). هذا هو الذي لم تتمكن العبودية الحقة من قلبه، فأصبح عبداً لكل شيء.
أما من تمكنت عبودية الله من قلبه فقد عناه النبي صلى الله عليه وسلم في نفس الحديث بقوله: ((طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة، كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع)) [البخاري (3/223)].
إن عبد الله حر عزيز، ولو لم يكن له ذكر بين الناس ولا جاه ولا منصب ولا هيئة تجعل الناس يلتفتون إليه، تقفل أبواب الناس في وجهه، ولكن باب الله له مفتوح، وإذا شفع عند أحد ردّت شفاعته، ولكن شفاعته عند الله مقبولة.
أما صاحب الجاه والمنصب والغني والهيئة إذا لم يحقق عبوديته لله، فإنه عبدٌ لجاهه ومنصبه وغناه وهيئته ولا قيمة له عند الله.
هذا، ولابن تيمية رحمه الله كلام جميل بديع في معنى الحرية في غاية من الدقة والعمق، فهو لا يعتبر من غلبته شهوته وهواه حراً في عرف الشرع ولو كان سيداً مطاعاً في الأرض، وإنما يعتبر الحر من تخلص من تحققت فيه العبودية لله، وتخلص من عبوديته لغير الله.
قال رحمه الله: "فإن أسْر القلب أعظم من أسر لبدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، فإن من استُعبِد بدنه واستُرِق وأُسِر، لا يبالي إذا كان قلبه مستريحاً من ذلك مطمئناً، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص، وأما إذا كان القلب – الذي هو ملك الجسم – رقيقاً مستَعبَداً متيماً لغير الله، فهذا هو الذل والأسْر المحض والعبودية الذليلة لما استُعبد القلبُ، وعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، فإن المسلم لو أسره كافرٌ أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائماً بما يقدر عليه من الواجبات ... أما من استعبد قلبه فصار عبداً لغير الله، فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس.
فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب ..." من [كتاب العبودية ص:96-97 طبع المكتب الإسلامي، وراجع كتاب منهج التربية الإسلامية، لمحمد قطب (1/270) والعدالة الاجتماعية لسيد قطب، ص:37-51].
والمقصود من هذا المبحث أن الذي يُرَبّى على عبودية الله وحبه والخوف منه واتباع شرعه والبعد عن معصيته والتوكل عليه وحده وعدم الخوف من غيره أن يقرب أجلاً أو يقطع رزقاً، إن الذي يربّى هذه التربية يصبح حراً من اتّباع الأهواء والشهوات وطغاة الباطل، فلا يقدم على معصية لربه أو ما يضر الناس، وهنا يكون الأمن والطمأنينة، بخلاف من أسر لشهوته وهواه أو لطاغية، فإنه يقدم على المعاصي والجرائم ولا يبالي ضرر الناس وأذاهم.
ولما كان معنى الحرية عند كثير من الناس هو الانطلاق الكامل في الاستمتاع بما يقدر عليه الفرد، ترتب على ذلك الاعتداء على المحرمات، واصطدمت الرغبات ونجم النزاع، ونتج عن ذلك اختلال الأمن في أرجاء المعمورة على الضرورات التي لا حياة بدون حفظها [راجع كتاب: الإسلام وضرورات الحياة للمؤلف].
قال سيد قطب رحمه الله: "لا تستقيم حياة يذهب فيها كل فرد إلى الاستمتاع بحريته المطلقة إلى غير حدٍ ولا مدى، يغذيه الشعور بالتحرر الوجداني المطلق من كل ضغط وبالمساواة المطلقة التي لا يحدها قيد ولا شرط، فإن الشعور على هذا النحو كفيل بأن يحطم المجتمع، كما يحطم الفرد ذاته وللمجتمع مصلحة عليا لا بدّ أن تنتهي عندها حرية الأفراد، وللفرد ذاته مصلحة خاصة في أن يقف عند حدود معينة في استمتاعه بحريته، لكي لا يذهب مع غرائزه وشهواته ولذائذه إلى الحد المردي، ثم لكي لا تصطدم حريته بحرية الآخرين، فتقوم المنازعات التي لا تنتهي، وتستحيل الحرية جحيماً ونكالاً، ويقف نمو الحياة وكمالها عند حدود المصالح الفردية القريبة الآماد، وذلك كالذي حدث في حرية النظام الرأسمالي وما صاحبه من نظريات الحرية الحيوانية للشهوات. والإسلام الذي يمنح الحرية الفردية في أجمل صورها، والمساواة الإنسانية في أدق معانيها، ولكنه لا يتركهما فوضى، فللمجتمع حسابه، وللإنسانية اعتبارها، وللأهداف العليا للدين قيمتها، لذلك يقرر مبدأ التبعة الفردية، ويقرر إلى جانبها مبدأ التبعية الجماعية التي تشمل الفرد والجماعة بتكاليفها، وهذا ما ندعوه بالتكافل الاجتماعي" [العدالة الاجتماعية ص: 62-63].


المبحث الثالث: نماذج تطبيقية لأثر التربية الإسلامية
لقد أثرت التربية الإسلامية في المسلمين تأثيراً ما كان أحد يتوقع حدوثه في الأرض، لم يتوقعه أحد ممن لم يذق طعم الإسلام وما يحدثه في النفوس من تغيير، وسلوك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مدى ذلك التأثير.
ونضرب لذلك ببعض الأمثلة:

المثال الأول:
سرعة التنفيذ اختياراً وامتثالاً.

إن الأمور التي يعتادها الناس لمدة طويلة وهي مما تشتهيه النفوس، يصعب على تلك النفوس أن تتركها، وإذا حاول القليل أن يتركها تشبّث بها أكثر الناس، ولكن النفوس المؤمنة التي تربت على طاعة الله ورسوله لا يصعب عليها الإقلاع عمّا ألفت إذا أراد الله منها ذلك الإقلاع؛ وإنما يصعب عليها أن تبقى على ما ألفت حياء من الله وخوفاً من سخطه.
فقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم مازالوا يشربون الخمر في المدينة قبل أن ينزل تحريمها صريحاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما نزل تحريمها سارعوا إلى اجتنابها مسارعة الراغب في رضا الله تعالى، الذي في يده الكأس لم يرفعها إلى فيه، والذي قد أخذ جرعة في فمه لم يستسغ إنزالها إلى جوفه، بل مجّها من فوره، والذي قد شرب منها شيئاً حاول أن يستقيئ ليطهر جوفه من الرجس الذي حرمه الله، وجرت سكك المدينة بالخمور التي أهرقوها من دنانها، حتى لا يبقى شيء منها أمام أعينهم.
كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: "كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفصيخ والبسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها .." [البخاري (6/241-242) ومسلم (3/1570) واللفظ له، وغيرهما من أهل السنن.
رجل واحد ينادي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر، فيسرع الناس بإهراق القلال المملوءة به – كما ورد في بعض روايات أنس: "أهرق هذه القلال" – في شوارع المدينة حتى تجري فيها لكثرتها، ولم يتردّدوا في ذلك مع ما عرف من صعوبة إقلاع شاربي الخمر عنها، ثم لم يراجعوها بعد ذلك ولا سألوا عنها، ولم يكن ذلك لقوة السلطة المادية من المطاردة، وفتح السجون والغرامات وغيرها، وإنما كان بسبب السلطة الربانية – أي القوة الإيمانية المغروسة في النفوس – إنه امتثال أمر الله ورسوله عن رضا واطمئنان.
وينبغي –هنا– أن نذكّر بقصة إصدار أكبر دولة مادية في العصر الحديث، قانونا بحظر الخمر والعقاب عليها، وتجنيد هذه الدولة كل قواها البشرية والمالية، ووسائل إعلامها، وفتح سجونها على مصراعيها لملئها بالجناة الذين لم يستجيبوا لتطبيق القانون الذي صدر في 16 يناير عام 1919م على أن ينفذ عام 1920م، وسبق المنع حملة واسعة من التوعية في جميع وسائل الإعلام، وفي المدارس والمصانع، وصار تدريس أضرار الخمر جزئاً من المواد الدراسية التي يدرسها الطلبة في الابتدائي والثانوي والجامعة، وبذلت جهود جبارة في التوعية، حتى لقد سودت تسعة ملايين صفحة تبين أضرار الخمر الطبية، والاجتماعية، والأخلاقية، وبلغت تكاليف الحملة الإعلامية في ذلك العام فقط خمسة وستين مليون دولار (عام 1920م، قيمتها اليوم أكثر من 650 مليون دولاراً) ولكن لم يكن يمضي على إغلاق الحانات ومصانع الخمر أيام قلائل إلا وابتدأت تنتشر آلاف الحانات السرية .. وفي غضون أشهر قليلة زاد شاربو الخمر عمّا كانوا عليه قبل المنع .. وقدّم إلى المحاكمة ملايين الأشخاص .. وسجن ما بين 1920 و1933 نصف مليون شخص، لإدانتهم بشرب الخمور والاتجار بها أو حيازتها، وقدِّم إلى القضاء في تلك الفترة مجرمون عتاة ارتكبوا جرائم مروعة بسبب الخمر، وقد أدانت المحاكم الكثير منهم، وحكمت على مائتين من عتاة المجرمين بالقتل .. لجرائم متعلقة بالخمور، كما قامت الحكومة بمصادرة أملاك ومصانع الخمر السرية، وبلغ قيمة الأموال المصادرة عندئذ أربعمائة مليون دولار.
ومع هذا فقد انتشرت العصابات الإجرامية ... وأفلت كثير منها من قبضة القانون.
تلك الدولة هي الحكومة الأمريكية!
وممّا ذكرنا يبدوا أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة في الولايات المتحدة في فترة المنع، وهي ما بين 1920 و 1933م، كانت جادة في تطبيق القانون، فقد بذلت في ذلك جهوداً جبارة، ولكن تلك الجهود المضنية باءت بالفشل، وصار من المحتم على الحكومة الأمريكية والكونغرس الأمريكي أن يعيدا النظر في قرار المنع ذلك، إذ وجدت الحكومة الأمريكية أن ملايين الأمريكيين قد أقبلوا على شرب الخمور السرية الرديئة، وزاد الإقبال عليها خاصة بين الشباب ... وقد انتشرت إحصائيات مرعبة عن الوفيات الناتجة عن شرب تلك الخمور الرديئة، ففي عام 1927م فقط هلك من استعمال تلك السموم الناقعة سبعة آلاف وخمسمائة شخص، كما أصيب بأمراض وبيلة من جراء شربها أحد عشر ألف شخص في ذلك العام، وازدادت نسبة الجرائم كلها من هتك للأعراض، من سرقة، وقتل، وتضاعف عدد المجرمين ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل المنع، وصرح الكولونيل موسى رئيس المجلس الوطني للجريمة ... في ذلك الوقت، بقوله: إن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين يتعاطون الخمر، وإن الجرائم قد ازدادت بنسبة ثلاثمائة بالمائة عما كانت عليه قبل ...
وبذلك عادت الولايات المتحدة إلى السماح بصناعة الخمور وبيعها والاتجار بها والإعلان عنها ... [الخمر بين الطب والفقه، لمؤلفه الدكتور محمد بن علي البار ص: 100-103 مع شيء يسير من التصرف والاختصار، وراجع كتاب التشريع الجنائي الإسلامي (2/496-497) لعبد القادر عودة، وراجع ضرورة حفظ العقل في كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة].
قارن بين نداء رجل واحد: إن الله قد حرم الخمر واستجابة أهل المدينة كلهم لندائه، وإهراق ما عندهم من الخمور حتى جرت في سكك المدينة ومن ثم لم يعودوا لشربها، وبين ما جرى من دولة ذات قوة وإمكانات مادية لتطبيق القانون الذي حرّمت به الخمر قهراً، ثم استسلامها لجماهير الإجرام والشهوة العارمة، بعد أحد عشر عاماً من الزمن وافهم السبب الذي جعل الناس يستجيبون في الأول، والسبب الذي دعا إلى التمرد في الثاني!
إن التربية الإسلامية هي السبب في استجابة المسلمين لداعي التحريم في الأول، وعدم تلك التربية، وهو البعد عن الله هو السبب في الثاني.

(33)
المثال الثاني من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
سرعة تنفيذ النساء المؤمنات أمرهن بالحجاب

إنه من الصعوبة بمكان أن يتحول المرء من عادة ألفها فترة طويلة من حياته إلى عادة أخرى لم يألفها، ولكن الإيمان والتربية الإسلامية تجعله يتحول بسرعة، -راضياً مطمئنا-ً من عادته الأولى إلى الثانية. وهذا ما حصل من النساء المؤمنات عندما علمن أن الله أمرهن بالحجاب، فقد استبطأن أن تعد كل واحدة منهن خماراً لذلك، فشققن مروطهن واختمرن بها، كما في حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: ((يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل لما نزل ?وليضربن بخمرهن على جيوبهن? الآية، شققن مروطهن فاختمرن بها)) [البخاري (6/13) والآية في سورة النور: 31].

(33)
المثال الثالث من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
سهولة إثبات الجريمة بإقرار الجاني خوفاً من الله تعالى،
ولو أدى إقراره إلى حرمانه الحياة أو حرمان أقرب المقربين إليه،
ونسوق لهذا المثال حديثين:

الحديث الأول: "عن أبي هريرة وزيد بن خالد الدهني رضي الله عنهما، قالا : جاء أعرابي فقال يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. فقام خصمه فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب، عام وأما أنت يا أنيس لرجل فاغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت" [البخاري (8/24) ومسلم (3/1324)].
تأمل كيف يسعى من له علاقة بالمعصية للعثور على حكم الله فيها وتطبيقه على قريبته، من الاتصال بأهل العلم وسؤالهم، وكيف يأخذ الابنَ أبوه إلى من ينفذ فيه حكم الله، ويقرّ الزوج على امرأته بالزنى، وفيه ما فيه من العار وسوء السمعة عليه، وكيف يعترف العاصي بمعصيته، وإن كان في اعترافه مفارقة الحياة، كل ذلك للحرص على البعد عن سخط الله، وطلب رضاه الذي هو هدفه الأول في هذه الحياة، بسبب التربية الإسلامية التي تدور كلها حوله.
الحديث الثاني: "عن وائل بن حجر رضي الله عنه، أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد الصلاة فتلقاها رجل فيتحللها، فقضى حاجته منها فصاحت، فانطلق ومر عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، وأتوها فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال يا رسول الله أنا صاحبها. فقال لها: ((اذهبي فقد غفر الله لك)) وقال للرجل قولا حسنا وقال للرجل الذي وقع عليها: ((ارجموه)) وقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [أبو داود (4/541-432) والترمذي (4/56) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال العظيم أبادي رحمه الله قوله: "فلما أمر به ليرجم" ولا يخفى أنه بظاهره مشكل، إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح بينة، بل هي التي تستحق أن تحد حد القذف، فلعل المراد فلما قارب أن يأمر به، وذلك قاله الراوي نظراً إلى ظاهر الأمر حيث أنهم أحضروه في المحكمة عند الإمام، والإمام اشتغل في التفتيش عن حاله، والله أعلم، عون المعبود (12/42-43) الطبعة السلفية].
إن الرجل جنى واختفى، واتُّهِم غيره، وكاد يطبق العقاب على المتهم، وهو الرجم إلى الموت، ولو أراد الجاني أن يستمر في الاختفاء لفعل، ولكن خوف الله ساقه سوقاً لإنقاذ حياة بريء، وتقديم نفسه للموت، فكانت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم.
قال أبو زهرة رحمه الله، وهو يعدّد فوائد يقظة الضمير الديني – أي بالتربية الإسلامية -:
"الثاني: أن إيقاظ الضمير يسهّل الإثبات، لأن الجرائم لا تقع إلا في كِنٍّ من الظلام، مستترة غير ظاهرة، فإذا أحس الذين عاينوا وشاهدوا أن عليهم واجباً دينياً أن يبلغوا فإنهم يبلغون، تنفيذاً لحكم ربهم، وذلك لقوله تعالى:
?يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا? [النساء: 135].
ولقد بلغ من قوة الضمير أن الرجل يأخذ ولده إلى الرسول عليه السلام، فيقيم عليه الحد إذا وجب .." ثم ذكر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد المتقدم [الجريمة والعقوبة (1/13)].

(34)
المثال الرابع من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
رفض الإغراء واحتمال المكاره رغبة فيما عند الله وخوفاً من عقابه

كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده رضي الله عنهما، قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة: قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلَيَّ عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فطل بولهم على رأسي وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أكباله، فجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت ?الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مرثد ?الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك? فلا تنكحها" [أبو داود (2/542) والنسائي (6/54) والترمذي (5/328) وقال: قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال المحشي على جامع الأصول (2/245) وإسناده حسن ... وصححه الحاكم].
لقد حمل مرثداً رضي الله عنه إيمانُه وتربيته الإسلامية على إنقاذ إخوانه المسلمين من الأسر، وتأمينهم، فكان يقطع المسافات الطويلة بين مكة والمدينة ذاهبا وآئباً: يحمل الأسير وهو مكبل بالقيود، حتى يخرجه من مكة، فيفك قيوده ويعينه حتى يصل مأمنه بين إخوانه المسلمين بالمدينة.
وجد مرثد تلك البغي التي كان له معها علاقة في الجاهلية، وهو في وقت حرج يخاف على نفسه من أن يكتشف من قبل قريش الذين كان يأخذ أسراهم خفية منهم، فدعته تلك البغي إلى الرواح معها والنزول في بيتها وهو يتدسس، فلم يتردد في أن يذكر لها حكم الله في تلك العلاقة السيئة، وهو يعرض بذلك نفسه للخطر، لأنها كانت، كما يبدوا من سياق الحديث تعرف حمله الأسرى، وهو يعلم أنها ستؤلب عليه إن لم يستجب لها، ولذلك صاحت بالناس محرشة عليه، فتبعوه .. ونجّاهم الله منهم، فرجع لتنفيذ أمره.
والذي يظهر من استئذان مرثد النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج من عناق أنه كان يحبها، وكانت نفسه البشرية تتوق إليها، ولكنه صبر عنها رافضاً الإغراء، ومتحملاً الأخطار في ذات الله عز وجل، وتلك هي التربية الإسلامية العظيمة.
ويشبه ذلك رفض العبيد الضعفاء أوامر السادة الأقوياء التي فيها معصية الله تعالى، بل إن هذا لأشد، لأن للسيد سلطة على عبده، والعبد مضطر إلى مخالطة سيده والبقاء عنده متعرضاً لأذاه كل حين، كما في قصة عبد الله بن أبيّ بن سلول مع جاريته ومحاولته إكراهها على البغاء ورفضها أمره:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان عبد الله بن أبيّ ابن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: ?ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفورٌ رحيم? [النور: 33] وفي رواية: إن جارية لعبد الله بن أبيّ يقال لها مسيكة. وأخرى يقال لها أميمة، كان يريدهما على الزنا، فشكتا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ?ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء? - إلى قوله - ?غفور رحيم? [مسلم (3/2320)].
يحاول المجرمون نشر الإجرام بكل الوسائل المتاحة لهم، كما أراد ابن أبيّ ذلك لجواريه، لأنه يملكهن، ولكن التربية الإسلامية تقف لهم بالمرصاد، فيقف الضعيف طبْعاً، القوي إيماناً، ضد رغبة القوي طبعاً الضعيف إيماناً.
ولو أن المسلمين في كل زمان رُبُّوا هذه التربية الإيمانية لما قدر دعاة الفساد وناشروه وإن كانوا أقوياء أن يشيعوا فيهم الفاحشة والمنكر.
ولو أتيح للمجرمين والمنحلين ومحبي الفاحشة أن يربوا على الإيمان بالتربية الإسلامية لتابوا إلى الله ورفضوا كل فحشاء ومنكر.

(35)
المثال الخامس من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
الورع العالي

كما في قصة تقيؤ أبي بكر رضي الله عنه ما أكله عندما علم أنه من كسب حرام.
"عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي اختلفا منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري (4/236)].
تأمل صنيع أبي بكر هذا، أكل لقمة من سعي غلامه، وهو جائع قبل أن يسأل عن مصدر الكسب، والظاهر من الأثر أنه كان من عادته أن يسأل قبل أن يأكل احتياطاً، فلمّا أخبره الغلام بسبب كسبه وعرف أنه غير مشروع لم يطق أن يختلط غذاؤه بتلك اللقمة الخبيثة بدمه، فاستقاء ليخرجها وما اختلطت به في بطنه، وما كان رضي الله عنه مكلفاً أن يفعل ذلك، وقد أكلها دون أن يعلم أنها من كسب خبيث، ولكن التربية الإسلامية التي تربّاها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي التي أوصلته إلى ذلك الورع العالي الذي لا يصل إليه إلا من بلغ درجة المتقين الذين يدَعُون ما لا بأسس به خشية مما به بأس، أليس كان يكفي أبا بكر أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدع ما بقي من ذلك الكسب غير المشروع؟ بلى ولكن الورع العالي لم يدعه يكتفي بذلك.
إن الذي لم بُربّ التربية الإسلامية على طاعة الله ليلتمس الحصول على ما ليس له فيه حق، ليسطو عليه في غفلة عن صاحبه، وإن كثيراً ممن ولاهم الله أمور الناس ليسلكون سبلاً شتى في الاعتداء على حقوق الناس، مستغلين قوتهم وسلطانهم، ولكن سلطان الله يسلك بأهله سبيلاً آخر وهو تقوى الله وعدم إضرار الناس.
فأين هذا الورع العالي الذي ضرب له أبو بكر رضي الله عنه أروع مثال، بإخراج لقمة الرزق الخبيث مع ما اختلطت به من الرزق الحلال، وكان أكلها وهو جائع ولا علم له بها؟
أين هذا من جباة الحرام وطالبي الاعتداء على حقوق الناس؟!.
هذا وليعلم أن تربية الفرد بالعلم النافع والعمل الصالح لتستغرق كل أوقات حياته بأصول الإيمان وما تفرع عنها، وأصول الإسلام وما تفرع عنها، وكل أصل من أصول الإيمان وفروعه، وكل أصل من أصول الإسلام وفروعه له أثره العظيم على حياة الفرد إذا جاء به على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، يجعل ذلك الفرد صالحاً مصلحاً، يحب الصلاح والمصلحين ويكره الفساد والمفسدين، ويسعى قدر طاقته أن يزداد الصالحون صلاحاً، وأن يقلع المفسدون عن فسادهم ويكونوا مع الصالحين.
ومن تتبع منهاج حياة المسلم الذي شرعه الله تعالى له سواء فيما يتعلق بصلته بربه أم صلته بالآخرين، وجد أنه لا يوجد للمسلم فراغ يرتكب فيه ما حرم الله أو يترك ما أمر الله به. [راجع إن شئت قسم الجهاد المعنوي في الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب للمؤلف بعنوان: الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته (1/274-437) الطبعة الأولى، نشر دار المنار في جدة]
ويشمل ذلك قلب الإنسان وعقله وجسمه [راجع بحث ضرورة حفظ العقل في كتابنا الإسلام وضرورات الحياة. وكذلك الجهاد في سبيل الله (1/438- 473)].


المبحث الثالث: نماذج تطبيقية لأثر التربية الإسلامية
لقد أثرت التربية الإسلامية في المسلمين تأثيراً ما كان أحد يتوقع حدوثه في الأرض، لم يتوقعه أحد ممن لم يذق طعم الإسلام وما يحدثه في النفوس من تغيير، وسلوك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على مدى ذلك التأثير.
ونضرب لذلك ببعض الأمثلة:

المثال الأول:
سرعة التنفيذ اختياراً وامتثالاً.

إن الأمور التي يعتادها الناس لمدة طويلة وهي مما تشتهيه النفوس، يصعب على تلك النفوس أن تتركها، وإذا حاول القليل أن يتركها تشبّث بها أكثر الناس، ولكن النفوس المؤمنة التي تربت على طاعة الله ورسوله لا يصعب عليها الإقلاع عمّا ألفت إذا أراد الله منها ذلك الإقلاع؛ وإنما يصعب عليها أن تبقى على ما ألفت حياء من الله وخوفاً من سخطه.
فقد كان كثير من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم مازالوا يشربون الخمر في المدينة قبل أن ينزل تحريمها صريحاً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فلما نزل تحريمها سارعوا إلى اجتنابها مسارعة الراغب في رضا الله تعالى، الذي في يده الكأس لم يرفعها إلى فيه، والذي قد أخذ جرعة في فمه لم يستسغ إنزالها إلى جوفه، بل مجّها من فوره، والذي قد شرب منها شيئاً حاول أن يستقيئ ليطهر جوفه من الرجس الذي حرمه الله، وجرت سكك المدينة بالخمور التي أهرقوها من دنانها، حتى لا يبقى شيء منها أمام أعينهم.
كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه قال: "كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر، في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفصيخ والبسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا منادٍ ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها .." [البخاري (6/241-242) ومسلم (3/1570) واللفظ له، وغيرهما من أهل السنن.
رجل واحد ينادي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الخمر، فيسرع الناس بإهراق القلال المملوءة به – كما ورد في بعض روايات أنس: "أهرق هذه القلال" – في شوارع المدينة حتى تجري فيها لكثرتها، ولم يتردّدوا في ذلك مع ما عرف من صعوبة إقلاع شاربي الخمر عنها، ثم لم يراجعوها بعد ذلك ولا سألوا عنها، ولم يكن ذلك لقوة السلطة المادية من المطاردة، وفتح السجون والغرامات وغيرها، وإنما كان بسبب السلطة الربانية – أي القوة الإيمانية المغروسة في النفوس – إنه امتثال أمر الله ورسوله عن رضا واطمئنان.
وينبغي –هنا– أن نذكّر بقصة إصدار أكبر دولة مادية في العصر الحديث، قانونا بحظر الخمر والعقاب عليها، وتجنيد هذه الدولة كل قواها البشرية والمالية، ووسائل إعلامها، وفتح سجونها على مصراعيها لملئها بالجناة الذين لم يستجيبوا لتطبيق القانون الذي صدر في 16 يناير عام 1919م على أن ينفذ عام 1920م، وسبق المنع حملة واسعة من التوعية في جميع وسائل الإعلام، وفي المدارس والمصانع، وصار تدريس أضرار الخمر جزئاً من المواد الدراسية التي يدرسها الطلبة في الابتدائي والثانوي والجامعة، وبذلت جهود جبارة في التوعية، حتى لقد سودت تسعة ملايين صفحة تبين أضرار الخمر الطبية، والاجتماعية، والأخلاقية، وبلغت تكاليف الحملة الإعلامية في ذلك العام فقط خمسة وستين مليون دولار (عام 1920م، قيمتها اليوم أكثر من 650 مليون دولاراً) ولكن لم يكن يمضي على إغلاق الحانات ومصانع الخمر أيام قلائل إلا وابتدأت تنتشر آلاف الحانات السرية .. وفي غضون أشهر قليلة زاد شاربو الخمر عمّا كانوا عليه قبل المنع .. وقدّم إلى المحاكمة ملايين الأشخاص .. وسجن ما بين 1920 و1933 نصف مليون شخص، لإدانتهم بشرب الخمور والاتجار بها أو حيازتها، وقدِّم إلى القضاء في تلك الفترة مجرمون عتاة ارتكبوا جرائم مروعة بسبب الخمر، وقد أدانت المحاكم الكثير منهم، وحكمت على مائتين من عتاة المجرمين بالقتل .. لجرائم متعلقة بالخمور، كما قامت الحكومة بمصادرة أملاك ومصانع الخمر السرية، وبلغ قيمة الأموال المصادرة عندئذ أربعمائة مليون دولار.
ومع هذا فقد انتشرت العصابات الإجرامية ... وأفلت كثير منها من قبضة القانون.
تلك الدولة هي الحكومة الأمريكية!
وممّا ذكرنا يبدوا أن الحكومات الأمريكية المتعاقبة في الولايات المتحدة في فترة المنع، وهي ما بين 1920 و 1933م، كانت جادة في تطبيق القانون، فقد بذلت في ذلك جهوداً جبارة، ولكن تلك الجهود المضنية باءت بالفشل، وصار من المحتم على الحكومة الأمريكية والكونغرس الأمريكي أن يعيدا النظر في قرار المنع ذلك، إذ وجدت الحكومة الأمريكية أن ملايين الأمريكيين قد أقبلوا على شرب الخمور السرية الرديئة، وزاد الإقبال عليها خاصة بين الشباب ... وقد انتشرت إحصائيات مرعبة عن الوفيات الناتجة عن شرب تلك الخمور الرديئة، ففي عام 1927م فقط هلك من استعمال تلك السموم الناقعة سبعة آلاف وخمسمائة شخص، كما أصيب بأمراض وبيلة من جراء شربها أحد عشر ألف شخص في ذلك العام، وازدادت نسبة الجرائم كلها من هتك للأعراض، من سرقة، وقتل، وتضاعف عدد المجرمين ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل المنع، وصرح الكولونيل موسى رئيس المجلس الوطني للجريمة ... في ذلك الوقت، بقوله: إن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين يتعاطون الخمر، وإن الجرائم قد ازدادت بنسبة ثلاثمائة بالمائة عما كانت عليه قبل ...
وبذلك عادت الولايات المتحدة إلى السماح بصناعة الخمور وبيعها والاتجار بها والإعلان عنها ... [الخمر بين الطب والفقه، لمؤلفه الدكتور محمد بن علي البار ص: 100-103 مع شيء يسير من التصرف والاختصار، وراجع كتاب التشريع الجنائي الإسلامي (2/496-497) لعبد القادر عودة، وراجع ضرورة حفظ العقل في كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة].
قارن بين نداء رجل واحد: إن الله قد حرم الخمر واستجابة أهل المدينة كلهم لندائه، وإهراق ما عندهم من الخمور حتى جرت في سكك المدينة ومن ثم لم يعودوا لشربها، وبين ما جرى من دولة ذات قوة وإمكانات مادية لتطبيق القانون الذي حرّمت به الخمر قهراً، ثم استسلامها لجماهير الإجرام والشهوة العارمة، بعد أحد عشر عاماً من الزمن وافهم السبب الذي جعل الناس يستجيبون في الأول، والسبب الذي دعا إلى التمرد في الثاني!
إن التربية الإسلامية هي السبب في استجابة المسلمين لداعي التحريم في الأول، وعدم تلك التربية، وهو البعد عن الله هو السبب في الثاني.

(33)
المثال الثاني من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
سرعة تنفيذ النساء المؤمنات أمرهن بالحجاب

إنه من الصعوبة بمكان أن يتحول المرء من عادة ألفها فترة طويلة من حياته إلى عادة أخرى لم يألفها، ولكن الإيمان والتربية الإسلامية تجعله يتحول بسرعة، -راضياً مطمئنا-ً من عادته الأولى إلى الثانية. وهذا ما حصل من النساء المؤمنات عندما علمن أن الله أمرهن بالحجاب، فقد استبطأن أن تعد كل واحدة منهن خماراً لذلك، فشققن مروطهن واختمرن بها، كما في حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: ((يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل لما نزل ?وليضربن بخمرهن على جيوبهن? الآية، شققن مروطهن فاختمرن بها)) [البخاري (6/13) والآية في سورة النور: 31].

(33)
المثال الثالث من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
سهولة إثبات الجريمة بإقرار الجاني خوفاً من الله تعالى،
ولو أدى إقراره إلى حرمانه الحياة أو حرمان أقرب المقربين إليه،
ونسوق لهذا المثال حديثين:

الحديث الأول: "عن أبي هريرة وزيد بن خالد الدهني رضي الله عنهما، قالا : جاء أعرابي فقال يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. فقام خصمه فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله فقال الأعرابي: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لي: على ابنك الرجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأقضين بينكما بكتاب الله أما الوليدة والغنم فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب، عام وأما أنت يا أنيس لرجل فاغد على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت" [البخاري (8/24) ومسلم (3/1324)].
تأمل كيف يسعى من له علاقة بالمعصية للعثور على حكم الله فيها وتطبيقه على قريبته، من الاتصال بأهل العلم وسؤالهم، وكيف يأخذ الابنَ أبوه إلى من ينفذ فيه حكم الله، ويقرّ الزوج على امرأته بالزنى، وفيه ما فيه من العار وسوء السمعة عليه، وكيف يعترف العاصي بمعصيته، وإن كان في اعترافه مفارقة الحياة، كل ذلك للحرص على البعد عن سخط الله، وطلب رضاه الذي هو هدفه الأول في هذه الحياة، بسبب التربية الإسلامية التي تدور كلها حوله.
الحديث الثاني: "عن وائل بن حجر رضي الله عنه، أن امرأة خرجت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، تريد الصلاة فتلقاها رجل فيتحللها، فقضى حاجته منها فصاحت، فانطلق ومر عليها رجل، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرجل الذي ظنت أنه وقع عليها، وأتوها فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمر به ليرجم قام صاحبها الذي وقع عليها، فقال يا رسول الله أنا صاحبها. فقال لها: ((اذهبي فقد غفر الله لك)) وقال للرجل قولا حسنا وقال للرجل الذي وقع عليها: ((ارجموه)) وقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم" [أبو داود (4/541-432) والترمذي (4/56) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. قال العظيم أبادي رحمه الله قوله: "فلما أمر به ليرجم" ولا يخفى أنه بظاهره مشكل، إذ لا يستقيم الأمر بالرجم من غير إقرار ولا بينة، وقول المرأة لا يصلح بينة، بل هي التي تستحق أن تحد حد القذف، فلعل المراد فلما قارب أن يأمر به، وذلك قاله الراوي نظراً إلى ظاهر الأمر حيث أنهم أحضروه في المحكمة عند الإمام، والإمام اشتغل في التفتيش عن حاله، والله أعلم، عون المعبود (12/42-43) الطبعة السلفية].
إن الرجل جنى واختفى، واتُّهِم غيره، وكاد يطبق العقاب على المتهم، وهو الرجم إلى الموت، ولو أراد الجاني أن يستمر في الاختفاء لفعل، ولكن خوف الله ساقه سوقاً لإنقاذ حياة بريء، وتقديم نفسه للموت، فكانت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل الله منهم.
قال أبو زهرة رحمه الله، وهو يعدّد فوائد يقظة الضمير الديني – أي بالتربية الإسلامية -:
"الثاني: أن إيقاظ الضمير يسهّل الإثبات، لأن الجرائم لا تقع إلا في كِنٍّ من الظلام، مستترة غير ظاهرة، فإذا أحس الذين عاينوا وشاهدوا أن عليهم واجباً دينياً أن يبلغوا فإنهم يبلغون، تنفيذاً لحكم ربهم، وذلك لقوله تعالى:
?يا أيها الذين ءامنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا? [النساء: 135].
ولقد بلغ من قوة الضمير أن الرجل يأخذ ولده إلى الرسول عليه السلام، فيقيم عليه الحد إذا وجب .." ثم ذكر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد المتقدم [الجريمة والعقوبة (1/13)].

(34)
المثال الرابع من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
رفض الإغراء واحتمال المكاره رغبة فيما عند الله وخوفاً من عقابه

كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده رضي الله عنهما، قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة: قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلَيَّ عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحبا وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة، قال: قلت: يا عناق حرم الله الزنا، قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى كهف، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فطل بولهم على رأسي وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه أكباله، فجعلت أحمله ويعينني حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت ?الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا مرثد ?الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك? فلا تنكحها" [أبو داود (2/542) والنسائي (6/54) والترمذي (5/328) وقال: قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال المحشي على جامع الأصول (2/245) وإسناده حسن ... وصححه الحاكم].
لقد حمل مرثداً رضي الله عنه إيمانُه وتربيته الإسلامية على إنقاذ إخوانه المسلمين من الأسر، وتأمينهم، فكان يقطع المسافات الطويلة بين مكة والمدينة ذاهبا وآئباً: يحمل الأسير وهو مكبل بالقيود، حتى يخرجه من مكة، فيفك قيوده ويعينه حتى يصل مأمنه بين إخوانه المسلمين بالمدينة.
وجد مرثد تلك البغي التي كان له معها علاقة في الجاهلية، وهو في وقت حرج يخاف على نفسه من أن يكتشف من قبل قريش الذين كان يأخذ أسراهم خفية منهم، فدعته تلك البغي إلى الرواح معها والنزول في بيتها وهو يتدسس، فلم يتردد في أن يذكر لها حكم الله في تلك العلاقة السيئة، وهو يعرض بذلك نفسه للخطر، لأنها كانت، كما يبدوا من سياق الحديث تعرف حمله الأسرى، وهو يعلم أنها ستؤلب عليه إن لم يستجب لها، ولذلك صاحت بالناس محرشة عليه، فتبعوه .. ونجّاهم الله منهم، فرجع لتنفيذ أمره.
والذي يظهر من استئذان مرثد النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج من عناق أنه كان يحبها، وكانت نفسه البشرية تتوق إليها، ولكنه صبر عنها رافضاً الإغراء، ومتحملاً الأخطار في ذات الله عز وجل، وتلك هي التربية الإسلامية العظيمة.
ويشبه ذلك رفض العبيد الضعفاء أوامر السادة الأقوياء التي فيها معصية الله تعالى، بل إن هذا لأشد، لأن للسيد سلطة على عبده، والعبد مضطر إلى مخالطة سيده والبقاء عنده متعرضاً لأذاه كل حين، كما في قصة عبد الله بن أبيّ بن سلول مع جاريته ومحاولته إكراهها على البغاء ورفضها أمره:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان عبد الله بن أبيّ ابن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، قال: فأنزل الله عزّ وجلّ: ?ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفورٌ رحيم? [النور: 33] وفي رواية: إن جارية لعبد الله بن أبيّ يقال لها مسيكة. وأخرى يقال لها أميمة، كان يريدهما على الزنا، فشكتا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ?ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء? - إلى قوله - ?غفور رحيم? [مسلم (3/2320)].
يحاول المجرمون نشر الإجرام بكل الوسائل المتاحة لهم، كما أراد ابن أبيّ ذلك لجواريه، لأنه يملكهن، ولكن التربية الإسلامية تقف لهم بالمرصاد، فيقف الضعيف طبْعاً، القوي إيماناً، ضد رغبة القوي طبعاً الضعيف إيماناً.
ولو أن المسلمين في كل زمان رُبُّوا هذه التربية الإيمانية لما قدر دعاة الفساد وناشروه وإن كانوا أقوياء أن يشيعوا فيهم الفاحشة والمنكر.
ولو أتيح للمجرمين والمنحلين ومحبي الفاحشة أن يربوا على الإيمان بالتربية الإسلامية لتابوا إلى الله ورفضوا كل فحشاء ومنكر.

(35)
المثال الخامس من النماذج التطبيقية لأثر التربية الإسلامية:
الورع العالي

كما في قصة تقيؤ أبي بكر رضي الله عنه ما أكله عندما علم أنه من كسب حرام.
"عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي اختلفا منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري (4/236)].
تأمل صنيع أبي بكر هذا، أكل لقمة من سعي غلامه، وهو جائع قبل أن يسأل عن مصدر الكسب، والظاهر من الأثر أنه كان من عادته أن يسأل قبل أن يأكل احتياطاً، فلمّا أخبره الغلام بسبب كسبه وعرف أنه غير مشروع لم يطق أن يختلط غذاؤه بتلك اللقمة الخبيثة بدمه، فاستقاء ليخرجها وما اختلطت به في بطنه، وما كان رضي الله عنه مكلفاً أن يفعل ذلك، وقد أكلها دون أن يعلم أنها من كسب خبيث، ولكن التربية الإسلامية التي تربّاها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي التي أوصلته إلى ذلك الورع العالي الذي لا يصل إليه إلا من بلغ درجة المتقين الذين يدَعُون ما لا بأسس به خشية مما به بأس، أليس كان يكفي أبا بكر أن يستغفر الله ويتوب إليه ويدع ما بقي من ذلك الكسب غير المشروع؟ بلى ولكن الورع العالي لم يدعه يكتفي بذلك.
إن الذي لم بُربّ التربية الإسلامية على طاعة الله ليلتمس الحصول على ما ليس له فيه حق، ليسطو عليه في غفلة عن صاحبه، وإن كثيراً ممن ولاهم الله أمور الناس ليسلكون سبلاً شتى في الاعتداء على حقوق الناس، مستغلين قوتهم وسلطانهم، ولكن سلطان الله يسلك بأهله سبيلاً آخر وهو تقوى الله وعدم إضرار الناس.
فأين هذا الورع العالي الذي ضرب له أبو بكر رضي الله عنه أروع مثال، بإخراج لقمة الرزق الخبيث مع ما اختلطت به من الرزق الحلال، وكان أكلها وهو جائع ولا علم له بها؟
أين هذا من جباة الحرام وطالبي الاعتداء على حقوق الناس؟!.
هذا وليعلم أن تربية الفرد بالعلم النافع والعمل الصالح لتستغرق كل أوقات حياته بأصول الإيمان وما تفرع عنها، وأصول الإسلام وما تفرع عنها، وكل أصل من أصول الإيمان وفروعه، وكل أصل من أصول الإسلام وفروعه له أثره العظيم على حياة الفرد إذا جاء به على مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، يجعل ذلك الفرد صالحاً مصلحاً، يحب الصلاح والمصلحين ويكره الفساد والمفسدين، ويسعى قدر طاقته أن يزداد الصالحون صلاحاً، وأن يقلع المفسدون عن فسادهم ويكونوا مع الصالحين.
ومن تتبع منهاج حياة المسلم الذي شرعه الله تعالى له سواء فيما يتعلق بصلته بربه أم صلته بالآخرين، وجد أنه لا يوجد للمسلم فراغ يرتكب فيه ما حرم الله أو يترك ما أمر الله به. [راجع إن شئت قسم الجهاد المعنوي في الفصل الثاني من الباب الأول من كتاب للمؤلف بعنوان: الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته (1/274-437) الطبعة الأولى، نشر دار المنار في جدة]
ويشمل ذلك قلب الإنسان وعقله وجسمه [راجع بحث ضرورة حفظ العقل في كتابنا الإسلام وضرورات الحياة. وكذلك الجهاد في سبيل الله (1/438- 473)].


الفصل الثاني: حقوق أفراد الأسرة بعضهم على بعض
وفيه مقدمة وسبعة مباحث.
المبحث الأول: حقوق الوالدين على الأولاد.
المبحث الثاني: حقوق الزوج على المرأة.
المبحث الثالث: حقوق المرأة على الزوج.
المبحث الرابع: حقوق الأولاد على الآباء.
المبحث الخامس: حقوق السادة على العبيد.
المبحث السادس: حقوق العبيد والخدم.
المبحث السابع: العدل الأسري.

المقدمة
إن الأسرة في المنزل صورة مصغرة للمجتمع، فيها أفراد لهم حاجات وحقوق، وعليهم واجبات، وفيها الكبير الذي يعتبر أميرا، والصغير الذي يعتبر مأمورا، وفيهم من له فضل على غيره ويد على من سواه، وفيها القوي القادر، والضعيف الحاسر، وفيها العالم البصير، والجاهل الضرير، وفيها القدوة الحسنة السابق في أعمال الصالحين، والفاجر القاعد في ركب المتخلفين، وفيها المقتصد الذي يؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات، ويكسل عن المندوبات، وينشط في تناول المكروهات، وفيها العدل الذي يعطي كل ذي حق حقه، والظالم الذي الحلال من رزقه، وفيها القنوع الذي يكفيه اليسير، والجشع الذي لا يشبعه الكثير.
لهذا كانت عناية الخالق العليم الحكيم سبحانه، بشئون الأسرة في كتابه الكريم، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، عناية فائقة، كما وفق الله علماء الشريعة الإسلامية للعناية بالأسرة، فانبثق عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعناية العلماء مؤلفات كثيرة في شئون الأسرة، إما في كتب مستقلة بها، أو ببعض أحكامها، كالزواج، والطلاق، والرضاع، والحضانة، والنفقة، وحقوق الأزواج والزوجات، وحقوق الآباء، وحقوق الأولاد، وأحكام الجنين، والميراث، وإما في أبواب وفصول ضمن كتب الحديث وكتب الفقه في المذاهب الفقهية.
وقد تحتاج الأسرة إلى من يعينها في الخدمة، فينضم إليها الأجير الذي يحتك بها، وقد يكون لبعض الأسر عبيد-عندما يكون الرق مشروعا-فيكون للأسرة على خدمها وعبيدها حقوق، ويكون للخدم والعبيد على مخدوميهم وأسيادهم حقوق.
كل ذلك قد عنيت به الشريعة الإسلامية غاية العناية.
ولو أخذت الأسر المسلمة تلك الأحكام والتوجيهات التي عنيت بها الشريعة الإسلامية، مأخذ الجد وطبقتها حق التطبيق، لَتَكَوَّن منها المجتمع الإسلامي الآمن تلقائيا، بدون عناء ولا مشقة من خارج الأسر، إلا التوجيه العام الذي يتلقاه الجميع بالترحاب والتنفيذ.
وما أصعب أن يُتِمَّ كاتب –مثلي- الغرض في هذه الأبواب، وهو يريد الإشارة إلى موضوعات منها، كل موضوع جدير بمؤلف خاص به!
ولكنني أرجو أن يتحقق أمن الأسرة والمجتمع بما يُسَجَّلُ في هذا الكتاب، ما اجتهدوا في العمل بما فيه من الآداب والسلوك والأحكام، وبما يحققون من الولاء الذي شرعه الله له ولرسوله وللمؤمنين. وبالله التوفيق.

(43)

حقوق الوالدين
إن الوالدين هما السبب المادي المباشر في وجود الولد، والذي يكون سبباً في وجودك يكون حقه عليك أعظم من حق غيره.
ولعلّ ذلك يظهر شيئاً من الحكمة في أن الله تعالى قرن حق الوالدين بحقه تعالى في القرآن العظيم، كما قال تعالى: ? وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا ...? [البقرة: 83] وقال تعالى: ?واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً? [النساء: 36] وقال عز وجل: ? قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ...? [الأنعام: 151] وقال جل وعلا: ? وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا? [الإسراء: 23-24].
فقد أمر الله تعالى بحقه وهو عبادته، ونهى عما يضاده، وهو الشرك به كما أمر بحقوق الوالدين، وهو برّهما، ونهى عما يضاده، وهو عقوقهما، وبدأ تعالى بحقه لأنه الإله الخالق الذي أوجد السبب والمسبّب، ثم ذكر حقوق الوالدين، لأنهما السبب الذي أوجده الله ليكون مصدراً للأولاد.
وقد أشار سبحانه وتعالى في آيات أخرى إلى بعض معاناة الوالدين وقيامهما على الأولاد، وأن على الولد أن يشكر الله عل ما هيأه له من تحمل الوالدين مشاق القيام بحقه في صغره، ويشكرهما كذلك وأن يجزيهما على تعبهما، قال تعالى: ? ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير? [لقمان: 14] وقال تعالى: ? ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين، أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون، والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك ءامن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين، أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين? [الأحقاف: 15-18].
فتعب الوالدة بحمله ورضاعه، والسهر على راحته والعناية به. وقيام الأب بتربيته وتعليمه وجلب رزقه وغير ذلك مما يقومان به يوجب عليه أن يشكرهما وأن يؤدي حقهما من البر والصلة والخدمة والرحمة وإظهار الفرح والسرور بهما، لاسيما إذا كانا في حاجة إلى خدمته وعنايته بهما في كبرهما، فإنهما قد يصلان إلى حاجة من العجز في الكبر تشبه حالته عندما كان صغيراً، وقد قام بحقه وقت عجزه، فعليه أن يقوم بحقهما بدون تضجّر ولا تأفّف ولا يقذّر، وبدون طلب منهما، بل يبادر هو بذلك، كما كانا هما لا يتقذران من أوساخه: بوله وغائطه وبصاقه وقيئه وغير ذلك، عليه أن يتذكر ذلك فيردّ الجميل إليهما على أكمل وجه وبعلم أن القيام بحقوقهما عبادة لله، ولو يقوما بشيء من العناية به في صغره، فكيف وقد اجتمع لهما ردّ الجميل وواجب أداء الحق الذي أمر الله تعالى به.
ولما كان جهد الأم وتعبها على الولد أكثر من تعب الأب، كان حقها عليه أعظم، كما أشارت إلى ذلك آيات لقمان والأحقاف السابقتان: ?حملته أمه وهن على وهن? ?حملته أمه كرهاً ووضعته كرها? وفسّر ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أبوك" [البخاري (7/69) ومسلم (4/1974)].
ودعا الرسول صلى الله عليه وسلم على من أدرك والديه فلم يبرهما براً يدخله الجنة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه)) قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((من أدرك والدين عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة)) [مسلم (4/1978)].

(44)

ولعظم حق الوالدين جعل صلى الله عليه وسلم ولد الرجل من كسبه، وجعله هو وماله لأبيه، بياناً لعظم حقه عليه، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً وولداً، وإن والدي يحتاج مالي [أي يأتي عليه ويستأصله] قال: ((أنت ومالك لوالدك، وإن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم)) [أبو داود (3/801-802) وابن ماجة (2/769) قال المحشي على جامع الأصول (1/399): "وأخرجه أحمد .. وإسناده حسن .. وصححه البوصيري وابن القطان، وقال ابن المنذر: رجاله ثقات .. إلى أن قال: قال الحافظ في الفتح: فمجموع طرقه لا تحطه عن القوة وجواز الاحتجاج به" اهـ.
لكن بعض العلماء قيّد أخذ الوالد ما شاء من مال ولده بأن لا يجحف بولده ويدعه محتاجاً، قال ابن قدامه رحمه الله: "وللأب أن يأخذ من ماال ولده ما شاء مع غناه وحاجته بشرطين، أحدهما: أن لا يجحف بالإبن ولا يأخذ ما تعلقت به حاجته، الثاني: أن لا يأخذ من مال أحد ولديه فيعطيه لآخر، لأن تفضيل أحد الولدين غير جائز، فمع تخصيص الآخر بالأخذ منه أولى. فإذا وجد الشرطان جاز الأخذ" [الكافي (2/471)].

(45)

ولعظم حق الوالدين قدّم تعالى برّهما على الجهاد في سبيل الله –إذا لم يتعين- كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: جار رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد، قال: ((أحيّ والداك؟)) قال: نعم قال: ((ففيهما فجاهد)) [البخاري (7/69) ومسلم (4/1975)].
وحمل العلماء النهي عن جهاد الابن بدون إذن أبويه على ما إذا كان الجهاد فرض كفاية – أي قام به من يكفي – أما إذا كان فرض عين عليه أن يجاهد أذنا له أو لم يأذنا، كغيره من ذوي الأعذار، مثل العبد والمرأة ونحوهما، وفي المسألة تفصيل ليس هذا موضعه [راجع بدائع الصنائع للكاساني (9/4300) وتكملة المجموع (18/57) وحاشية الدسوقي (2/75) وراجع كتابنا الجهاد في سبيل الله، حقيقته وغايته (1/90-92)].
لكن ابن حزم رحمه الله قيّد مشروعية جهاد الابن بدون إذن والديه إذا كان الجهاد فرض عين بما إذا لم يكن في ذلك ضياع لهما، فإن كان فيه ضياع لهما لم يجز له الجهاد ولو كان فرض عين، قال: "إلا أن يضيعا أو أحدهما، فلا يحل له ترك من يضيع منهما" [المحلى (7/292)].

(46)

ومما ينافي برّ الوالدين أن يدعهما أو أحدهما يمتهنان في خدمة الناس للحصول على نفقتهما، ولو كانا قادرين، مادام يستطيع الإنفاق عليهما وعزهما، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فليس من بر الوالدين أن يدع الرجل أباه يكنس الكنف، ويكاري عمل الحمر، ويوقد في أتّون الحمام، ويحمل الناس على رأسه ما يتقوّت بأجرته، وهو في غاية الغنى واليسار وسعة ذات اليد، وليس من بر أمه أن يدعها تخدم الناس وتغسل ثيابهم وتسقي لهم الماء ونحو ذلك، ولا يصونها بما ينفقه عليها، ويقول: الأبوان مكتسبان صحيحان، وليسا بزمنين ولا أعميين، فيا لله العجب! أين شرط الله ورسوله في بر الوالدين وصلة الرحم أن يكون أحدهما زمناً أو أعمى؟ وليست صلة الرحم ولا برّ الوالدين موقوفة على ذلك شرعاً ولا لغةً ولا عرفاً .." [زاد المعاد (5/551)].
وفي إيجاب الله تعالى بر الوالدين وإعطائهما هذه الحقوق على الأولاد أمن لكل أب أو أم لهما ولد بأن يعيشا عيشة طيبة تحت رعايته لهما، ويزيد من أمنهما واطمئنانهما أن ذلك ليس من باب التطوع من الولد عليهما، بل هو واجب مفروض عليه من الله سبحانه وتعالى، فلا منّة له عليهما بما يقوم به من برّهما.
وإن الذي يقارن بين هذا الحق الذي شرعه الله تعالى للوالدين في الإسلام – ولو كانا كافرين، فإن على ولدهما المسلم أن يبرهما ويحسن إليهما كالأبوين المسلمين [ما لم يأمراه بمعصية، فإن أمراه بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق] – والذي يقارن بين هذا وبين ما يعانيه الآباء والأمهات في دول الكفر من العقوق والإهمال في جميع الحقوق لاسيما حالة ضعف الوالدين، يرى رحمه الله وحكمته ومحاسن شريعته، فأي الفريقين أحق بالأمن؟!.
ولقد شرع الله في بر الوالدين ما لم يخطر على بال واضعي الأنظمة البشرية، لقد جعل من أبر بر الوالدين صلة من له قرابة بصديقهما بعد موتهما، كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما، إنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمار يتروّح عليه إذا ملّ ركوب الراحلة، وعمامة يشد بها رأسه، فبينما هو يوماً على ذلك الحمار، إذ مرّ به أعرابي، فقال: ألست ابن فلان؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار، فقال: اركب هذا، والعمامة، وقال: اشدد بها رأسك، فقال له بعض أصحابه: غفر الله لك، أعطيت هذا الأعرابي حماراً تروح عليه، وعمامة كنت تشد بها رأسك؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه، بعد أن يولي، وإن أباه كان وداً لعمر)) [مسلم (4/1979)].


المبحث الثاني: حقوق الزوج على المرأة
وفيه اثنا عشر مطلباً:
المطلب الأول: تعظيم حقه عليها
المطلب الثاني: وجوب طاعتها له في غير معصية
المطلب الثالث: وجوب ابتعادها عما يؤذيه
المطلب الرابع: وجوب قرارها في بيته وعدم خروجها بدون إذنه
المطلب الخامس: عدم إذنها لأحد في بيته بدون رضاه
المطلب السادس: عدم صومها تطوعاً بدون إذنه
المطلب السابع: تربية أولاده تربية إسلامية
المطلب الثامن: اعترافها بإحسانه وعدم إنكار نعمته
المطلب التاسع: حفظ ماله وعدم التفريط فيه
المطلب العاشر: عدم تمكينها أجنبياً من الخلوة بها
المطلب الحادي عشر: مواساته وإدخال السرور عليه
المطلب الثاني عشر: تسليمها بإمرته للأسرة في حدود ما شرعه الله

حقوق الزوج على المرأة
تمهيد
لقد جمع رسول الله صلة الله عليه وسلم المسئولين كلهم في حديث واحد من جوامع كلمه، بحديث ذكر أعظم مسئول في المجتمع الإسلامي، وأصغر مسئول فيه، وما بينهما، كما في حديث عيد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيتهم، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع ومسئول عن رعيته)) [البخاري (8/104) ومسلم (3/1459)].
فقد قسم الرسول صلى الله عليه وسلم المسئوليات العامة والخاصة في هذا الحديث، فذكر أعلى أصناف الناس في أول من ذكر، وأدناهم في آخر من ذكر، وأوسطهم فيما بين ذلك فالمقصود من الحديث استغراق كل أفراد المسلمين بذكر أعلاهم وأوسطهم وأدناهم [راجع رسالة للمؤلف بعنوان: المسئولية في الإسلام، الطبعة الثانية].
والمقصود هنا ذكر بعض الحقوق التي يجب أن يرعاها كل فرد من أفراد الأسرة لمن هو مسئول عنه.

(48)

المطلب الأول:
تعظيم حق الزوج على زوجته
وقد ورد في ذلك نصوص كثيرة منها حديث قيس بن سعد رضي الله عنه قال: أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يسجد له، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحق أن يسجد لك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟)) فقلت: لا، فقال: ((لا تفعلوا، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لم جعل الله لهم عليهن من حق)) [أبو داود (2/604-605)].
ومثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها)) [الترمذي (3/456) وقال: هذا حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، وذكر أن تسعة من الصحابة رووه بهذا المعنى غير أبي هريرة. وقال المحشي على جامع الأصول (6/494) على حديث قيس: يشهد له الأحاديث التي قبله فهو حديث حسن .. وقال في حديث أبي هريرة: حديث صحيح له شواهد بمعناه].
ففي هذين الحديثين الشريفين وما جاء في معناهما بيان عظيم لحق الزوج على المرأة، وأنها يجب أن تجتهد في أداء حقوقه بكل ما تقدر عليه وأن تسعى لرضاه فيما لا معصية لله فيه، ومنه ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ممثلاً له بأفحش الذنوب، وهو عبادة غير الله، لأن السجود لا يجوز إلا له سبحانه، إلا أنه لو فرض أنه يجوز أن يؤدى لأحد لكان الزوج جديراً به من قبل امرأته، لما له عليها من حق عظيم، وذلك لأن الزوج يعفّ امرأته ويكرمها ويجعلها ربة لبيته، لها منزلتها في الأسرة، يأتمنها على ماله وولده وعرضه، ويسعى في جلب الرزق لها ولأولادها، ويدفع عنها وعنهم العوادي التي يقدر على دفعها، وغير ذلك مما تشعر معه المرأة بالراحة والأمن والاطمئنان.

(49)

المطلب الثاني:
طاعتها له في غير معصية الله تعالى
ويدل على ذلك الحديثان السابقان وغيرهما، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:: أي النساء خير؟ قال: ((التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره)) [النسائي (6/56) قال المحشي على جامع الأصول (6/498): ورواه أحمد، وإسناده حسن].
ويتأكد وتأكد وجوب طاعته في دعوته إياها إلى فراشه، حتى أن الملائكة لتلعنها ليلتها إذا بات زوجها غاضباً عليها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح)) [البخاري (6/150) ومسلم (2/1059)].

(50)

المطلب الثالث: وجوب ابتعادها عما يؤذيه
ويكفي أن نذكر في هذا المطلب حديثين واضحي الدلالة على خسارة المرأة التي تؤذي زوجها وتغضبه:
الحديث الأول: عن معاذ ابن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه، قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك، يوشك أن يفارقك إلينا)) [الترمذي (3/467-468) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه].
الحديث الثاني: عن أبي أمامة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، العبد الأبق، حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون)) [الترمذي (2/193) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وعلّق عليه أحمد محمد شاكر، فقال: بل هو حديث صحيح ...].
ويجب على الزوج –كذلك- أن يبتعد عما يؤذي زوجته، فللنساء على الرجال مثل الذي عليهن، كما قال تعالى { ولهن مثل الذي عليهن}

(51)

المطلب الرابع:
وجوب قرارها في بيته وعدم خروجها بدون إذنه
سبق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((والمرأة راعية على أهل بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)) في التمهيد الذي سبق المطلب الأول من هذا المبحث: وفي الحديث إشارة إلى ما تقرر في نصوص الشريعة من أن الأصل في حق المرأة القرار في البيت، والخروج منه خلاف ذلك الأصل، يباح عند الحاجة بقدرها، فإذا انتهت الحاجة رجعت إلى ما هوا الأصل في حقها، وهو القرار في البيت، وقد أمر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالقرار في بيوتهن، وجعل ذلك من وسائل تطهيرهن من الذنوب والمعاصي، والأصل في الأحكام المتعلقة بالنساء أن تستوي فيها كل النساء، من غير فرق بين نساء الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء المؤمنين، إلا إذا دل دليل خاص على اختصاصهن بحكم معين، مثل كونهن أمهات المؤمنين في حرمة الزواج بهن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضاً فإن الطهر والعفة والمغفرة مطلوبة لكل النساء، وقد جعل الله قرارهن في البيوت من وسائل الطهر، وأيضاً فقد نهاهن الله تعال عن التلبس بصفات نساء الجاهلية الأولى كالتبرج، وهو أمر لا يختص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، بل كل المسلمين منهيون – نساءً ورجالاً – عن الاتصاف بصفات الجاهلية.
قال تعالى: ?وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى? [الأحزاب: 33، وراجع كتابنا: المسئولية في الإسلام ص: 125-126] وأتبع ذلك بما لا يختلف فيه اثنان أن ليس من خصائصهن، وهو الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله ...، فقال تعالى: ?وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً? [الأحزاب: 33، وراجع كتابنا: المسئولية في الإسلام ص: 125-126].
وإذا كان الأصل في المرأة أن تقر في بيتها، فإنها إضافة إلى ذلك لا يجوز لها الخروج منه إلا بإذن زوجها، وقد دل على ذلك أمره صلى الله عليه وسلم الرجال أن يأذنوا للنساء في الخروج لصلاة الجماعة في المسجد، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ((إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها)) [البخاري (6/160) ومسلم (1/326-327)].
ولو كان للمرأة الحق في الخروج بدون إذن زوجها لما كانت هناك حاجة لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن منعها إذا هي استأذنت بل لا حاجة لاستئذانها، وإذا كان خروجها للعبادة لابد أن تستأذن فيه، فإن خروجها للأمور المباحة أولى بالاستئذان.

(52)

المطلب الخامس:
عدم إذنها لأحد في بيته بدون رضاه
سواء كان من أقربائها أو أقرباء الزوج، ولو كانوا محارمها، ما عدا أباه، فقد مضى أن ولده من كسبه، وأنه يأخذ من ماله ما شاء – مع الشروط التي ذكرها بعض العلماء – وليس من الجائز له ولا لها منعه من دخول بيت والده إلا إذا كانت هناك ضرورة شرعية معينة تصدر بها فتوى، وهي – إن حصلت – نادرة.
فقد روى الأحوص رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر ووعظ ثم قال: ((ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هن عوانٍ عندكم ليس تملكون لهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن)) [الترمذي (3/458) وقال: وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة (1/594)].
قال الحافظ المباركفوري في قوله: ((فلا يوطئن فراشكم من تكرهون)): "قال الطيبي: أي لا يأذن لأحد أن يدخل منازل الأزواج)) وقال في قوله: ((إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)): "كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف" [تحفة الأحوذي (4/326) نشر المكتبة السلفية في المدينة المنورة].
قلت: وإذا تقيدت المرأة المسلمة بهذه التوجيهات النبوية فلم توطئ فراش زوجها ولم تدخل أحداً يكره منزله، مع الحقوق الأخرى التي يجب أن تؤديها له فإن الأمن الأسري يصل إلى ذروته.

(53)

المطلب السادس: عدم صوم المرأة تطوعاً بدون إذنه
إن خدمة المرأة زوجها، وقيامها بقضاء حاجاته، أولى من قيامها بأداء بعض العبادات تطوعا، كالصوم والحج ونحوهما.
وقد دل على ذلك –وعلى ما جاء في المطلب الخامس أيضا- حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم-فذكر أحاديث ومنها- : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقت من كسبه من غير أمره، فإن نصف أجره له." [البخاري (6/150) مسلم (2/711)

(54)

المطلب السابع:
تربية المرأة أولاد زوجها تربية إسلامية والقيام على شؤونهم.
وهذا المطلب من أهم وظائف المرأة في بيت زوجها، فلا تقوم الحياة الأسرية الآمنة المطمئنة بدون هذه الوظيفة، ونصيب الأم في هذه الوظيفة أعظم من نصيب الأب، وقد أشار إلى ذلك حديث ابن عمر المتقدم [انظر التمهيد في أول هذا المبحث] في رواية البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: "والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده". ولا شك أن أو جب الرعاية وأهمها هي التربية الإيمانية السلوكية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتبع ذلك الرعاية الجسمية، صحة وغذاء ونظافة، وغيرها.
ويدخل في ذلك أن تعين زوجها على تربية أولاده من غيرها، إذا ماتت أمهم، أو طلقت، وهم في سن يحتاجون فيها إلى الرعاية، وكذلك إخوانه الصغار، إذا كانوا بلا أم.
وقد شمل ذلك كله قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده" كما يدخل فيه بعض أقاربه الذين يجب أن يسعى هو في رعايتهم، كأمه العجوز وأبيه.
ومما يدل على ذلك حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، وفيه: قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تزوجت بكرا أم ثيبا؟" قلت: تزوجت ثيبا. فقال: "هلا تزوجت بكرا تلاعبها وتلاعبك؟" قلت: يا رسول الله، توفي والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج مثلهن، فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهم وتؤدبهن..." [البخاري (4/9-10) ومسلم (2/1087]
نعم. لا يجب على المرأة أن تقوم على أبناء زوجها من غيره، أو بعض أقاربه، إلا إذا كان شرط ذلك عليها وقبلت الشرط، ولكن ينبغي أن تقوم بذلك تطوعا واختيارا، فإن لها في نساء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، في الصبر على خدمة أزواجهن التي قد تعاني المرأة منها شيئا من المشقة، ولكنها تنال بذلك فائدتين:
الفائدة الأولى: إرضاء ربها في خدمة زوجها وإعانته.
الفائدة الثانية: إدخال الأمن والطمأنينة والراحة، والسرور والرضا على نفسه، وجلب ما يزيد المودة بينها وبينه.
فقد حفظ علي رضي الله عنه لزوجه وبنت عمه، فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيامها بخدمته، وما عانت من تعب ومشقة في خدمته، فحكى ذلك للناس بعد وفاتها، كما روى أبو الورد بن ثمامة، قال: قال علي لابن أعبد: "ألا أحدثك عني وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أحب أهله إليه، وكانت عندي؟" قلت: بلى. قال:" إنها جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم خدم، فقلت: لو أتيتِ أباك فسألته خادما؟ فأتته فوجدت عنده حداثا، فرجعت، فأتاها من الغد، فقال: "ماكان حاجتك؟" وسكتت، فقلت: "أنا أحدثك يا رسول الله، جرت بالرحى حتى أثرت في يدها، وحملت بالقربة حتى أثرت في نحرها، فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك، فتستخدمك خادما يقيها حر ما هي فيه. قال: "اتقي الله يا فاطمة، وأدي فريضة ربك، واعملي عمل أهلك، وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثا وثلاثين، واحمدي ثلاثا وثلاثين، وكبري أربعا وثلاثين، فتلك مائة، فهي خير لك من خادم." قالت: رضيت عن الله وعن رسوله. [البخاري (6/192-193 ) ومسلم (4/2091) والترمذي (5/477) وأبوداود (3/394)
ويؤخذ من هذا الحديث –زيادة على ما ذكر من دلالته على قيام المرأة بخدمة زوجها-ذلك التوجيه النبوي العظيم، لولاة أمور المسلمين الذين تقع خزائن بيت المال تحت أيديهم، بأن لا يرخوا العنان ويفلتوا الزمام لقراباتهم في الاستمتاع الذي يصل إلى حد الترف والاستئثار بأموال الأمة التي قد لا يجد كثير من أفرادها وأسرها القوت الضروري الذي يبقي على حياتهم، ولا يجدون السكن ولا المركب.
فقد بلغ التوجيه النبوي أن يصبر أهله على ما يعانون من مشقة وشظف العيش، والاستعانة على ذلك الصبر بالإكثار من ذكر الله وعبادته، مع إيثار غيرهم من عامة الناس عليهم.
فأين هذا المعنى الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لولاة الأمر من بعده، مما يلصقه أعداء الله وأعداء دينه بالإسلام من أنه يخدر الشعوب والكادحين، ليستمتع بخيرات الأرض ومرافق الدولة وكدح الكادحين الزعماء والملوك باسم هذا الدين؟! نعم يستغل الإسلام كثير من الزعماء، ولكن استغلالهم شيء، والإسلام شيء آخر.
فلا يجوز أن ينسب إلى الإسلام سوء تصرفات من يستغله، وهو من ذلك براء. فالعبرة بما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته المطهرة، وما جرى عليه عمل خلفائه الراشدين ومن تبعهم بإحسان.

(55)

المطلب الثامن
اعتراف المرأة بإحسان الزوج وعدم إنكار نعمته
إن ما يقوم به الزوج من اكتساب الرزق في خارج البيت، وما يعانيه من الإشراف على الأسرة داخل البيت ومحاولة التوفيق بين رغبات الأسرة المتنوعة، وكفاية المرأة في كثير من أمور الحياة، التي لو غاب عنها لأرهقتها وكلفتها شططا، وكذلك ما يقدمه من الإحسان إليها ، إن ذلك كله جدير بشكرها له واعترافها بنعمته.
واعتراف المحسن إليه بنعمة المحسن، يدخل عليه السرور، ويجعله يشعر بأن ما يبذله من خير يقع في مكانه اللائق به، وجحد النعمة يسيء إليه ويفقده الأمل في أن تثمر نعمته وإحسانه، وينزل به الغم، لأنه يشعر أن إحسانه مجحودة، ونعمته منكرة، فهي لم توضع في المكان اللائق بها.
ومع ذلك فيشرع في حقه الاستمرار في بذل الإحسان والنعمة. نعم. جزاؤه عند ربه وينبغي أن يقصد بذلك وجه الله ويطلب منه الثواب، ويصبر على ما يلقاه من جحود امرأته إحسانه ونعمته، وهي ستلقى جزاءها عند ربها.
ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم النساء من كفران نعم أزواجهن، وذكر لهن الوعيد الشديد الذي ينلنه على ذلك، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت النار، فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئا، قالت: "ما رأيت منك خيرا قط." [البخاري (1/13) ومسلم (2/626)

(56)

المطلب التاسع:
حفظ مال الزوج وعدم التفريط فيه.
إن من أولى الناس بائتمان الزوج على ماله أهل بيته، فإذا كانت امرأته حريصة على حفظه اطمأن على كل ما عنده، وأمن الإسراف والتبذير والإنفاق في غي ما يحتاج إليه، وإذا لم تكن كذلك، بأن أسرفت في الإنفاق، أو فرطت في المال، هو يجمعه بكده من هنا، وهي تبدده بسفاهتها هناك، أصيب بخيمة أمل، ولازمه الخوف على ماله في أولى الأماكن التي يجب أن تكون أكثر أمنا له واطمئنانا.
ولهذا أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على نساء قريش بخصال، منها: حنوهن على الولد، ورعاية ذات اليد-أي حفظ المال-كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش" وفي رواية: صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده." [البخاري (6/193)]

(57)

المطلب العاشر: عدم تمكينها أجنبيا من الخلوة بها
لا يجوز للمرأة أن تمكن غير محارمها الأمناء عليها الحريصين على عرضها وشرفها الخلوة بها، وبخاصة أقاربها وأقارب زوجها الذين ليسوا محارم لها، لما في ذلك من الريبة والذريعة إلى الفساد والمنكر، وهذا –مع كونه يؤذي أهل المرأة كلهم-من أشد ما يتأذى به الزوج من تصرفات امرأته، وبخاصة المسلم الغيور الذي يؤذيه تدنيس عرضه. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت." [البخاري (6/159) مسلم (4/1711)]
والحمو يشمل أقارب الزوج –وكذلك أقارب الزوجة- الذين ليسوا محارم للمرأة.
وإن تشبيه الحمو بالموت، يدل على أن دخوله على النساء أشد خطرا من دخول غيره من الأجانب، لأن الناس يتساهلون في دخول أقربائهم بيوتهم، فيصبح دخولهم وخروجهم مألوفا في كل الأحوال، فلا يكون مستنكرا، وذلك من وسائل الدخول على النساء في حال الخلوة، وهو قد يجر إلى المنكر، بخلاف الأجنبي، فإن الغالب عدم التساهل في دخوله بيوت منن لا قرابة بينه وبينهم.

(58)

المطلب الحادي عشر: مواساة الزوج وإدخال السرور عليه.
إن الرجل يتعرض للمتاعب والمعاناة، والاحتكاك بالناس، خارج المنزل، وقد يواجه مصاعب في أعماله، وعقبات في سبيله، فيغضب ويحزن، ويعود إلى البيت وهو مرهق –وقد يكون مكتئبا- فينبغي أن تستقبله المرأة ببشاشة وحنان، وأن تواسيه في مصائبه ومشكلاته، وأن تعينه على ما يحقق له الراحة والهدوء في منزله، ليظفر بالسكن والمودة والرحمة، وأن تعامله بالأسلوب المناسب لكل حالة من حالاته، كما فعلت خديجة رضي الله عنها مع زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواساته، منذ بدأ الوحي ينزل عليه، إلى أن فارقت الحياة.
فقد روت عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فاجأه الوحي: "فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، فقال: (زملوني، زملوني) حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: -وأخبرها الخبر-: (لقد خشيت على نفسي) فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ... ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فطمأنه صلى الله عليه وسلم" [البخاري: 1/3-4 ، ومسلم: 1/139-142]
ومن أروع الأمثلة على مواساة المرأة لزوجها ورعايتها له، ما صنعته أم سليم رضي الله عنها، مع زوجها أبي طلحة الأنصاري، رضي الله عنه، عندما مات ابن لهما. وهذه قصتهما، كما رواها أنس رضي الله عنه، قال:
"مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه، حتى أكون أنا أحدثه. قال: فجاء، فقربت إليه عشاءً، فأكل وشرب، فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أن قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني! فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك الله لكما في غابر ليلتكما...)" [البخاري: 2/84، ومسلم: 4/1909]

(59)

المطلب الثاني عشر: رضاها بقوامته على الأسرة في حدود ما شرع الله.
إن كل جماعة يرتبط بعضها ببعض، يحتاج أفرادها إلى من يتولى أمرهم، بالرجوع إليه فيما يطرأ لهم مما يحتاجون فيه إلى الاستشارة والتوجيه، أو حل النزاع بينهم، عندما يختلفون، حتى لا تستحكم فيهم الفوضى، ويتأصل الخلاف بينهم، فلا يستقيم لهم أمر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
""""""""""""""ولا سراة إذا جهالهم سادوا
لذلك اقتضت الضرورة أو الحاجة، وجود الإمرة على الأفراد، لتنظيم حياتهم، في حضرهم وسفرهم.
وإذا كان المسافرون يحتاجون إلى الإمرة، ولو كانوا ثلاثة، فإن الأسرة أشد حاجة على أمير يرجع أفرادها إليه عند الحاجة، لملازمة أفرادها بعضهم بعضا في منزل واحد لمدة طويلة.
ولا بد من تقسيم وظائف الأسرة علىكبارها، حسب الأهلية والطاقة وإجادة العمل.
ولما كان الرجل يتميز بخصائص قد لا توجد في المرأة، أو يقل وجودها فيها غالبا، وكانت المرأة تتميز عن الرجل بخلال لا توجد في الرجل، أو تقل فيه غالبا، فقد اقتضت حكمة الله أن ينزل كل واحد منهما المنزلة اللائقة به، ويسند إليه ما هو كفء له.
فالمرأة هي الأرض الخصبة للنسل والإنجاب-وهما مطلوبان شرعا وعادة-وهي الظل الوارف الذي تستظل به الأسرة والذرية، والمحضن الأمين الذي يتربى فيه النشء، وهي الأم الحنون ذات العاطفة السريعة الاستجابة لحاجات الصغار والكبار في المنزل، وهي المعدة –في الأصل- للبقاء في البيت، للإشراف على تنظيفه وترتيبه، وتهيئة ما يريح أهله كلهم، فكانت وظيفتها تناسبها، وهي الحمل والوضع والرضاع، وتربية الأولاد، والقيام بمصالحهم، وتدبير أمور المنزل المتنوعة، من تنظيف وإعداد طعام، وتمريض، وغير ذلك، بالتعاون مع بقية الأسرة.
ومعلوم أن إمكاناتها العقلية والعاطفية والجسدية، صالحة –غالبا-لهذه الوظائف، وما أشبهها، ولذا غلب عليها لقب: "ربة البيت"
أما الرجل، فقد هيئ للقيام بوظائف أخرى، حيث زوده الله بقوة جسدية، وعقلية، مع الصبر على المشاق، ومقارعة الأعداء، وحماية الأهل، وإجابة داعي العشيرة، وتحمل متاعب السفر والمشي في مناكب الأرض، فاقتضت حكمة الله أن يكلف ما يناسبه، من تولي جلب حاجات الأسرة، من خارج البيت، من السعي في اكتساب الرزق، بوسائل حراثة الأرض، وصناعة الأدوات، والصفق في الأسواق للتجارة والبيع والشراء، وبناء المسكن، وصون أدواته ومرافقه... وغير ذلك مما فيه مشقة في الغالب.

(60)

ولما كانت للمرأة خصائصها، في الغالب، وللرجل خصائصه في الغالب، فقد منح الله الرجل رئاسة الأسرة وتوجيهها العام، لأنه أقدر على ذلك من المرأة، وأكثر هيبة في نفوس الأسرة، فهو الذي كلف الإنفاق عليها، ومراقبة تصرفاتها في الإنفاق الذي ينبغي أن يراعى فيه مقدار الدخل، وعدم الإسراف والتبذير، وهو الذي يأمر أو ينهى عند الحاجة إلى الأمر أو النهي، وهو الذي يأذن بالدخول أو الخروج من المنزل، وهو الذي يأخذ على يد من تعدى حدوده شرعا أو عرفا، وليس قيامه بهذه الأمور مبنيا على تسلط أو هوى.
قال تعالى : ((الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) [النساء: 34]
ولا يفهم من هذه الإمرة أو القوامة، أن يكون الرجل في رئاسته للأسرة جبارا متسلطا مستبدا بالأمر، مكبلا حركات غيره من الأسرة، وبخاصة المرأة في نشاطها في المنزل، وإنما هو موجه توجيها عاما، وهي وإن كانت مرؤوسة له، بل ينبغي أن يكون لها رأيها الذي لا بد أن يسمعه ويقرها عليه، ويتشاور معها في مصالح الأسرة، ويتعاون معها على الوصول إلى ذلك بالحكمة، ولا يتدخل في كل شأن من شئون عملها، وعليها هي أن ترضى بقوامته في هذه الحدود.
قال الأستاذ الإمام محمد عبده: "والمراد بالقيام هنا، هو الرئاسة التي يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره، وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة، لا يعمل عمل إلا ما يوجهه إليه رئيسه، فإن كون الشخص قيما على آخر، هو عبارة عن إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه، أي ملاحظته في أعماله وتربيته، ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته، ولو لنحو زيارة أولي قربى، إلا في الأوقات والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى. أقول: ومنها مسألة النفقة، لأن الأمر فيها للرجل، فهو يقدر للمرأة تقديرا إجماليا، يوما يوما، أو شهرا شهرا، أو سنة سنة، وهي تنفذ ما يقدره على الوجه الذي ترى أنه يرضيه، ويناسب حاله من السعة والضيق." [تفسير المنار: 5/68 وراجع كتاب في ظلال القرآن: 5/650 وما بعدها]
فإذا سار الرجل والمرأة في حياتهما على هذا المنهج، استقامت حياة الأسرة، وسلمت من النزاع المؤدي إلى الشقاق والتفكك.
أما إذا تنافس الزوجان على رئاسة الأسرة، أو تدخل أحدهما في شئون الآخر بدون حق، فإن ذلك يحدث من التصدع والنفور والفوضى والاضطراب، ما الله به عليم.
هذا إذا كان التنافس في الرئاسة، مع الاتفاق على الأهداف التي ينبغي تحقيقها، والوسائل التي تحقق تلك الأهداف.
أما إذا حصل بينهما التنافس على الرئاسة، مع اختلافهما في الاتجاهات والأهداف والوسائل، فهناك يكون التحطيم الكامل والتفكك والانفصام النكد للأسرة، وبخاصة إذا كان محل التنافس هو تربية الأولاد، فإن ذلك أعظم خطرا، وأشد شرا.
قال الأستاذ محمد قطب: "كما ينبغي أن تكون سياسة الأبوين موحدة أو متقاربة، تجاه الطفل، بحيث لا يشعر أن هناك فارقا ملحوظا بين معاملة كل منهما له، وبالذات لا ينبغي أن يقف الأبوان موقفين متعارضين –أمام الطفل- تجاه عمل قام به، أحدهما –مثلا- يطالب بعقابه، والآخر يعارض في توقيع العقوبة عليه، فإن هذا يفسد الموازين في حسه، ويشعره بأن الأمور ليس لها ضابط محدد، ولا معيار معين يلتزم به، وأن في إمكانه أن يخالف تعاليم أحد الوالدين، ويجد من يدافع عنه من طريق آخر...." منهج التربية الإسلامية: 2/115]
إن اختلاف الأبوين المتناقض في شأن تصرفات الأولاد في المنزل، معناه وجود حزبين متصارعين، ينضم فيه الأولاد إلى من يرون أنه يحقق لهم رغباتهم، ويؤيد ميولهم، وفي ذلك كارثة على الأسرة كلها، وهدم لكيانها، فليعلم الأبوان ذلك، وليتلافياه قبل فوات الأوان.
هذه بعض الأمور التي ينبغي أن تعلمها المرأة، من حقوق زوجها، ليكون تعاملها معه، ومع أفراد أسرتها، مترتبا عليها، وهي إذاما اتبعتها وطبقتها في حدود طاقتها، ، كفيلة بأمن زوجها واستقراره وشعوره بالسكن والمودة والرحمة، وتلك بداية أمن الأسرة كلها، فإن الرجل يأمن على نفسه وولده وماله وعرضه، وكفى بذلك أمنا.


المبحث الثالث
في حقوق المرأة على الزوج والولي
وفيه تمهيد وأربعة مطالب:
المطلب الأول: حقوق المرأة قبل الزواج.
المطلب الثاني: حقوق المرأة عند البناء بها.
المطلب الثالث: حقوق المرأة في فترة الحياة الزوجية.
المطلب الرابع: حقوق المرأة بعد الفراق.

تمهيد
إن الذي يتأمل الحقوق التي شرعها الله في هذا الدين لكل واحد من الزوجين، يرى فيها كمال علم الله وحكمته، وكمال عدله ورحمته، وأنه سبحانه وتعالى قد منح كلاً منهما من الحقوق، ما تقوم به الحياة الزوجية على أكمل وجه، والحياة الأسرية على أتم حال.

وإن الذي يطالع حقوق الزوج مستقلة يظن أنه قد منحه من الحقوق، ما لم تنل المرأة مثلها، فإذا نظر رجع إلى حقوق الزوجة مستقلة، ظن أنها منحت من الحقوق ما لم ينل الزوج مثلها، ولكنه إذا نظر إلى هذه وتلك، ظهر له كمال العناية الربانية بالجانبين، ولما كان من الصعب هنا التفصيل في حقوق الزوجة، كما هو الحال في حقوق الزوج، فقد سلكنا في حقوقها مسلكنا في حقوق الزوج من الاختصار، حسب المطالب الأربعة، وفي كل مطلب فروع تذكر فيه:

المطلب الأول:
حقوق المرأة قبل الزواج.

وفي هذا المطلب خمسة فروع:

الفرع الأول: التحقق من رضاها بالزواج منه.
لا يجوز إجبار المرأة على الزواج بشخص لا ترضاه، لما في إجبارها من فقد الحياة المطمئنة والراحة النفسية والمودة والسكن والرحمة، وتلك من أهم أهداف الزواج في الشريعة الإسلامية، فلا بد من استئذانها في الزواج.
وإذن البكر يدل عليه سكوتها، لأنها تستحي في الغالب أن تصرح بالقول، أما إذن الثيب فلا بد أن يكون بالقول الصريح بقبول الزوج الخاطب، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن " قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت " [البخاري (6/135) ومسلم (2/1036)].
وفي حديث عائشة، رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، يستأمر النساء في أبضاعهن؟ قال: "نعم" قلت: فإن البكر تستأمر فتستحي، فتسكت، قال: "سكاتها إذنها" [البخاري (8/57) ومسلم (2/1037)].
فإذا زوج الولي المرأة البالغة بدون إذنها، بكراً كانت أم ثيباً، فلها فسخ النكاح إذا لم ترضه، كما في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن جارية بكراً أتت سول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم [أحمد (1/364) وأبو داود (2/576)، وابن ماجة (1/602)، قال الشوكاني في نيل الأوطار (6/138): قال الحافظ: ورجاله ثقات، ثم أجاب الشوكاني على من أعل الحديث بالإرسال، ورجح وصله، وقال المحشي على سنن أبي داود: وقد صححه الشيخ أحمد شاكر].

وقد أثبتت إحدى الصحابيات هذا الحكم بالسنة النبوية، قاصدة بذلك سد الباب في وجه الأولياء المستبدين بالأمر، مخالفين بذلك شرع الله، في إكراه المرأة على زوج لا ترضاه.

فقد روى بريدة، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء "[أحمد (6/136)، والنسائي (6/71)، وابن ماجة (1/602ـ603) وقال محققه، محمد فؤاد عبد الباقي: في الزوائد: إسناده صحيح، وقد رواه غير المصنف من حديث عائشة وغيرها. أهـ قلت: هو في سنن ابن ماجة: عن بريدة عن أبيه].

بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أقر استشارة المرأة من تثق به، وترى أن يشير عليها بما ينفعها، عندما ذكرت له فاطمة بنت قيس، رضي الله عنها أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد) فكرهته، ثم قال: "انكحي أسامة بن زيد" فنكحته، فجعل الله فيه خيرا، واغتبطت " [مسلم (2/1114)].

ومع ذلك فان المرأة ليست مطلقة الحرية في استبدادها بزواج نفسها ممن تشاء، كما أن وليها ليس مطلق الحرية في تزويجها بمن يشاء، بل يجب عليها أن تعود إلى وليها ليلي عقد نكاحها، وقد اشترط الجمهور الولي في النكاح، إلا إذا عضلها عن النكاح بغير حق، فإن الولاية تنتزع منه وتعود إلى الحاكم، حتى لا يضر الأولياء قريباتهم بالعضل.
وقد وردت نصوص كثيرة تؤيد رأي الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله [راجع المغني لابن قدامة (7/6)] لأن المصلحة وان كانت تعود إلى المرأة أساسا، وكذلك المضرة، فإن وليها وأسرتها تعود إليهم مصلحتها ومضرتها أيضا، لأنها قد تزوج نفسها من غير كفء، فيكون ذلك عاراً على أسرتها كلهم [راجع الولاية على النفس لأبي زهرة ص125].

وللولي أن يزوج الصغيرة إذا وجد الكفء الصالح الذي يخشى فواته، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه في تزويج بنته عائشة رضي الله عنها، برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بنت ست سنين، وإن كان لم يدخل بها إلا وهي بنت تسع [البخاري (6/134) ومسلم (2/1038)].
وبما تضمنه هذا الفرع تأمن المرأة على حياتها الزوجية فلا يملك عصمتها من لا ترضاه زوجاً لها.

(62)

الفرع الثاني: من حق المرأة على وليها أن يبحث لها عن زوج صالح، وأن يعرضها عليه.
وهذا أمر مشروع، وقد عرض الرجل الصالح إحدى ابنتيه على موسى، عندما توسم فيه الصلاح كما قال تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج) [سورة القصص: 26،27]

وطبق ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده، كما عرض عمر بن الخطاب، رضي الله عنه بنته حفصة حين تأيمت على عثمان فاعتذر، ثم عرضها على أبي بكر فسكت، ثم خطبها رسول الله، وعلم عمر أن سبب اعتذار عثمان وسكوت أبي بكر عليهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها. [راجع القصة في صحيح البخاري: 6/130].

الفرع الثالث: عدم جواز عضلها إذا طلبها الكفء

ولا يجوز للولي أن يمنع المرأة من الزواج إذا كان الزوج المتقدم كفؤاً لها، وهي راضية به، سواء أكان متقدماً لها ابتداء ـ أي لم يسبق له أن تزوجها، أم كان زوجاً لها فطلقها، وأراد خطبتها بعد انقضاء عدتها، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن عضلها نهياً صريحاً، فقال تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [سورة البقرة: 232].

وقال سبحانه وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) [سورة النساء: 19].

قال القرطبي رحمه الله على قوله: (فلا تعضلوهن):
روى معقل بن يسار، كانت أخته تحت أبي البداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها، فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها، وقال: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه، فنزلت الآية.

قال مقاتل: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلاً، فقال: "إن كنت مؤمناً فلا تمنع أختك من أبي البداح" فقال: آمنت بالله وزوجها منه، وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل فنزلت: (فلا تعضلوهن أن ينحكن أزواجهن) [الجامع لأحكام القرآن: 3/158].

وقالت عائشة، رضي الله عنها، في قوله تعالى: (يستفتونك في النساء، قل الله يفتيكم فيهن) إلى آخر الآية، قالت: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكره أن يزوجها غيره، فيدخل عليه في ماله، فيحبسها، فنهاهم الله عن ذلك. [البخاري: 6/134].

فالواجب تزويج المرأة إذا خطبها الكفء، وعدم عضلها بسبب مال أو منصب ونحوهما، ولا يتسع المقام هنا للحديث عن الكفاءة، ولكن الكفاءة في الدين هي الدعامة الأولى [راجع نيل الأوطار: 6/144].

وبما تضمنه هذا الفرع تأمن المرأة من منعها بالزواج من الكفء الذي ترضاه، كما أنها بما تضمنه الفرع الأول تأمن من إكراهها على الزواج بمن لا ترضاه.

(63)

الفرع الرابع: أن لا يقدم الخاطب على الزواج بها إلا بعد التحقق من رغبته فيها، لئلا تفاجأ بعد الزواج بكراهيته لها، فتعيش معه حياة غير مرضية، وقد يصل به الأمر إلى فراقها، وفي ذلك إساءة إليها، وإدخال الحزن إلى قلبها، وحرمانها من حياة تاقت لها في مقتبل عمرها، ولأن المقصود من الزواج هو دوام العشرة واستمرارها.

ولهذا شرع له إذ خطبها أن ينظر إليها قبل الزواج، ليرى إن كانت تعجبه، ويقدم على الزواج بها، وإن كانت لا تعجبه، تركها ليرزقها الله غيره ويرزقه غيرها.

وقد نظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التي وهبت له نفسها، فلم تعجبه، فتركها بأسلوب مناسب، كما في حديث سهل بن سعد، رضي الله عنه، (أن امرأة جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد النظر إليها وصوبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت أنه لم يقض فيها شيئاً جلست...) [البخاري: 6/131].

وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنظرت إليها؟" قال: لا، قال: "فاذهب فانظر إليها فإن في عيون الأنصار شيئاً" [مسلم: 2/1140، وراجع المغني لابن قدامة: 7/96].

فقد ثبت هذا الحكم من فعله صلى الله عليه وسلم ومن قوله، وقد يظهر بادئ ذي بدء أن هذا الأمر من حقوق الزوج، والواقع أن للزوجة حقاً كبيراً فيه، كما ذكرت.

وفي حديث أبي هريرة هذا تنبيه من الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل، أن ينظر إلى ما يخشى أن يكون سبباً في كراهيته للمرأة، إذا تزوجها ولم يره من قبل، لقوله: "فإن في عيون الأنصار شيئا" لأن من المصلحة رؤية العين قبل الزواج، حتى يتزوجها وهو راضٍ بما فيها من عيب أو يدعها، بخلاف ما إذا فوجئ به بعد الزواج، فإن مفسدة ذلك أكبر من مفسدة تركها قبل الزواج.

وهذا الفرع يتضمن أمن الرجل والمرأة معاً، من الزواج الذي قد يفاجأ أحدهما بعيب أو عيوب خلقية في الآخر، لم يرها قبل الزواج فيندم، وقد يترتب على ذلك عدم استمرار الحياة الزوجية بينهما.

(64)

الفرع الخامس: إعطاؤها المهر المتيسر
ولا بد للمرأة من مهر يعطيه الزوج لها، ولكن ينبغي عدم المغالاة فيه.

قال ابن قدامة، رحمه الله:
"الأصل في مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين)) [النساء: 24].
وقوله تعالى: ((وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)) [النساء: 4]. قال أبو عبيد: يعني عن طيب نفس بالفريضة التي فرض الله تعالى".

ويجوز أن يكون كثيراً إذا كان الزوج موسراً، كما قال تعالى: ((وآتيتم إحداهن قنطارا)) [النساء: 20]. إلا أنه لا يجوز أن تكون المغالاة في المهور سببا لمنع الشبان والشابات من الزواج، كما هو الواقع في هذا الزمان الذي كثر فيه الفساد، وحيل بين الشاب والشابة أن يتزوجا على سنة الله ورسوله، بسبب غلاء المهور وكثرة ما يطلب منه من الحلي والملابس وأنواع الزينة والأثاث، والولائم المبالغ في إنفاق الأموال فيها إلى حد التبذير والسرف فيها، حتى أصبح الزواج عند كثير من الشباب لا يطاق بسبب ذلك، فكثرت العوانس وكثر العزاب وانتشر الفساد.

والواجب على ولاة أمور المسلمين، من العلماء والحكام والعقلاء في البلدان الإسلامية، وكذلك تجارهم أن يوجدوا حلا لهذا الأمر الخطير، حتى يتمكن الشبان والشابات من الزواج المشروع، وهو من أسس تخفيف الشرور التي تحصل في الأقطار الإسلامية، التي تكاد تصل إلى ما وصلت إليه دول الكفر من الفسوق والفواحش، ومن أهم الحلول أن يكون الأغنياء والزعماء قدوة لغيرهم في التخفيف من المهر والولائم وغيرها حتى يقتدي بهم غيرهم.

ومن أهم الحلول أن وجود صناديق تبرعات كافية للذين لا يجدون ما يمكنهم من إقامة حياة زوجية سعيدة، وينبغي أن يعود أغنياء المسلمين إلى الجود بإيقاف بعض أموالهم على المشروعات الخيرية، ومنها زواج الفقراء [راجع في مقدار المهر، فتح الباري (9/204ـ217) والمغني لابن قدامة (7/210ـ212)].

وعلى حكام الشعوب الإسلامية أن يعنوا بهذا الأمر، ويسعوا إلى تزويج الشباب بإيجاد وسائل ذلك، من الزكوات والتبرعات، أو أي مورد مشروع لبيت أموال المسلمين، فإن المصالح التي تترتب على تزويج الشباب عظيمة جداً، كما أن المفاسد التي تترتب على عدم تزويجهم خطيرة جدا.

وإذا كان مهر أغلب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة درهم، أي أن مهر الواحدة لم يزد على اثنتي عشرة أوقية فهل غيرهن أفضل منهن؟

وقد استنكر النبي صلى الله عليه وسلم كون رجل أصدق امرأته أربع أواق، وقد جاء إليه ليصيب إعانة منه صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: "على أربع أواق؟ كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه، فبعث بعثا إلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم " [مسلم (2/1040)].

وقال الشوكاني رحمه الله:
"فيه - أي أحد أحاديث الباب - دليل على أفضلية النكاح مع قلة المهر، وأن الزواج بمهر قليل مندوب إليه، لأن المهر إذا كان قليلاً لم يستصعب النكاح من يريده، فيكثر الزواج المرغب فيه، ويقدر عليه الفقراء، ويكثر النسل الذي هو أهم مطالب النكاح، بخلاف ما إذا كان المهر كثيراً فإنه لا يتمكن منه إلا أرباب الأموال، فيكون الفقراء الذين هم الأكثر في الغالب غير متزوجين، فلا تحصل المكاثرة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم"[نيل الأوطار (6/190ـ191)].

قد يرى القارئ غرابة دعوتي في هذا الفرع إلى التقليل من المهر، مع أنه في حق المرأة التي تستفيد من كثرته، ولكن الغرابة تزول إذا علم أن عوانس كثيرات يتململن من غلاء مهورهن إلى درجة عدم استطاعة الراغبين فيهن التقدم لخطبتهن، وكثيرات منهن يشكون من ذلك، فالشابات في أمس الحاجة إلى تخفيف مهورهن، ليستطيع من يرغب فيهن ويرغبن فيه أن يتزوجهن.

وبهذا الفرع تأمن المرأة على أخذ ما فرض الله لها من صداق، وتأمن هي والراغب فيها على عدم جعل المغالاة في المهور سدا في طريق زواجهما.

(65)

المطلب الثاني
حقوق المرأة عند البناء بها.

وفيه ثلاثة فروع:

الفرع الأول: إظهار الزواج للناس.
ويكون ذلك بإظهار أسرتي الزوجين وجيرانهم الفرح والسرور.
ومن مظاهر ذلك الضرب بالدفوف، وفعل شيء من الطرب واللهو غير المنكر، كما في القصة التي رواها خالد بن ذكوان، عن الربيع بنت معوذ قالت: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم غداة بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجويريات يضربن بالدف، يندبن مَن قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين) [4/1469 ورقم الحديث: 3779]

فقد أقر صلى الله عليه وسلم ضرب الدفوف، وذكر محاسن آباء الفتيات اللاتي يحتفلن بزواج أختهن المسلمة، وأنكر الغلو الذى ظهر من إحداهن.

وسأل صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، بعد أن زفت امرأة من الأنصار، عما إذا كان حصل في هذا الزفاف شيء من اللهو؟ وعلل ذلك بأن الأنصار يعجبهم اللهو، قالت عائشة، رضي الله عنها: إنها زفت امرأة من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو [البخاري (6/140)].

وكان صلى الله عليه وسلم يفرح عندما يرى النساء والأطفال ذاهبين إلى الزفاف أو راجعين منه، كما روى أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: أبصر النبي صلى الله عليه وسلم نساءً وصبياناً مقبلين من عرس، فقام ممتناً، فقال: "أللهم أنتم من أحب الناس إلي" [البخاري (6/144)].

وفي هذا الفرع مشروعية إعلان النكاح والفرح به، لما فيه من تحقيق سنة اللقاء المشروع بين الرجل والمرأة، اللذين ليسا في حاجة إلى التدسس بلقائهما، لأنه لقاء مشروع يجب أن يعلمه الناس، ليأمن الزوجان من القيل والقال، اللذين لا يسلم منهما من التقيا على غير سنة الله ورسوله، وفيه قضاء على الفواحش والمنكرات التي تحدث سراً بدون زواج.

الفرع الثاني:
إقامة الزوج الوليمة المتيسرة.

وهي مشروعة لزيادة إعلان النكاح، وإظهار السرور به والشكر لله الذي حض عليه ويسره، وتطبيقا لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أن الوليمة سنة وليست واجبة، وذهب بعض أصحاب الشافعي أنها واجبة استنادا إلى ظاهر الأمر بها، عندما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف الذي تزوج امرأة من الأنصار: (كم أصدقتها(؟ قال: "وزن نواة من ذهب.. فقال له صلى الله عليه وسلم: (أولم ولو بشاة) [البخاري (6/142].

وكان هو صلى الله عليه وسلم إذا تزوج امرأة أولم بما يتيسر له، قال أنس رضي الله عنه - وقد ذكر عنده تزويج زينب بنت جحش برسول الله صلى الله عليه وسلم -: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة.) [البخاري (6/143)].
وقالت صفية بنت شيبة: "أولم النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه بمدين من شعير" [البخاري (6/143)].

الفرع الثالث:
تخصيصها عند البناء بمدة معينة يقيمها عندها.

ومن حق المرأة التي تزف إلى زوجها، أن يقيم عندها سبعا إن كانت بكراً، وثلاثا إن كانت ثيباَ، ثم يقسم لبقية نسائه بعد ذلك ما جرت به عادته.
قال أنس رضي الله عنه: "من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثا. ثم قسم." قال أبو قلابة: "ولو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم". [البخاري (6/154)].

وسبب هذا التخصيص، والله أعلم، أن المرأة الجديدة في حاجة إلى إيناسها من وحشة الانتقال من بيت أهلها إلى بيت الزوج، وكذلك في بقائه عندها هذه المدة إشباع لرغبتها فيه، وهو أيضا ينال رغبته منها، وخصت البكر بزيادة على الثيب، لأنها أحوج إلى ذلك الإيناس وتلك الرغبة، حتى تألف الزوج والزوج يألفها.

(66)
المطلب الثالث
حقوق المرأة في فترة الحياة الزوجية

والحقوق التي تدخل في هذا المطلب كثيرة جدا، ومهمة كذلك، وهي التي تمتد بها الحياة الزوجية السعيدة والأمن الأسري، إن تحققت أو يحصل بفقدها الشقاء والقلق والنزاع والتمزق، إن لم تؤد كما أمر الله سبحانه وتعالى: أداء من قبل الزوج، وقبولا من قبل المرأة.

ولنجمل ما تيسر من هذه الحقوق في اثني عشر فرعا:

الفرع الأول: تعليمها أمور دينها، وتربيتها عليها، فيما يتعلق بحياتهما الزوجية والأسرية، من حقوق وواجبات، ويشمل ذلك حقوق الأولاد وواجباتهم، وحقوق الأقارب من الجانبين، وغير ذلك من حقوق الجيران...مما ينبغي أن تعلمه، وبهذا التعليم تعرف واجباتها وحقوقها، فلا تقصر في أداء واجب ولا تطمع في غير حق، إلا على سبيل التعاون والإيثار من الطرفين.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم نساءه دينهن، حتى كن من كثرة ما يتلقين عنه صلى الله عليه وسلم العلم من الكتاب والسنة، من المفتيات لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، وقد أمرهن الله سبحانه وتعالى أن يذكرن تلك النعمة التي ساقها الله إليهن مباشرة، من رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن، فقال تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا). [الأحزاب:34].

والواجب الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليم نساء المؤمنين، كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم نساءه وغيرهن، ولا يقي الإنسان نفسه من عذاب الله إن لم يحاول وقاية أهله منه، كما يحاول وقاية نفسه بتعليمهم ما يجب عليهم.

وتعليم المرأة هو أساس تعليم أفراد الأسرة، لأنها إذا تعلمت علمت أبناءها وغيرهم بالقول والقدوة الحسنة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). [التحريم:6].
وقال تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة وأصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى). [طه:132].

وسبق حديث: "كلكم راع ومسئول عن رعيته ". [في أول المبحث الثاني من هذا الفصل].
ومن أعظم رعاية الرجل امرأته تعليمها أمور دينها وما تتحقق به مصالح الأسرة، فإن المرأة الجاهلة تسيء إلى زوجها وأولادها، بل وعلى نفسها بتصرفاتها، وهي لا تدري عن النتائج المترتبة على ذلك.

ويجب أن يعلم أن المرأة قد تكون متعلمة مثل الرجل، وقد تكون أكثر علما منه، وعلى هذا ينبغي أن يتعاونا على التفقه في الدين، وأن يستفيد كل منهما من الآخر، وأن يتلقى الأقل منهما علما من الأكثر علما، لأن المقصود هو التفقه في دين الله، ولا فرق بين أن يُتُلَقَّى من قبل رجل أو امرأة.

الفرع الثاني
معاشرتها معاشرة حسنة والتلطف بها وعدم العنف معها

إن معاشرة الزوج امرأته معاشرة حسنة، وتلطفه بها وتحسين أخلاقه معها، يقوي بينه وبينها المودة والمحبة والألفة، وذلك يثمر التعاون على راحة الأسرة وهدوء بالها واطمئنانها.

ولما كان الزوج وامرأته لصيقين يكثر احتكاك بعضهما ببعض، وينبني على ذلك وجود مشكلات بينهما، وقد تختلف وجهات نظرهما، كان لا بد من صبر بعضهما على بعض وتحمل بعضهما أخطاء بعض، وعدم المشاحة في الحقوق، لأن في ذلك من تلافيا للشقاق والنزاع المستمرين استمرار الحياة الزوجية.

وإذا كانت المرأة قد أمرت بطاعة زوجها والقيام بحقوقه، وعدم التساهل فيها وتعظيم حقه عليها، فإن الزوج أيضاً مأمور بأداء حقوق زوجه وعدم التساهل فيها، بل مأمور بالتساهل في حقوقه الخاصة، وإذا رأى منها خلالاً لا تعجبه، فليذكر فيها صفات أخرى تعجبه، ويجعل الأخلاق الحسنة بمنزلة الماء والصفات السيئة بمنزلة النار، وليطفئ بالأولى الثانية.

روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول لله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضِلَعٍ أعوج، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء.) [البخاري (6/145) ومسلم (2/1090)].

روى أبو هريرة، رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضي منها آخر) [مسلم (2/1091)].

ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ميزان التفاضل في الخلق، عشرة الرجل الحسنة لنسائه، ففي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم خلقا). [الترمذي (3/457) وقال: حديث أبو هريرة هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود (5/60)].

ولعل من الحكمة في جعل ميزان التفاضل في الخلق السبق في العشرة الحسنة للنساء، هو ما ذكر أولا من أن المرأة فيها اعوجاج، يحتاج زوجها معه إلى صبر، وكثرة احتكاكه بها، فصبره عليها مع اعوجاجها وطول عشرته معها، يدل على قوة تحمله وحسن خلقه، لأنه إذا كان أحسن خلقاً امرأته، فسيكون أحسن خلقاً مع غيرها من الناس، فهو يفضل في خلقه مع الناس، من هو أقل خلقا مع امرأته.

قال الشوكاني، رحمه الله: (خيركم خيركم لأهله): في ذلك تنبيه على أعلى الناس رتبة في الخير وحسن الخلق والإحسان وجلب النفع ودفع الضر، فإذا كان الرجل كذلك، فهو خير الناس، وإن كان على العكس من ذلك، فهو في الجانب الآخر من الشر.

وكثيرا ما يقع الناس في هذه الورطة، فترى الرجل إذا لقي أهله، كان أسوأ الناس أخلاقاً وأشجعهم نفسا وأقلهم خيراً، وإذ لقي غير الأهل من الأجانب لانت عريكته وانبسطت أخلاقه وجادت نفسه وكثر خيره، ولا شك أن من كان كذلك فهو محروم التوفيق، زائغ عن سواء الطريق. [نيل الأوطار (6/233)].

قلت: ولا بد أن تكون تلك الأخلاق التي ظاهرها الحسن مع غير الأهل، ممن هو سيء الأخلاق مع الأهل، متكلفة ليست من طبعه، لأنه لم يستقم على الميزان النبوي للأخلاق الحسنة: (وخياركم خياركم لنسائهم خلقا).

(67)

الفرع الثالث
بذل ما تحتاجه من النفقة والكسوة مما يكفي أمثالها

ونفقة المرأة الكافية لها، وكسوتها التي جرت بها العادة لأمثالها واجبة، وينبغي للزوج إذا كان موسراً أن يوسع على أهله، ولا يبخل عليهم بشيء ما لم يكن إسرافاً أو ينفق في معصية، فإنه حينئذ لا يجوز.
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبدأ المرء في النفقة بمن يعول، ولا شك أن الزوجة من أولى الناس بذلك.

روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول). [البخاري (6/190)].

وكان صلى الله عليه وسلم يحبس نفقة عياله لسنة، كما في حديث عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، "أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم". [البخاري (6/190)].
وجعل صلى الله عليه وسلم الإنفاق على الأهل، مع كونه واجباً صدقة إذا احتسبه المنفق عند الله، كما روى أبو مسعود البدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:(إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة). [البخاري (1/20) ومسلم (2/695)].

كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن الإنفاق على الأهل أعظم أجراً من الإنفاق على غيرهم، حتى ما أنفق في سبيل الله. روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك). [مسلم (2/692)].

وفي حديث حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه رضي الله عنه، قال:
قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت). [أبو داود (2/606) وقال المحشي على جامع الأصول (6/505) وإسناده حسن، ومعنى هجرها في البيت: في المضجع وهي في بيتها].

الفرع الرابع
الإذن لها بالخروج من بيتها لقضاء حوائجها

سبق أن المرأة يجب أن تلزم بيت زوجها، ولا تخرج منه إلا أن يأذن لها. [المطلب الرابع من المبحث الثاني من هذا الفصل].
وقد أذن الله سبحانه وتعالى للنساء أن يخرجن لقضاء حوائجهن، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أزواجهن أن يأذنوا لهن، ودل فعله صلى الله عليه وسلم على ذلك.

روت عائشة، رضى الله عنها، قالت: "خرجت سودة بنت زمعة ليلاً، فرآها عمر، فعرفها، فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، وهو في حجرتي يتعشى، وإن في يده لعرقاً، فأنزل عليه، فرفع عنه وهو يقول: (قد أذن لكن أن تخرجن لحوائجكن). [البخاري (6/195)].

فهذا إذن عام من الله سبحانه وتعالى للنساء أن يخرجن لحوائجهن، ولكن عليها أن تستأذن زوجها في خروجها لحاجتها، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأزواج بالإذن لهن، ونهى عن منعهن من حضور الصلاة في المساجد. [المطلب الرابع المذكور آنفاً].

وقد كان نساؤه صلى الله عليه وسلم ونساء أصحابه، يخرجن معهم في الغزو للقيام بالسقي والتمريض ونقل الجرحى وغيرها من أنواع الخدمة، كما هو معروف في كتب السيرة النبوية والحديث والفقه. [راجع صحيح البخاري (3/220) وما بعدها..].
ويدخل في ذلك زيارة أقاربها وشراء حاجاتها من السوق إذا غاب عنها زوجها أو لم تجد من يحضرها لها.

الفرع الخامس
أن لا يطرقها ليلاً إذا أطال الغيبة
إذا طالت غيبة الزوج عن أهله، فالسنة أن لا يفاجئ امرأته بدخول الدار دون أن يكون عندها علم سابق بقدومه، لما في ذلك من المحاذير، كوجودها على حالة غير مرضية من التهيؤ له واستقباله على حالة لائقة، ونحو ذلك.

قال الإمام البخاري، رحمه الله: "باب لا يطرق أهله ليلا إذا طال الغيبة مخافة أن يخونهم أو يلتمس عثراتهم.. "
وقال بعد ذلك: "باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة".
وساق في كلا البابين حديث جابر، رضي الله عنه، قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة... إلى أن قال: فلما قدمنا ذهبنا لندخل فقال": (أمهلوا حتى تدخلوا ليلا - أي عشاء - لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة. [البخاري (6/161)].

والمقصود أن تتهيأ المرأة لاستقبال زوجها الذي طالت غيبته، وأن يدخل عليها وهي على حالة تسره، فإذا علم أنها على علم بوقت وصوله ولو طالت غيبته، فلا ضرر في دخوله في أي وقت، وهذا الأمر متيسر في هذا الزمان، لوجود وسائل الاتصال السريعة، كالهاتف والفاكس والإنترنت، والبرق والبريد.

وعلى كل حال فإن مِن أمْن الأسرة، عدم طروق الزوج أهله ليلاً، إذا طالت غيبته إلا إذا علموا وقت قدومه بوقت كاف.

الفرع السادس
عدم هجرها أو ضربها لغير سبب مشروع
لما كان المقصود من الزواج دوام العشرة الحسنة والمودة والسكن والرحمة، فإنه لا ينبغي للزوج أن يهجر امرأته ولا للمرأة أن تهجر زوجها، مهما جرى بينهما من خلاف، لما في الهجر من القطيعة التي تؤثر على الأسرة كلها، وكذلك لا يجوز له أن يضربها بدون سبب مشروع.

وقد ورد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ضرب النساء صريحاً، مع بيان قبحه وبشاعته، حيث يضربها ثم يجامعها، كما روى عبد الله بن زمعة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم). [البخاري (6/153)].

وقد أباح الله تعالى الهجر والضرب في حالة نشوز المرأة - أي عدم طاعتها زوجها فيما أوجب الله عليها فيه طاعته، كما قال سبحانه وتعالى: (واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً). [النساء:34].

فالواجب على الزوج إذا عصته امرأته أن يبدأ بوعظها، فإن لم تستجب هجرها في المضجع، أي يبتعد عنها فلا يضاجعها، فإن نفع الهجر وإلا انتقل إلى تأديبها بالضرب غير المبرح.

قال القرطبي، رحمه الله: "أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولا، ثم بالهجر، فإن لم ينجعا فالضرب، فإنه هو الذي يصلحها له، ويحملها على توفية حقه.
والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح، وهو الذي لا يكسر عظما ولا يشين جارحة كاللكزة ونحوها، فإن المقصود منه الصلاح لا غير".

وفي صحيح مسلم: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح...) الحديث، أخرجه من حديث جابر الطويل في الحج، [مسلم (2/889ـ890)]. أي لا يدخلن منازلكم أحدا ممن تكرهونه من الأقارب والنساء الأجانب.

وعلى هذا يحمل ما رواه الترمذي، وصححه عن عمر بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع، فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، فقال: "ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا.

ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن. قال: هذا حديث حسن صحيح. [الترمذي (3/458)].

فقوله: "بفاحشة مبينة" يريد لا يدخلن من يكرهه أزواجهن ولا يغضبنهم، وليس المراد بذلك الزنى فإن ذلك محرم ويلزم عليه الحد". [الجامع لأحكام القرآن (5/170ـ173)].

وقد ذم الرسول صلى الله عليه وسلم من شكا النساء من ضربه لهن، كما في حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تضربوا إماء الله) فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ذئرن النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم) ومعنى: "ذئرن": نشزن واجترأن على أزواجهن؟ [أبو داود (2/608)، قال المحشي على جامع الأصول: وقد أورد الحافظ بن حجر هذا الحديث في الإصابة في ترجمة إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، وصحح إسناده. جامع الأصول (6/506ـ507)].

وسبق حديث حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه: (ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت). [آخر الفرع الثالث من هذا المطلب].

وفي ترتيب ما شرعه الله تعالى في الآية الكريمة ((واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيراً)) من تأديب الزوج زوجه، ما يظهر حكمة الحكيم العليم، في علاج ما يطرأ من زوجته من عصيان ونشوز، لأن النساء أصناف، كل صنف منهن تناسبها مرتبة من المراتب التي ذكرت في الآية الكريمة.
فالمرتبة الأولى: هي مرتبة الموعظة، وهي الترغيب في ثواب الله إذا تراجعت عن عصيان زوجها وأطاعته، والترهيب بعقاب الله إذا أصرت على استمرارها في المعصية، وكذلك إنذارها بالعواقب الأسرية الوخيمة التي لا تكون في مصلحتها، ولا مصلحة زوجها وأولادها وأهلها، والمرأة العاقلة التي يتخذ معها زوجها هذا العلاج يرجى أن تسرع إلى التوبة من العصيان، والاستجابة للموعظة، وتندم على ما بدر منها، لأن الوعظ الصادر من الزوج، يعيد إليها عاطفة الحب والسكن، ويذكرها بالفضل الذي كان بينه وبينها.

المرتبة الثانية : هجر ها في المضجع، بأن يوليها في المبيت ظهره، ولا يعاشرها المعاشرة الحسنة التي كانت تلقاها منه، وهذه المرتبة يثقل على المرأة تحملها، ولا بد أن تحدث عندها التفكير في عواقب عصيانها، ويجعلها تثوب إلى رشدها، وتفيء إلى أمر الله في طاعة زوجها...

المرتبة الثالثة: هي مرتبة الضرب، وهذه المرتبة لا يحتاج إليها الزوج إلا مع صنف سيء الخلق من النساء، لا ينجع معها الترغيب في ثواب الله، ولا الترهيب من عقابه، ولا الحرص على مصلحتها ومصلحة أسرتها، ولم يردعها الهجر الذي يعد من أشد العقاب وقعا على نفس المرأة، فلم يبق أمام الزوج إلا أن يمسها بعقاب بدني شرعه الله، ليكون آخر وصفة علاجية لصلاح هذا الصنف من النساء، وضربها أقل مفسدة من طلاقها، فإذا لم يردعها هذا العقاب، لم تعد صالحة لأن تكون زوجة تبنى بها مع زوجها أسرة صالحة، وآخر الدواء الكي: "الطلاق"
وسبق أن الضرب المشروع يجب ألا يكون مبرحا، لأن المقصود منه التأديب، وليس النكال و التعذيب... حتى رأى بعض العلماء، أنه يضربها بمثل السواك ونحوه...

ويجب أن يعلم بأن ما يصدر من بعض الأزواج من الاعتداء على نسائهم بالضرب المبرح، سواء كان ذلك بسبب أو بدون سبب، لا يبيحه شرع الله، وأنه لا يصدر إلا من زوج ظالم سيء الخلق، فالأصل في الحياة الزوجية السكن والمودة والرحمة، فإذا فقدت هذه الأمور، وحل محلها العداوة والبغضاء والشحناء، ولم تنجع في إزالتها الأسباب المشروعة، فالواجب عمل ما شرعه الله، وهو التسريح بإحسان.

أما استغلال الزوج قوته، وضعف امرأته، وعدوانه عليها بغير حق مشروع، فهو دليل على عدم خوفه من الله تعالى الذي سيحاسبه على عدوانه،

وليتأمل المسلم الآية الكريمة السابقة التي شرع الله تعالى فيها تأديب المرأة الناشز، كيف ختم الآية باسمين عظيمين من أسمائه ((عليا كبيرا)) يُذَكِّر الله تعالى بهما، الزوج الذي شرع له تأديب امرأته، بأنه إذا بغي عليها وظلمها، بسبب قوته وضعفها، فإن الله تعالى أقوى منه، وفي ذلك تهديد وزجر له عن الاعتداء. فالمخلوق مهما علا وتجبر فالله أقوى منه، قال تعالى: ((واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا)).النساء:34.

(68)

عدم إفشاء سرها
ومن حقوق المرأة أن لا يفشي الزوج سرها، ومما لا شك فيه أنه يطلع منها على ما لم يطلع عليه أقرب المقربين إليها، فلا يجوز أن يتخذ ذلك وسيلة لكشف أسرارها، وكذلك هي أيضا لا يجوز لها كشف سر زوجها فإن الحكم واحد، روى أبو سعيد الخدري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها). [مسلم (2/1060ـ1061)].


الفرع الثامن
أن يبقيها في عصمته بدون قَسْمٍ إذا طلبت منه ذلك
بسبب كرهه لها وأرادته طلاقها

إن الرجل قد يكره المرأة ولا يطيق الاستمرار معها، والمشروع إمساكها بالمعروف أو تسريحها بالمعروف، والإمساك بالمعروف مع الكراهة صعب، وقد يريد الزواج بغيرها لكبر سنها وعدم صلاحها للاستمتاع أو لمرض طرأ عليها ثم طال فأصبح مزمناً، أو لسوء خلق فيها أو غير ذلك من الأسباب، وقد تكون هي راغبة في بقاء عقدة نكاحها بيده، فتطلب منه إمساكها وتعفيه من القسم لها، فينبغي للرجل أن يقبل طلبها، لما في ذلك من تطييب خاطرها وعدم نسيان المعروف معها، ولا ضرر عليه في ذلك.

وقد نزل في مثل ذلك قوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح، وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا). [النساء:128].

وقد روت عائشة رضي الله عنها أن الآية الكريمة نزلت في مثل هذا، قالت: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا": قالت هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها، يريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي، فذلك قوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) [البخاري (6/153)].

وقد ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، كما روى ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: لا تطلقني، وأمسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينها صلحا والصلح خير) فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، كأنه من قول ابن عباس" [الترمذي (5/249) وقال: هذا حديث حسن غريب].

قال القرطبي في تفسير الآية، بعد أن ذكر حديث الترمذي هذا: "روى ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب، أن رافع بن خديج كانت تحته خولة ابنة محمد بن مسلمة، فكره من أمرها إما كبراً وإما غيره، فأراد أن يطلقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما شئت، فجرت السنة بذلك، ونزلت: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) - إلى أن قال -: في هذه الآية من الفقه الرد على بعض الجهال الذين يرون أن الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي أن يتبدل بها" [الجامع لأحكام القرآن (5/403ـ405)].

وذكر القرطبي صوراً عديدة مما يدخل في هذا الصلح، فراجعه إن شئت. [الجامع لأحكام القرآن (5/403ـ405)] وفي الآية الكريمة ذم الشح والحث على التقوى والإحسان من الجانبين.

الفرع التاسع
حفظ يمينه عن هجرها وعدم إتيانها

ولا ينبغي له أن يحلف على هجرها وعدم غشيانها، فإن فعل فعليه أن يعود إليها خلال أربعة أشهر، ولا يجوز أن يتجاوزها، فإن أصر على التجاوز فلها الحق في مطالبته بالطلاق، فإن طلق وإلا تولى أمر طلاقها الحاكم.

وقد نزل في هذا الحكم، وهو ما يسمى بالإيلاء، قوله سبحانه وتعالى: (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فان فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم). [البقرة:226ـ227].

والإيلاء هو الحلف، وذلك أن يحلف الزوج أن لا يقرب امرأته أو نساءه مدة معينة، فإذا حلف على مدة لا تزيد عن أربعة أشهر فلا إشكال، وإن حلف أن لا يقربها أكثر من أربعة أشهر أو مطلقا، فله أن ينتظر أربعة أشهر، ويجب عليه في نهايتها الرجوع إلى امرأته، فإن أصر على الاستمرار فإنه يلزمه الطلاق، إذ لا يجوز له أن يمسكها بلا معاشرة وقسم.

وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله للآية الكريمة، وأورد في الباب ما يلي: "عن أنس ابن مالك، يقول: آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسائه، وكانت انفكت رجله، فأقام في مشربة له تسعا وعشرين، ثم نزل فقالوا: يا رسول لقد آليت شهرا، فقال: (الشهر تسع وعشرون). [البخاري (6/173ـ174) وراجع تفسير القرطبي للآية، وأقوال العلماء في تفاصيل أحكام الإيلاء (3/102)].

وعن نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول في الإيلاء الذي سمي الله: "لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف، أو يعزم على الطلاق، كما أمر الله عـز وجل..." وعنه: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق، ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة، واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم". [المصدر السابق]. وبهذا تأمن المرأة من المضارة والحبس العاري عن المعاشرة الزوجية.

الفرع العاشر
عدم جواز مضارتها ليكرهها على الافتداء منه، إذا كان راغباً عنها.

إذا كره الرجل امرأته، ولم يعد يرغب في بقائها معه فإن عليه أن يطلقها، ولا يجوز له أن يأخذ منها شيئا، لأن الكراهية صادرة منه، ولا يجوز له - كذلك - أن يضارها ويضايقها، حتى تطلب هي منه الطلاق، ليطلب منها رد الصداق أو أكثر منه أو أقل.

وفي هذا المعنى قال تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله، فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعدَّ حدود الله فأولئك هم الظالمون). [البقرة: 229].

دلت الآية الكريمة على أن الزوجين إذا علما أنهما يقيمان حدود الله في العشرة بينهما، وأداء كل واحد منهما حق الآخر، فعليهما الاستمرار في حياتهما الزوجية والمعاشرة بالمعروف، وإن ظهر للزوج أنه لا يقيم حدود الله في العشرة الحسنة مع امرأته وأداء حقوقها عليه، فإن عليه أن يطلقها ويفارقها بإحسان، ولا يجوز له أن يضارها لتفتدي منه وهو الذي كرهها.

وإن علمت الزوجة أنها لا قدرة لها على إقامة حدود الله مع زوجها، أي لا تطيق البقاء معه مع القيام بحقوقه، فإن عليها أن تفتدي منه ليفارقها، لأن الكره جاء منها له.

قال القرطبي رحمه الله: "والجمهور على أن أخذ الفدية على الطلاق جائز، وأجمعوا على تحذير أخذ مالها إلا أن يكون النشوز وفساد العشرة من قبلها... - إلى أن قال -: قوله تعالى: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله). حرم الله تعالى في هذه الآية أن لا يأخذ إلا بعد الخوف ألا يقيما حدود الله، وأكد التحريم بالوعيد لمن تعدى الحد، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه، حسب ما يجب عليه فيه لكراهة يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ…" [الجامع لأحكام القرآن (3/137)].

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن يقبل مالا افتدت به امرأته منه، لكراهتها البقاء معه وخوفها من الإثم بعدم إقامتها حدود الله في حقه.
كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما اعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته)؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة) [البخاري (6/170)].

وبهذا تأمن المرأة من إكراهها على البقاء مع زوجها الذي تكرهه، كما يأمن هو من إكراهه على بقائه مع زوجته التي يكرهها، فإن له أن يطلقها متى شاء.
ولا يكرهان أو أحدهما على بقاء رابطة النكاح، وهذا هو الحكم المناسب للفطرة والعيش باطمئنان، بخلاف ما في بعض الأديان من إيجاب بقاء هذه الرابطة، مع كراهة كل من الزوجين أو بعضهما للآخر، بحجة أنها رابطة مقدسة، لما في ذلك من العنت والمشقة، وما يترتب عليه من آثار سيئة، قد تصل إلى قتل أحد الزوجين الآخر، ليفتك من رابطة لا طاقة له بها.

فإن لم يظهر النشوز من أحدهما واختلفا، فإن الواجب على أهلهما أو على الحاكم، أن يبعثوا لهما حكما من أهل المرأة، وحكما من أهل الرجل، ممن يتوسم فيهما الصلاح والعدل وحب الإصلاح، ليقوما بالصلح بينهما، فإن استطاعا التوفيق بينهما، على أن يقوم كل منهما بما يجب عليه لصاحبه فذاك، وإلا حكما على من تبين لهما نشوزه من الآخر.

فإن كان النشوز من الزوج حكما عليه بالطلاق، وإن كان من المرأة حكما عليها أن تفتدي منه، كما قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا). [النساء:35، وراجع الجامع لأحكام القرآن (5/174)].

(69)

الفرع الحادي عشر
أن يطلقها لعدتها المشروعة إذا أراد طلاقها.
الطلاق من الأحكام المكروهة في شرع الله، لما فيه من انحلال عقدة النكاح الذي يحبه الله ورسوله، وهو - أي النكاح - ضرورة من ضرورات الحياة، وقد رغب الله تعالى فيه وحذر من العزوف عنه. [راجع الفصل الثالث حفظ النسل من كتابنا الإسلام وضرورات الحياة].

فالمقصود بالنكاح الاستدامة لتحقيق أهدافه، والطلاق مضاد لذلك، وقد وردت نصوص دالة على كراهته، منها حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أبغض الحلال إلى الله عـز وجل الطلاق). [أبو داود (2/631ـ632) وابن ماجة (1/650) والحديث، وإن كان ضعيفاً كما ذكر الشوكاني في نيل الأوطار (6/248) والألباني في إرواء الغليل (7/106) فإن مقصود النكاح يؤيد معناه].

والمقصود هنا بيان أن من عزم على الطلاق، فالواجب أن يطلق امرأته في الوقت الذي حدده الشارع، ليكون بداية عدتها من زوجها، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه، أو أن تكون المرأة حاملاً قد استبان حملها، لأنه في الأول يعرف براءة رحمها، ويحسب الطهر الذي طلقها فيه من عدتها، فلا تظلم بطول مدة العدة، وفي الثاني تكون العدة معروفة بوضع الحمل، وقد عرف ما اشتمل عليه رحمها.

فإذا طلقها وهي حائض طالت مدتها، لأن وقت الحيض الذي طلقها فيه لا يحسب من عدتها، لأنها تعتد بالأطهار وليس بالحيض [على ما رجحه كثير من العلماء]. فيحسب الطهر الذي يلي تلك الحيضة، كما أنه إذا طلقها في طهر جامعها فيه، لم تعلم براءة رحمها منه.

لذلك أمر الله تعالى أن تطلق المرأة لعدتها، وأمر بحفظ عدتها، لما في ذلك من حفظ حق الزوج وحق المرأة معاً، قال تعالى: ((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة)).

قال القرطبي رحمه الله: "لعدتهن ": أي في عدتهن، أي في الزمان الذي يصلح لعدتهن، وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه… - إلى أن قال -: قوله تعالى: ((وأحصوا العدة)): معناه احفظوها، أي احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق…. [الطلاق:1].

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها، ثم يطلقها في طهر لم يمسها فيه، كما في حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: (مره فليراجعها، ثم ليمسكها، حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء).

ولو طلقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها، جاز عند بعض العلماء، ولعل من الحكمة في الأمر بإمساكها إلى الطهر الثاني طول بقائها عند زوجها، لعله يذهب عنه كرهها ويرغب في بقائها، فلا يطلقها. [الجامع لأحكام القرآن (18/153)].

الفرع الثاني عشر
وجوب الإنفاق والسكنى لها إذا كان طلاقها رجعيا.
المطلقة التي يحق لزوجها أن يراجعها قبل انقضاء عدتها، لا تزال زوجة له، أي لم يحصل الفراق الشرعي بينهما، لذلك يجب على زوجها أن ينفق عليها ويسكنها حتى تنتهي عدتها.

كما قال سبحانه وتعالى: ((يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)). [الطلاق: 1ـ3].

فقد أمر الله سبحانه أن تطلق المرأة لعدتها، أي في أول المدة التي تصلح لعدتها، كما مضى قريباً، وأمر بإحصاء العدة، أي ضبطها وحفظها ليعلم الزوج والزوجة حقوقهما وواجباتهما، فالزوج يعلم الوقت الذي له فيه حق الرجعة، ويعلم الوقت الذي لا تلزمه فيه النفقة والسكنى لها، ويعلم ما يلحقه منها من نسب، وهي تشترك معه في ذلك كله، وتعلم الوقت الذي يحق لها فيه أن تستعد لخاطب غير زوجها الذي طلقها. [راجع الجامع لأحكام القرآن (18/154)].

فقد شرع الله للمرأة المطلقة الرجعية، أن ينفق عليها زوجها، حتى تبين منه بانتهاء عدتها، فإذا انتهت عدتها جعل الله لها مخرجاً ورزقها من حيث لا تحتسب.

أما إذا كانت المطلقة ليست رجعية، وهي التي تبين منه بمجرد طلاقه إياها، كالتي لم يدخل بها وهي لا عدة لها، والتي استكملت ثلاث تطليقات، أو طلقت ثلاثاً دفعة واحدة عند من يعتبر الثلاث في وقت واحد مبينة للمرأة، فلا نفقة لها ولا سكنى، إلا إذا كانت حاملاً، كما قال تعالى: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن). [الطلاق:6].

وهذا ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما وأحمد بن حنبل، وهو الذي روته فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: "إن أبا عمر بن حفص طلقها البتة، وفي رواية: ثلاثاً، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله مالك علينا من شيء، فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس لك عليه نفقة) فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك…

وفي رواية: (لا نفقة لك ولا سكنى) وقد خالفها في ذلك عمر رضي الله عنه، فقال: "لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة".

قال الله عـز وجل: ((لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)) وكذلك خالفها مروان، فقال: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، قال الله عـز وجل: ((لا تخرجوهن من بيوتهن)) الآية.

قالت – أي فاطمة رداً على من خالفها -: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث، تشير بذلك إلى قوله تعالى: ((لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)) أي في مراجعة الزوج المرأة، وإذا لم يكن له حق المراجعة، فأي أمر يحدث؟ وكذلك أنكرت عليها عائشة، رضي الله عنها هذا الحديث، وذهب إلى ما ذهب إليه عمر وعائشة ومروان، أبو حنيفة رحمه الله، فرأى لها السكنى والنفقة، وذهب مالك والشافعي إلى أن لها السكنى دون النفقة.

ولعل في قوله تعالى: ((فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف)) ما يؤيد ما روته فاطمة بنت قيس. ورجح ابن القيم رحمه الله أنها لا سكنى لها ولا نفقة، وأطال الرد على من خالف فاطمة بنت قيس في هذا.
[انظر قصة فاطمة بنت قيس في البخاري (6/183) ومسلم (2/1114 وما بعدها) وراجع أقوال العلماء ووجه دليل كل منهم، في شرح النووي على مسلم (10/95) وفتح الباري (9/477ـ481) والمغني لابن قدامة (8/232) وزاد المعاد (5/522ـ542)].

(70)

المطلب الرابع
في حقوق المرأة بعد الفراق

وفي هذا المطلب ثلاثة فروع:

الفرع الأول:حقها في رضاع ولدها منه.
لأنها أحن وأرق على ولدها من غيرها، ويجب أن يعطيها أجراً على رضاعه، كما ينبغي أن يحسن إليها ولا يبخل عليها بمزيد من الفضل، مراعاة للعشرة السابقة من جهة، ولقيامها برضاع ولده ورعايته من جهة.

قال تعالى في سياق عدة المطلقات: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى)). [الطلاق:6].
قال القرطبي، رحمه الله: قوله تعالى: ((فإن أرضعن لكم)) - يعني المطلقات - أولادكم منهن، فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة إرضاعهن، وللرجل أن يستأجر امرأته للرضاع كما يستأجر أجنبية… [الجامع لأحكام القرآن (18/168)].

وقال تعالى: ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير)). [البقرة:233].

وهذه الآية شاملة للوالدات اللاتي ما زلن في عصمة الزوج، والمطلقات.
قال الخرقي رحمه الله: "وعلى الأب أن يسترضع لولده، إلا أن تشاء الأم أن ترضعه بأجرة مثلها، فتكون أحق به من غيرها، سواء كانت في حبال الزوج أم مطلقة". [المغني لابن قدامة (8/250)].

الفرع الثاني:
حقها في حضانة ولدها ما لم تتزوج.

إن الخلاف الذي ينشأ بين الزوجين، يجر وراءه مشكلات أسرية تهز الأسرة هزاً، وأكثر من يتضرر بذلك بعد الزوجين أولادهما كباراً وصغاراً، وإن كان تضرر الصغار أشد، وإذا اشتد الخلاف بين الزوجين وبلغ مبلغه لجآ إلى الفراق الذي هو آخر الدواء.

وعندئذ يتشاكسان في الأولاد: الأب يريد إبقاءهم عنده بالقوة، إما حرصاً على مصلحتهم، لاعتقاده أن الأم غير صالحة لتربيتهم، وقد يكون محقاً، وقد يكون غير محق، وإما لإرادته النكاية بها والإضرار، والأم تستصرخ وتستغيث وقد تلجأ إلى وليها لينجدها.

وهنا ينتشر الشقاق بين أسرتي الأب والأم، فما الحكم في هذه المسألة التي يكون مرجعها القاضي في نهاية المطاف؟
إن الأطفال الصغار في حاجة إلى الرعاية بالغذاء والتنظيف والتمريض، وفي حاجة إلى الحنو والحنان والحب والعاطفة، ولا شك أن هذه الأمور لا توجد مكتملة إلا عند الأم، ثم عند من هي أقرب إليها من النساء، وأن الأب مهما بلغ حبه وحنانه واجتهاده في مصالح ولده لا يبلغ ما يجده الولد عند أمه.

وللأم المطلقة التي تطالب بكفالة ولدها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون خالية، ليست متزوجة، وهي في هذه الحالة أحق به، بنص رسول الله، صلى الله عليه وسلم المنطوق، كما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عبد الله بن عمر - أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت أحق به ما لم تنكحي". [أبو داود (2/707ـ708) وأحمد (2/182)، وقال شيخنا الألباني: "وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، وإنما هو حسن فقط، للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده" إرواء الغليل (7/244)].

والذي يظهر أنه لا خلاف في هذا الحكم، إذا كانت الأم صالحة للتربية.
قال ابن قدامة - بعد أن ذكر بعض العلماء الذين ذهبوا إلى ما ذكر في الحديث -:
"ولا نعلم من خالفهم". [المغني (8/238)].

ويروى أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه طلق زوجة له من الأنصار فولدت له عاصم بن عمر، فجاء عمر إلى قباء، فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضده، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه، حتى أتيا أبا بكر الصديق، فقال عمر: "ابني " وقالت المرأة: "ابني" فقال أبو بكر الصديق: خل بينها وبينه، فما راجعه عمر في الكلام.

ويذكر أن أبا بكر قال لعمر، رضي الله عنهما: "ريحها وشمها ولطفها خير له منك". [انظر جامع الأصول (3/614)].

الحالة الثانية: أن تكون قد تزوجت من له قرابة بالزوج الأول وهو - أي زوجها السابق راض للأم بكفالة ابنها.

والذي يفهم من حديث عمرو بن شعيب السابق أن الأم في هذه الحالة ليست بأحق به، بل الأب أحق به منها، لأنها نكحت، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما جعل الأم أحق ما لم تنكح، ولكن جاء في حديث البراء، رضي الله عنه ما يعارض هذا المفهوم، وفيه: "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها على، وقال لفاطمة عليها السلام: "دونك ابنة عمك احمليها" فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: (الخالة بمنزلة الأم). [المغني (8/238ـ239)].

فقد اختصم في الجارية ابنا عم أبيها، وهما بمنزلة الأب، لعدم وجود من يطالب بها ممن هو أقرب منهما، وكان تحت أحدهما خالة الجارية، فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقوله في الخالة إنها (بمنزلة الأم ) وهي متزوجة، دليل على أنها أحق بها من أبيها لو كان حياً، إذا كان زوج الأم قريبا للولد، راضياً لها بحضانة ابنها.
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: "وأن الحاضنة إذا تزوجت بقريب المحضونة لا تسقط حضانتها، إذا كانت المحضونة أنثى، أخذاً بظاهر الحديث، قاله أحمد، وعنه: لا فرق بين الأنثى والذكر، ولا يشترط كونه محرماً، لكن يشترط أن يكون مأمونا، وأن الصغيرة لا تشتهى، ولا تسقط إلا إذا تزوجت بأجنبي..." [[7/507]

فالذي يظهر رجحانه أنه إذا تزوجت الحاضنة من هو من أقارب الولد المحضون، ورضي لها زوجها بحضانته، أن حضانتها لا تسقط، بشرط تحقق مصلحة المحضون.

الحالة الثالثة: أن تتزوج بأجنبي. والذي يدل عليه حديث عمرو بن شعيب أن كفالتها تسقط، وتنتقل إلى الأب أو من هو أولى به بعد الأم. [فتح الباري (7/507) وراجع المغني لابن قدامة (8/243ـ244) ونيل الأوطار (6/368)].

وعلى هذا جمهور العلماء، ولا يعلم فيه خلاف إلا ما حكي عن الحسن أن حقها في الكفالة لا يسقط بالتزويج، وهو قول شاذ إن صح عنه، وما نقل في رواية عن أحمد أنها لا تسقط حضانتها بالنسبة للجارية وتسقط بالنسبة للصبي، وهي رواية مرجوحة. [راجع لمعرفة الأولى: زاد المعاد (5/438وما بعدها..].

قال ابن القيم رحمه الله: "والذي دل عليه هذا الحكم النبوي أن الأم أحق بالطفل ما لم يوجد منها النكاح، فإذا نكحت زال ذلك الاستحقاق، وانتقل الحق إلى غيرها، فأما إذا طلبه من له الحق وجب على خصمه أن يبذله له، فإن امتنع أجرى الحاكم عليه، وإن أسقط حقه، أو لم يطالب به بقي على ما كان عليه أولاً، فهذه قاعدة مستفادة من غير هذا الحديث – يعني حديث عمرو بن شعيب- [راجع المغني (8/243)، وزاد المعاد (5/454) وما بعدها..].

هذا بالنسبة للولد الصغير الذي لم يميز، أما المميز، وهو في الغالب من بلغ سبعاً، فقد ورد ما يدل أنه يخير بين أمه وبين أبيه، فأيهما اختار كان أحق بحضانته، فإن لم يختر أحدهما أجريت بينهما القرعة، فيكون مع من كانت القرعة بجانبه.

يدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه، جاءته امرأة فارسية معها ابن لها، فادعياه وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة، ورطنت له بالفارسية: زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة: استهما عليه، ورطن لها بذلك، فجاء زوجها، فقال: من يحاقني في ولدي؟ فقال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استهما عليه" فقال: من يحاقني في ولدي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أبوك، وهذه أمك، فخذ بيد من شئت فأخذ أمه فانطلقت به". [أبو داود (2/708ـ709) وأورده الترمذي (3/631) مختصراً، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح].

وقال الترمذي – بعد أن ساق الحديث -: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهم، قالوا: يخير الغلام بين أبويه، إذا وقعت بينهما المنازعة في الولد، وهو قول أحمد وإسحاق، وقالا: ما كان الولد صغيراً فالأم أحق به، فإذا بلغ الغلام سبع سنين خير بين أبويه".

وسرد ابن القيم رحمه الله ما نقل عن السلف مما يؤيد هذا، فنقل عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي هريرة رضي الله عنهم القول بالتخيير، وقال: "فهذا ما ظفرت به عن الصحابة" [زاد المعاد (5/464ـ 466)].

ثم ذكر أقوال الأئمة في ذلك، وذكر عن شيخه ابن تيمية رحمه الله أن قواعد الإسلام تقضي بأن الاستهام أو التخيير، إنما يكونان عندما لا يكون أحد الأبوين مفسداً لأخلاق الصبي، فإذا كان أحدهما مفسداً لأخلاقه فلا تخيير.

قال رحمه الله: "وسمعت شيخنا، رحمه الله يقول: تنازع أبوان صبياً عند بعض الحكام، فخيره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمه: سله لأي شيء يختار أباه؟ فسأله، فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتاب والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للأم، قال: أنت أحق به".

قال شيخنا: "وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله عليه، فهو عاصٍ ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته، فلا ولاية له، بل إما أن ترفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب، إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان"

قال شيخنا: "وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء، سواء كان الوارث فاسقا أم صالحا، بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان" قال: "فلو قدر أن الأب تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك الضرة، فالحضانة هنا للأم قطعاً، قال: ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس عنه نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير الولد بين الأبوين مطلقا،ً والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقاً، بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البر العادل المحسن" [زاد المعاد (5/475)].

وخلاصة القول: أنه يقرع بين الأبوين، أو يخير الولد بينهما عندما يكونان متقاربين في مصلحة الولد، أما إذا كان أحدهما مصلحاً له والآخر مفسداً، فإن الواجب تقديم المصلح على المفسد.

وقد فرق بين هذا وبين عدم اشتراط عدالة الحاضن - أي أن العدالة ليست شرطاً، ولكن الإصلاح شرط - فإن اشتراط العدالة فيه ضياع لأطفال العالم.
كما قال ابن القيم رحمه الله، "لأن أكثر الناس بعيدون عنها، ولكن كثيراً من الفساق لا يحاولون إفساد محضونيهم، وإنما يرغبون في صلاح المحضون، ولو كانوا هم أنفسهم فساقاً. [راجع زاد المعاد (5/461)].

(71)

الفرع الثالث
تمتيع المطلقة التي لم يدخل بها أو لم يسم لها صداق

قال تعالى: ((لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين)). [البقرة: 236]

فالمطلقة التي لم يسم لها صداق، ولم يدخل بها الزوج، لها حق التمتيع بحسب قدرة الزوج، والظاهر أن الذي يحدد به المقدار هو العرف، لقوله تعالى: (متاعا بالمعروف) كما أن الظاهر من الأمر الوجوب، وإن قال بعضهم: إنه للندب، ورجح كونه للوجوب القرطبي في تفسيره. [تفسير الآية سورة البقرة: 236].

ولعل المطلع على هذه الحقوق التي شرعها الله للمرأة، قبل الزواج وأثناءه، وبعد الفراق، يتضح له أن في تطبيقها كما أراد الله، يجعل المرأة في غاية من الأمن والسعادة للعناية الربانية بها، وأن نساء الأمم الكافرة ليتمنين أن يحصلن على شيء يسير من تلك الحقوق، التي تنالها المرأة المسلمة بتنظيم إلهي وأمر شرعي، إن لم يعطها من لها عليه الحق، أعطاها القائم على تنفيذ شرع الله.

وهذه الأمور التي ذكرت هنا هي أصول لحقوق المرأة بمنزلة الفهرس العام، أما جزئيات تلك الحقوق وتفريعاتها فقد احتوتها أسفار ومجلدات لعلماء الإسلام. وبتحقيق، هذه المطالب وما تفرع عنها يتحقق للركن الثاني من أركان الأسرة، وهي الزوجة، الأمن وعلى الركنين تقوم الأسرة الآمنة المطمئنة.


المبحث الرابع
حقوق الأولاد

وفيه تمهيد وثلاثة عشر مطلباً:
المطلب الأول: السعي في تحصينهم من الشيطان قبل وجودهم.
المطلب الثاني: العناية بهم في أرحام الأمهات
المطلب الثالث: إظهار السرور بهم عند ولادتهم
المطلب الرابع: ذكر الله في آذانهم عند ولادتهم
المطلب الخامس: إشعارهم بالعناية بهم بغذائهم وتمرينهم عليه
المطلب السادس: اختيار الأسماء الحسنة لهم
المطلب السابع: إظهار شكر الله على وجودهم بالذبح عنهم والاحتفاء بهم.
المطلب الثامن: العناية بتنظيفهم وإزالة الأذى عنهم
المطلب التاسع: وجوب إرضاعهم حتى يستغنوا عن اللبن وكفالتهم حق يكبروا
المطلب العاشر: تعليمهم العلم النافع وتربيتهم على العمل الصالح
المطلب الحادي عشر: مراعاة أحوالهم واستعداداتهم وتوجيههم إلى ما يرغبون
المطلب الثاني عشر: تمرينهم على الحركة والعمل وتجنيبهم البطالة والكسل
المطلب الثالث عشر: إعفافهم بالنكاح عند الحاجة والمقدرة

تمهيد

إن حفظ النسل ضرورة من الضرورات التي اتفقت عليها الأمم، وعنيت بها الشريعة الإسلامية عناية فائقة، فرغبت في النكاح، وحذرت من الإعراض عنه والزهد فيه، وأحب الرسول صلى الله عليه وسلم تكثير النسل، وحرم الإجهاض وقتل الأولاد، وحددت عقوبة في الاعتداء على الأجنة في أرحام الأمهات.

وبين ما يعود على الآباء من الخير من أولادهم في الدنيا والآخرة، وذلك كله وغيره دليل على مدى الاهتمام بالأولاد ومحبتهم، والاحتفاء بهم، ويترتب على ذلك العناية بهم روحياً وعقلياً وبدنياً.

وقد فصل ذلك كله في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسيرته المطهرة، كما فصل في كتب الفقه في أبواب خاصة، وأفردت له مؤلفات في القديم والحديث. [راجع الفصل الثالث من كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة].

والمقصود هنا الإشارة إجمالاً إلى حقوق الأولاد، التي يكونون بها أعضاء آمنين مأمونين يستقيم بهم كيان الأسرة وتقوى آصرتها، ويكونون لبنات متماسكة في بناء الأمة الإسلامية الكبيرة.

المطلب الأول:
السعي في تحصينهم من الشيطان قبل ولادتهم.

إن عداوة إبليس لابن آدم ممتدة، من حين حسد أبا البشر آدم عليه السلام، وتسبب في إخراجه هو وزوجه حواء من الجنة، وهي مستمرة إلى أن تقوم الساعة، ولا يجد أي منفذ يلج منه لإغواء الإنسان إلا ولجه.

لذلك أمر الله سبحانه وتعالى الناس بالحذر منه والالتجاء إلى الله من خطراته، قال تعالى عن إصرار الشيطان على إغواء الإنسان بكل طريق: ((قال فأنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين، قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين). [الأعراف:14ـ17].

وأخبر سبحانه وتعالى أن الشيطان لا سلطان له إلا على من اتبعه ولم يعتصم بالله منه، أما من اعتصم بالله منه، فإن الله يحصنه منه، قال تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون). [النحل:98ـ100، وراجع خطر الشيطان على الإنسان ووسائل مجاهدته في كتابنا: الجهاد في سبيل الله: حقيقته وغايته (1/392ـ421)].

ومن فضل الله تعالى على المسلم أن بين له وسائل الاعتصام من الشيطان في الكتاب والسنة، في كل مجال من مجالات حياته: في مأكله ومشربه، ونومه ويقظته، ودخوله وخروجه وكل تصرفاته، وأهم وسيلة لوقاية المؤمن من الشيطان، هي ذكر الله تعالى، كما قال تعالى: ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)) [الأعراف(201)] والمراد بالتذكر أن يذكر أن الله تعالى معه مطلع على كل ما يأتي ويذر، ويرغب في عفوه ومغفرته وهدايته وثوابه، ويرهب جبروته وقهره وعقابه...

ومن السباب التي يتخذها المؤمن لوقاية ذريته من الشيطان، ما أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم إليه الرجل إذا أراد أن يجامع أهله، أن يسمي الله ويستعيذ بالله من الشيطان، ويطلب من الله أن لا يجعل له سبيلاً إلى ما يرزقه الله من ولد في ذلك الجماع، وهي عناية من الله تعالى بالإنسان قبل خلقه أرشد إليها أباه حتى يُخلَق مولوداً سوياً سليماً من آفات الجسد وآفات القلب، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أما إن أحدكم إذا أتى أهله، وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولداً لم يضره الشيطان. [البخاري (4/91) ومسلم (2/1058)].

فعلى المسلم أن يبدأ في السعي في تحصين ولده من هذا الوقت المبكر، الذي لا يدري أيرزق فيه ولداً أم لا، وهو دليل على أن العناية بالولد من قبل الوالدين تسبق وجوده.

(73)

المطلب الثاني
العناية بالأولاد في أرحام أمهاتهم.

إن المرأة التي يطلقها زوجها ثلاثاً تبين منه، وتصبح أجنبية عنه، لا تجب لها عليه نفقة ولا سكنى، على القول الراجح من أقوال العلماء رحمهم الله، إلا إذا كانت حاملاً فإنها تجب لها النفقة بالإجماع. [راجع المغني لابن قدامة (8/232ـ233)].
قال تعالى: ((وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن)). [الطلاق:6].
وإنما وجبت على الزوج النفقة للحامل التي بانت منه من أجل ولده الذي لا سبيل إلى الإنفاق عليه إلا عن طريق الإنفاق على أمه التي يتغذى منها.

قال ابن قدامة، رحمه الله: "ولأن الحمل ولده، فيلزمه الإنفاق عليه، ولا يمكنه النفقة عليه إلا بالإنفاق عليها، فوجب كما وجبت أجرة الرضاع…" [المغني، كما مضى، وراجع الجامع لأحكام القرآن (18/166ـ167)]. هذا في العناية به من حيث النفقة.

ومن العناية به وقايته مما قد يؤثر على صحته، وهو في رحم أمه، ولذا أبيح للحامل إذا خافت على جنينها أن تفطر في رمضان، كالمريض والمسافر، وقد أعفاها بعض العلماء من الكفارة دون المرضع، قالوا: "لأن الحمل متصل بالحامل فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها". أما المرضع فـ"يمكنها أن تسترضع لولدها" [المغني (3/149ـ150)]. وأدخلوها في قوله تعالى: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)) [البقرة:184].

وقال ابن قدامة، رحمه الله، مؤيداً رأي من رأى أن عليها الكفارة كغيرها من ذوي الأعذار: "ولنا قوله تعالى: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين))، وهما - أي الحامل والمرضع - داخلتان في عموم الآية. قال ابن عباس: "كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا" رواه أبو داود وروى ذلك عن ابن عمر، ولا مخالف لهما من الصحابة... ". [المغني (6/150) والجامع لأحكام القرآن (2/288)].

ومن العناية بالطفل وهو في رحم أمه تأجيل العقوبة التي تستحقها إذا كان ذلك قد يؤثر على الولد أو تحقق أن العقوبة ستقضي عليه. فقد روى عمران بن حصين، رضي الله عنه، أن امرأة من جهينة، أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم، وهي – حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله أصبت حداً، فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها، فقال: (أحسن إليها، فإذا وضعت فائتني بها ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها…). [مسلم (3/1334)].

وفي حديث آخر- في قصة الغامدية التي اعترفت بالزنى، وطلبت منه أن يقيم عليها الحد -قال لها: (فاذهبي حتى تلدي) فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه) فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، قالت: هذا يا رسول الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها… ". [مسلم (3/1323) وراجع كتاب: الجنين والأحكام المتعلقة به في الفقه الإسلامي لمحمد سلام مدكور، ص165ـ214ـ232].

المطلب الثالث:
طلبهم وإظهار السرور بهم.

إن الأولاد نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، يهبها -كغيرها من النعم - لمن يشاء ويمسكها عمن يشاء، ولولا إرادته تعالى وجُودُه، لما رُزق ذلك أحد، فإن الأسباب لا تنشئ مسبباتها استقلالا.
قال تعالى: ((لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً، إنه عليم قدير)). [الشورى:49ـ50].

ولما كان الأولاد من نعم الله التي تسر الوالدين، بشر بهم رسلُ الله من الملائكة رسلَ الله من البشر، قال تعالى: ((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم قالوا سلاماً، قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة، قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، قالت يا ويلتا ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب، قالوا أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد)). [هود:69ـ73].

وقال تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً، قال إنا منكم وجلون، قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون، قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين، قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون). [الحجر: 51ـ56].

واستغاث نبي الله زكريا عليه السلام، أن يرزقه من يرثه فبشره الله بغلام، كما قال تعالى: ((قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا، يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا، قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتيا، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا)). [مريم: 4ـ9].

تأمل كيف يتطلع عباد الله الصالحون من الأنبياء والرسل وأهلوهم إلى نعمة الأولاد، وكيف ينزل رسل الله من الملائكة بالتبشير بهم ويسمي الله بعضهم من عنده: ((اسمه يحيى)).

ومن هنا كان الاستبشار بالولد والتبشير به من السنن الإلهية، ولا زال الناس - إلا من فسدت فطرهم - يستبشرون بالأولاد ويسرون بهم،والتبشير إنما يكون بما يسر، فمن حق الولد أن يسر به أبواه وأسرته، فهو ضيف عزيز جدير بالاحتفاء والترحيب، وفرق بعيد بين ضيف يسر به ويحتفى به، وضيف يحس أهل الدار أنه ثقيل عليهم مكروه عندهم، يتمنون عدم نزوله بهم، فإذا نزل تمنوا رحيله عنهم.

ولهذا ذم الله تعالى من تبرم من الأنثى واستثقلها، لأنه تعالى هو الذي وهبها، كما وهب الذكر، والحياة لا تستمر إلا بالذكر والأنثى معاً، كما سبق في قوله سبحانه وتعالى: ((يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما)). [سبقت قريباً في هذا المطلب].

قال تعالى: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)). [النحل: 58،59].

قال ابن القيم رحمه الله: "فقسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود، وأخبر أن ما قدره بينهما من الولد فقد وهبهما إياه، وكفى بالعبد تعرضا لمقته، أن يتسخط ما وهبه، وبدأ سبحانه بذكر الإناث فقيل جبرا لهن لأجل استثقال الوالدين لمكانهن.
وقيل - وهو أحسن -:إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الأبوان، فان الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء، فبدأ بذكر الصنف الذي يشاء ولا يريده الأبوان.

وعندي وجه آخر، وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية في الذكر، وتأمل كيف نكر سبحانه الإناث، وعرف الذكور؟ فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف، فإن التعريف تنويه، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم. ثم لما ذكر الصنفين معا، قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير. والله أعلم بما أراد من ذلك.

والمقصود أن التسخط بالإناث من أخلاق الجاهلية، الذين ذمهم الله تعالى في قوله: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون)) [النحل 58،59]
وقال ((وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم)) [الزخرف 17 تحفة المودود في أحكام المولود صفحة:20 -21]

ومن دعاء عباد الرحمن الذين أثنى الله عليهم بعدة صفات: ((والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)) [الفرقان:74]. فإذا كان واهب الولد هو الله إنعاما على أبويه به، وإذا كان رسل الله في السماء يبشرون به رسله في الأرض فيفرحون ويستبشرون، وإذا كان عباد الله الصالحون يتطلعون إلى أن يهب الله لهم الأولاد والذرية ويدعون بذلك، وإذا كان لا يكتئب من بعض الأولاد - وهن الإناث - إلا أهل الجاهلية قديماً وحديثاً، فإن هذا كله يثبت انشراح الصدور وابتهاجها وسرورها، عند أولياء الله المؤمنين بما يهب لهم من الأولاد نعمة منه وتفضلا.
وعلى هذا فإن الولد الجديد يولد في أمن وطمأنينة، لأنه يقدم على أسرته وهم به مسرورون مستبشرون، فيعنَوْنَ به غاية العناية.

المطلب الرابع
ذكر الله في آذانهم عند ولادتهم.

شرع الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يكون أول صوت يقرع آذان الأولاد عند ولادتهم، هو ذكر الله الذي يغيظ عدو الله إبليس ويحصنهم منه، ويطمئنهم أن الذي خلقهم في أرحام أمهاتهم وحفظهم فيها بالغذاء وغيره وهو الله تعالى، هو معهم يرعاهم ويحفظهم، وهو أكبر من كل شيء وهو الإله الحق الذي لا يعبد سواه.

فالسنة أن يؤذن في آذانهم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع ابن بنته الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، فقد روى أبو رافع رضي الله عنه، قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة بالصلاة" [أبو داود (5/333) أحمد (6/9) والترمذي 4/97) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

قال ابن القيم، رحمه الله: "وسر التأذين، والله أعلم، أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته [أي كلمات الأذان] المتضمنة لكبرياء الرب وعظمته، والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام، فكان ذلك كالتلقين له شعار الإسلام عند دخوله إلى الدنيا، كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها.

وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم يشعر، مع ما في ذلك من فائدة أخرى، وهي هروب الشيطان من كلمات الأذان، وهو كان يرصده حتى يولد، فيقارنه للمحنة التي قدرها وشاءها، فيسمع شيطانه ما يضعفه ويغيظه أول أوقات تعلقه به. وفيه معنى آخر، وهو أن تكون دعوته إلى الله وإلى دين الإسلام وإلى عبادته، سابقة على دعوة الشيطان، كما كانت فطرة الله التي فطر الناس عليها، سابقة على تغيير الشيطان لها ونقله عنها ولغير ذلك من الحكم) [تحفة المودود في أحكام المولود ص16].

قلت: وقد صح أن الشيطان يهرب من الأذان، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضِيَ النداء أقبل، حتى إذا ثُوِّب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب، أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: "اذكر كذا، اذكر كذا" لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى) [البخاري (1/151) ومسلم (1/291)].

وقد مضى أنه يشرع للرجل إذا أتى أهله، أن يذكر الله ويدعوه، ليجنبهما الشيطان، ويجنب الشيطان ما رزقهما، وأن ذلك لا يضره أبداً. [راجع المطلب الأول من هذا المبحث].

المطلب الخامس
إشعارهم باستمرار العناية بغذائهم وتمرينهم عليه

إن الولد لما كان في رحم أمه، كان يأتيه غذاؤه في دمائها عن طريق الحبل السري، وما كان في حاجة إلى شيء يدخل في جوفه من فمه، وإذا خرج من رحم أمه انقطع عنه هذا الطريق السهل المنظم بالتنظيم الدقيق بقدرة خالقه، فأصبح في حاجة إلى وسيلة أخرى غير الحبل السري، الذي يقطع من سرته فور خروجه من رحم أمه.

والوسيلة الجديدة هي عن طريق فمه، ولهذا يتحول غذاؤه إلى ثديي أمه اللذين هيأهما الله له تهيئة تناسب مصهما بفمه.
وليس المقصود هنا بيان هذا الأمر، وإنما المقصود ما شرع الله تعالى بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم من تحنيك الطفل عند ولادته بشيء من التمر بعد مضغه وترطيبه، ولعل في ذلك -مع كونه سنة – ما يطمئن الطفل ويجعله آمنا على استمرار غذائه، والعناية به، وبخاصة تحنيكه بالتمر الذي ترتفع فيه نسبة الحلاوة التي يتلذذ بها الطفل، وفيه كذلك تمرين له على استعمال وسيلة غذائه الجديدة، وهي المص بالفم ليألفها.

روت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، أنها حملت بعبد الله ابن الزبير بمكة، قالت: فخرجت وأنا متم، فأتيت المدينة فنزلت قباء، فولدت -بقباء، ثم أتيت به رسول الله رسوله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه، ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حنكه بالتمرة، ثم دعا له وبرَّك عليه. [البخاري (6/216) ومسلم (3/1690)].
وكذلك حنك صلى الله عليه وسلم غلاماً لأبي طلحة، وسماه عبد الله [البخاري (6/216) ومسلم (3/1689)].

قال الحافظ بن حجر، رحمه الله: "والتحنيك مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي، ودَلْك حنكه به، يصنع ذلك بالصبي ليتمرن على الأكل ويقوى عليه) [الفتح (9/588)].

المطلب السادس
اختيار الاسم الحسن له

إن اللفظ الحسن ترتاح له النفس ويستسيغه السمع، واللفظ السيئ لا يحب الإنسان أن يطرق سمعه ولا أن ينطق به، وإن الاسم الذي يختاره أبو المولود وأسرته له يلتصق به، ويصبح علماً عليه، وقد يصعب تغييره في كبره.

فإن كان الاسم حسناً محبباً، سر به المسمى عند كبره وأحب أن يدعى به، وسر به غيره – أيضا - ممن يناديه به أو يسمعه، وإن كان قبيحاً ساءه سماعه حين يدعى به، وساء من يدعوه ومن يسمع النداء به، والمسمى لا ذنب له في ذلك، لأنه لم يختره لنفسه، لذلك كان المشروع أن يختار له أهله الاسم الحسن الذي يسره ويسر غيره، وقد ظهر ذلك في عناية الله بتسمية بعض أنبيائه، وفي اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسمية بعض الأطفال عند ولادتهم، أو تغيير بعض الأسماء المكروهة.

قال تعالى لزكريا عليه السلام: ((إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)) [راجع المطلب الثالث من هذا المبحث].
وسمى الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم "أحمد" وبشر به عيسى عليه السلام بهذا الاسم، كما قال تعالى: ((وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقٌ لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)) [الصف:6].

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء إليه بالمولود، فيحنكه ويدعو له ويسميه ويسأل عن اسمه، فإن رآه حسناً تركه، وإن لم يعجبه سماه، كما كان يغير أسماء الكبار إذا كانت قبيحة.
فقد ولدت أسماء بنت أبي بكر، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنها وحنكه، وصلى عليه (أي دعا له) وسماه عبد الله [راجع صحيح مسلم (3/1690) وما بعدها..].
وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم بابن أبي طلحة رضي الله عنهما، حنكه وسماه عبد الله [سبق قريباً في آخر المطلب الخامس].

وجاء أبو أسيد رضي الله عنه بمولود له إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما اسمه؟" قال: فلان، قال: "ولكن اسمه المنذر" [البخاري (7/117) ومسلم (3/1692)].

وقدم جد سعيد بن المسيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: "ما اسمك؟" قال: اسمي حَزْن، قال: (بل أنت سهل) قال: ما أنا بمغير اسماً سمَّانيه أبي، قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد" [البخاري (7/117) (و) وغير اسم "عاصية" إلى جميلة" [راجع صحيح مسلم (3/1686)].

وأمر بعض أصحابه أن يسمي ابنه عبد الرحمن [البخاري (7/116ـ117) ومسلم (3/1684)]. وروى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن " [مسلم (3/1682) والترمذي (5/132)].

وروى أبو الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم" [أبو داود (5/236) وحسنه ابن القيم في تحفة المودود في أحكام المولود ص66 وقد بسط في هذا الكتاب الكلام في هذا الباب فراجعه في ص 66ـ87].

(74)

المطلب السابع
إظهار شكر الله على هبتهم بالذبح عنهم والاحتفاء بهم

جرت عادة الناس أن يحتفوا بالضيف، وكلما كان أكرم عندهم وأحب إليهم، زادوا في إكرامه، وهي سنة قديمة، ظهرت في كرم إبراهيم عليه السلام حين قدَّم عجله المحنوذ السمين لضيفه.
كما قال تعالى: ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما، قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهلة فجاء بعجل سمين، فقربه إليهم قال ألا تأكلون)) [الذاريات: 24ـ27].
وقال تعالى: ((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)) [هود:69].

وجاء في نصوص كثيرة، الحث على إكرام الضيف، بل منها ما دل على وجوب الضيافة، وما زال الناس يثنون على الكريم المضياف [راجع كتابنا: الإسلام وضرورات الحياة، الفصل الخامس ـ المبحث السابع: المثال الخامس: حق الضيافة].

وإن هذا الطفل الذي مر برحلة طويلة في عالم الرحم، في ظلمات ثلاث لا يرى نور الشمس، ولا يرى أمه، وهو في بطنها، ولا يرى أحد من أسرته، وهم كذلك يعيش بينهم ويأكل من طعامهم، ويشرب من شرابهم، وهم لا يرونه، لمدة تسعة أشهر في الغالب وقد تزيد وقد تنقص.

إن مجيئه لينضم إلى الأسرة التي طال انتظارها له، لأحق بالإكرام من غيره من الضيف الزائر ين الذين قد ألفوا الحياة وألفتهم، لأنه جاء ليكثر سواد الأسرة ويكون لبنة في بنائها، يقويها ويتعاون معها على تحقيق أهدافها، التي من أهمها تكثير النسل الذي يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على إكرام هذا الضيف، شكرا لله على قدومه، كما في حديث سلمان بن عامر الضبي، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى" [البخاري (6/217) وأبو داود (3/261)، والترمذي (4/97ـ97)].

وعن يوسف بن ماهك، أنهم دخلوا على حفصة بنت عبد الرحمن، فسألوها عن العقيقة؟ فأخبرتهم أن عائشة رضي الله عنها أخبرتها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم: "عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة" [الترمذي (4/96ـ97) وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح].

وعن أم كرز الكعبية، رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة) [أبو داود (3/257) والترمذي (4/98) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

وعن سمرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الغلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه) [الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود (3/259ـ260)]. وقد استدل بهذا الحديث من يرى وجوب الذبح عن الطفل.
قال ابن القيم، رحمه الله: "فالذبح عن الولد فيه معنى القربان والشكران والفداء والصدقة وإطعام الطعام، عند حوادث السرور العظام، شكراً لله وإظهاراً لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح، فإذا شرع الإطعام للنكاح الذي هو وسيلة إلى حصول هذه النعمة، فلأن يشرع عند الغاية المطلوبة، أولى وأحرى، وشرع بوصف الذبح المتضمن لما ذكرناه من الحكم.

فلا أحسن ولا أحلى في القلوب من مثل هذه الشريعة في المولود، وعلى نحو هذا جرت سنة الولائم في المناكح وغيرها، فإنها إظهار للفرح والسرور، بإقامة شرائع الإسلام، وخروج نسمة مسلمة يكاثر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمم يوم القيامة، تعبد الله ويراغم عدوه " [تحفة المودود في أحكام المولود ص40 وهو بيان لما ظهر له رحمه الله من حكمة الشارع في الأمر بالذبح عن الطفل].

المطلب الثامن:
العناية بتنظيفهم وإزالة الأذى عنهم.

شرع أن يحلق رأس الطفل يوم سابعه، إيذانا بالعناية به وإزالة ما يؤذيه، بل وشرع التصدق عنه بوزن شعر رأسه ذهباً أو فضة [راجع تحفة المودود ص57ـ59]، وكأن في ذلك إشارة إلى فدائه بالمال وعدم التفريط فيه، وأن شعر رأسه الذي يؤذيه بقاؤه فيحلقونه ليس رخيصاً عند أسرته، بل يوزن بالذهب الذي يحرص عليه الناس. كما شرع ختانه، وهو من خصال الفطرة التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم، رحمه الله - بعد أن ذكر نصوص خصال الفطرة: "وقد اشتركت خصال الفطرة في الطهارة والنظافة وأخذ الفضلات المستقذرة، التي يألفها الشيطان ويجاورها من بني آدم، وله بالغرلة اتصال واختصاص" [تحفة المودود ص94].

وقال في موضع آخر- بعد أن بين أن الختان من محاسن الشرائع التي شرعها الله لعباده -: "هذا مع ما في الختان من الطهارة والنظافة والتزيين، وتحسين الخلقة وتعديل الشهوة، التي إذا أفرطت ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإن عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات، فالختان يعدلها، ولهذا تجد الأقلف من الرجال، والقلفاء من النساء، لا يشبع من الجماع... ولايخفى على ذي الحس السليم قبح الغرلة، وما في إزالتها من التحسين والتنظيف والتزيين " [المرجع السابق ص111، والمراد بالغرلة: غلفة الذكر من الجلدة التي تغطي الحشفة].

وفي هذا إشارة إلى العناية بنظافة الصبي وإزالة كل الأقذار والفضلات المؤذية له، ما دام غير قادر على قيامه بإزالته بنفسه، وبهذا يأمن الطفل من الأوساخ وما ينتج عنها من أوبئة وأمراض قد تودي بحياته.

المطلب التاسع
وجوب إرضاعه وكفالته حتى يستغني بنفسه.

قال تعالى: ((والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف، لا تكلف نفس إلا وسعها، لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده، وعلى الوارث مثل ذلك، فان أرادا فصالا عن تراضٍ منهما وتشاور فلا جناح عليهما، وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف، واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) [البقرة: 233].

لقد كان غذاء الطفل في رحم أمه يأتيه بلا اختيار منها ولا اختيار منه، عن طريق سرته التي ربط الله له بها حبلا يوصل إليه به ذلك الغذاء، وإذا كان على أمه حق له في فترة الحمل، فهو أن تتناول الغذاء المناسب ولا تهمل نفسها إهمالاً يؤدي إلى الإضرار به. كما أن على أبيه أن ينفق عليها نفقة تكفيها.

ولكنه عندما يتيسر سبيله، فيخرج من رحلة الرحم ليبدأ رحلة الأرض، ينقطع عنه ذلك الغذاء الاضطراري، ويجب على أبويه أن يقوما بإرضاعه: الأم ترضعه من لبنها الذي حوله الله إلى ثدييها، ليسهل على الطفل تناوله، والأب ينفق عليها ويكفيها بما تحتاج إليه، فإن فقد أبويه أو أحدهما، وجب ذلك على من يقوم مقامهما، إما من الأقارب، وإما من ولاة أمور المسلمين.

قال ابن حزم، رحمه الله: "والواجب على كل والدة، حرة كانت أو أمة، في عصمة زوج أو في ملك سيد، أو كانت خلواً منهما، لحق ولدها بالذي تولد من مائه أو لم يلحق، أن ترضع ولدها، أحبت أم كرهت، ولو أنها بنت الخليفة، وتجبر على ذلك، إلا أن تكون مطلقة.

فإن كانت مطلقة، لم تجبر على إرضاع ولدها من الذي طلقها، إلا أن تشاء هي، فلها ذلك، أحب أبوه أم كره، أحب الذي تزوجها بعده أم كره، فإن تعاسرت هي وأبو الرضيع، أمر الوالد أن يسترضع لولده امرأة ولا بد، إلا أن لا يقبل الطفل غير ثديها، فتجبر حينئذ أحبت أم كرهت، أحب زوجها - إن كان لها - أم كره، فإن مات أبو الرضيع أو أفلس، أو غاب بحيث لا يقدر عليه، أجبرت الأم على إرضاعه، إلا أن لا يكون لها لبن، أو كان لها لبن يضر به، فإنه يسترضع له غيرها ويتبع الأب بذلك إن كان حياً وله مال... " [المحلى (1/335) وما بعدها، وقد أطال في ذكر مذاهب الأئمة في وجوب رضاع الطفل على الأم، وبين أوجه استدلالهم، ورد ما خالف ما ذهب إليه..].

وتجب كفالة الطفل حتى يبلغ أشده ويقدر على القيام بمصالحه، قال ابن قدامة، رحمه الله: "كفالة الطفل وحضانته واجبة، لأنه يهلك بتركه، فيجب حفظه عن الهلاك، كما يجب الإنفاق عليه وإنجاؤه من المهالك " [المغني (8/237)].

(75)

المطلب العاشر
تعليمهم العلم النافع، وتربيتهم على العمل الصالح.

سبق في مباحث الفصل الأول، والفصل الثاني من الباب الأول، ما يغني عن إعادة مباحث العلم النافع والعمل الصالح، وهي صالحة لهذا المطلب، فليراجعها من أراد.
لكننا هنا نشير إلى بعض الخلال التي يجب الحرص عليها في تربية الأطفال، إضافة إلى ما مضى.
فمن ذلك تمرينه الدائم ومتابعته المستمرة على اختبار الجليس الصالح وملازمته، وبعده عن جليس السوء ومخالطته، لما في صحبة الصالحين من قدوة حسنة تجعله يزداد حباً للخير وتعاطيه، ونفوراً عن إتيان الشر ومقاربته، ولما في مجالسة أهل السوء من محبتهم وتقليدهم في شرهم وفسقهم، والعادة جارية على سرعة التأثر بأهل الشر أكثر من التأثر بأهل الخير، وبخاصة الأطفال، فإنهم سرعان ما يحاكون من هو أكثر منهم في الشر.
وقد بين الله سبحانه وتعالى شدة ندم من يجالسون أهل السوء ومخالطتهم ويسيرون في ركابهم، ويتركون مجالسة أهل الخير والسير في صراطهم المستقيم.
قال سبحانه وتعالى: ((ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ويا ويلتى ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلني عن الذكر بعد أن جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً) [الفرقان: 27- 29].

وذكر سبحانه وتعالى أن رؤساء الضلال والإضلال، يتبرأون يوم القيامة من أتباعهم، وأن أتباعهم يتمنون لو يعودون إلى الحياة الدنيا، فيتبرأون من رؤسائهم الذين أضلوهم، كما تبرأ رؤساؤهم منهم.
قال تعالى: (إذ تبرأ الذين اتُّبِعوا من الذين اتَّبَعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب، وقال الذين اتَّبَعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار) [البقرة: 166-167].

وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا، للجليس الصالح وجليس السوء، للحث على مجالسة الصالحين، والتحذير من مجالسة أهل الشر، كما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة". [البخاري (6/231) ومسلم (4/2026)].

ومن ذلك العناية بتعليمهم قراءة القرآن الكريم، وتحفيظهم إياه كله إن كانوا قادرين على ذلك، وإلا فما تيسر منه، وترغيبهم في المداومة على قراءته وتدبره وحبه، وأنه كلام الله تعالى يجب امتثال أوامره واجتناب زواجره، والعمل بما فيه والإيمان بما أخبر به من الغيب في الماضي والمستقبل، وأن ما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل.

وكذلك يعنى بتعليمهم سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وتحبيبها إليهم، وأن سنته صلى الله عليه وسلم كالقرآن، يجب الإيمان بما أخبرت به والعمل بما شرعته، وأن كل رأي خالفها فهو باطل، وأن الكتاب والسنة معصومان عن الزلل، بعيدان عن الزيغ والضلال.

وأن الأئمة المجتهدين قاموا بخدمة هذا الدين، علماً وعملاً ودعوة وتعليماً وجهاداً، وعلى رأسهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين يجب حبهم واحترامهم وبغض من أبغضهم، وأنه لا يبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أهل الزيغ والضلال.

وهكذا أتباع الصحابة من أئمة الإسلام الذين نصروا هذا الدين وحفظوه، بتعلمه وتعليمه، والدعوة إليه، والذب عن سنته، ونشرها صحيحة نقية من طعن الطاعنين وكذب المفترين، يجب حبهم وموالاتهم، والاستعانة بعلومهم ومؤلفاتهم، على فهم مراد الله ورسوله، وأن صوابهم يغمر ما قد يحصل منهم من خطأ قليل، وهم مثابون على كل حال: على الصواب لهم أجران، وعلى اجتهادهم الذي أخطأوا فيه أجر.

ومن أهم ما يجب أن يعنى به في تربية الأولاد: تعويدهم على الصدق في القول، واجتناب الكذب، فإن الصدق يؤمن صاحبه، والكذب يلقي من اتصف به في المهالك، ولا يؤتمن على كبير أو حقير، وكيف يأمن الناس الكاذب وفيه خصلة من خصال النفاق؟!

ويجب أن يبين لهم مزايا الصدق وفضائله في الدنيا والآخرة، كما يبين لهم مضار الكذب كذلك في الدنيا والآخرة.

وقد روى عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) [البخاري (7/95) ومسلم (4/2012)].

وروى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) [البخاري (7/95) ومسلم (1/78)].

ومن ذلك تمرينهم على أداء الشعائر التعبدية من صغرهم، حتى ينشأوا عليها ويعتادوها، فلا يكونون مقصرين فيها إذا بلغوا رشدهم، وأصبحوا مكلفين بالخطاب مباشرة يعاقبون على تركها.
فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولي الصبي أن يعلمه الصلاة لسبع، ويضربه عليها لعشر، كما روى عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر" [الترمذي (2/259) وقال:… حديث حسن صحيح، وأبو داود (1/332ـ333) وقال المحشي عليه: "وفي المجموع النووي (3/10): حديث سبرة صحيح.."].

وقد رفعت امرأة صبياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) [مسلم (2/974) وراجع التمهيد لابن عبد البر (1/94)].

وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرنون أبناءهم على الصوم وهم صغار، كما في حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: "أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: (من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً، فليتم بقية يومه)
فكنا بعد ذلك نصوم ونصوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار"وفي رواية: "ونضع لهم اللعبة من العهن فنذهب به معنا، فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم حتى يتموا صومهم " [مسلم (2/798) والرواية الثانية تبين المعنى المراد من الأولى، أي أعطيناهم يلهون بها حتى يحين الإفطار].

ولا شك أن تنشئة الصبي بالتعليم والتربية الإيمانية والعبادية، تعده ليكون إنسانا صالحا يقوم بحق الله وحق نفسه وحقوق أسرته وحقوق المجتمع كله، وبذلك يأمنه الناس على أنفسهم ودمائهم وأموالهم وأعراضهم، لأن نشأته على طاعة الله وطاعة رسوله، وقيامه بالعبادات التي يقدر على أدائها من صغره تورثه التقوى، والتقوى هي سبيل الأمن.

ومن ذلك تدريبه خلال الكمال، كالإيثار، وأن يحب لغيره ما يحب لنفسه من الخير، وأن يعطي ولا يأخذ، وأن يستشعر مسؤوليته في تصرفاته، بحيث يجعله ذلك يقدم على ما ينفعه أو ينفع غيره، ويحجم عما يضره أو يضر غيره.

ولو أن الأسر اهتمت بتربية أبنائها وتعليمهم وتنشئتهم على طاعة الله وطاعة رسوله، مع الإخلاص والتجرد لله، لكان لأولاد المسلمين شأن في نشر الخير والطمأنينة بين البشر في مشارق الأرض ومغاربها، كما كان لأسلافهم في العصور المفضلة.

(76)

المطلب الحادي عشر
مراعاة أحوالهم واستعداداتهم وتوجيههم إلى ما يرغبون فيه
من أوجه الاكتساب والأعمال المباحة.

إن الواجب الأساسي الذي لا يجوز التفريط فيه، هو تعليم الأولاد أولاً فروض العين التي لا يعذر أحد بتركها، وتلك هي أصول الإيمان وأركان الإسلام، وواجباته، كالطهارة والصلاة والصيام والحج وبر الوالدين ونحوها.

فإذا ما علم الصبي ذلك وربي عليه، نظر وليه في تصرفاته ورغباته، فإن وجده مقبلاً على علوم الإسلام راغباً في حفظها والتضلع منها، فعليه أن يهيئ له الفرصة بالمعلم الكفء والكتاب، والكفاية لكل حاجاته، ليفرغه لهذا الغرض العظيم، حتى يصبح من علماء الإسلام ودعاة الحق.

وإن وجده مقبلاً على غير ذلك من الصناعات والمهن الأخرى المباحة غير الدنيئة، وجهه إلى ما يراه راغبا فيه وأعانه بسبلها التي يتمكن بها من تحصيلها، ولا ينبغي أن يجبره على علم لا رغبة له فيه ولا يرى عنده استعداداً له، فإن ذلك يعوقه ويحرمه من سلوك الطريق الذي خلق مهيئاً له.

قال ابن القيم، رحمه الله: "ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها، فيعلم أنه مخلوق له، فلا يحمله على غيره، ما كان مأذونا فيه شرعا، فإنه إن حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له.

فإذا رآه حسن الفهم صحيح الإدراك، جيد الحفظ واعياً، فهذه من علامات قبوله وتهيؤه للعلم، لينقشه في لوح قلبه، ما دام خالياً، فإنه يتمكن فيه ويستقر ويزكو معه، وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها، من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنها أنفع له وللمسلمين.

وإن رآه بخلاف ذلك وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع مستعداً لها قابلاً لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس، فليمكنه منها.
هذا كله بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك ميسر على كل أحد، لتقوم حجة الله على العبد، فإن له على عباده الحجة البالغة، كما له عليهم النعمة السابغة [تحفة المودود ص144ـ145 وراجع كتاب تنظيم الإسلام للمجتمع، لأبي زهرة، ص182، طبع دار الفكر العربي.].

المطلب الثاني عشر: تمرينهم على الحركة والعمل
وتجنيبهم البطالة والكسل.

إن خلو وقت الإنسان من الحركة النافعة والعمل المفيد من أعظم الخسران، إذ يضيع عمره أو جزء منه في غير ما خلق له، إما بعدم قيامه بشيء مفيد، كأن يخلد إلى الراحة دون حراك، وإما أن يتحرك فيما يعود عليه وعلى المجتمع بالضرر، وهذا هو الغالب، ولذا حذر الله تعالى من إضاعة العمر في غير فائدة، وأخبر تعالى عن غبن وندم من أضاع عمره في غير عمل صالح.

قال جل وعلا: ((والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور، وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير)) [فاطر: 36ـ37].

وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كثيرا من الناس مغبونون في نعمتين عظيمتين إحداهما: الفراغ، روى ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) [البخاري (7/170)].

كما أخبر صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يسأل ابن آدم عن عمره فيم أفناه يوم القيامة، كما في حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن - ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه " [الترمذي (4/612) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

وقال ابن القيم رحمه الله: "ويجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة، بل يأخذه بأضدادها، ولا يريحه إلا بما يجم نفسه وبدنه للشغل، فإن للكسل والبطالة عواقب سوء ومغبة ندم، وللجد والتعب عواقب حميدة، إما في الدنيا، وإما في العقبى، وإما فيهما، فأرْوَح الناس أتعبُ الناس، وأتعب الناس أرْوح الناس، فالسيادة في الدنيا والسعادة في العقبى، لا يوصل إليها إلا على جسر من التعب " [تحفة المودود ص143].

وإن الذي يتأمل حال كثير من الشباب المسلمين في هذا الزمان، وما منوا به من البطالة والكسل والراحة الجالبة للميوعة والترهل، بسبب الفراغ، الذي لم يملئوه بما يعود عليهم وعلى مجتمعاتهم بالخير والنفع العام، وعدم استغلاله الفراغ دليل على عدم شكر الله على هذه النعمة، والأدهى من ذلك أن يملئوه باللهو واللعب والمتع المباحة أو المحرمة.

حتى أصبح كثير من شبابنا مثل القطعان الحيوانية الضارة لأمن الناس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم، الذي يتأمل ذلك يبدو له جلياً ما عنته نصوص القرآن والسنة وأقوال العلماء من التحذير من الفراغ والبطالة والكسل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. [يراجع كتابنا الجهاد في سبيل الله – حقيقته وغايته (1/320 وما بعدها]

المطلب الثالث عشر
إعفافهم بالنكاح عند الحاجة والمقدرة

وإذا كان الولد محتاجاً إلى النكاح، والأب أو من يقوم مقامه قادرا على تزويجه، لزمه ذلك، لما فيه من تحصينه وإعفافه عن الوقوع في الحرام.
قال ابن قدامة رحمه الله: "ويلزم الرجل إعفاف ابنه، إذا احتاج إلى النكاح، وهذا ظاهر مذهب الشافعي... " [المغني (8/216)].

وكذلك يجب أن يزوج ابنته التي بلغت سنا تحتاج فيه إلى النكاح لإعفافها، وأن يلتمس لها الزوج الصالح، فلا فرق بين الابن والبنت في وجوب إعفافهما.
وبهذا يتبين عناية الإسلام بحقوق الأولاد التي إذا قام بها الآباء، كانوا بها صالحين آمنين مأمونين يحققون مع الأسرة مجتمعا صغيرا متماسكا، ومن الأسر يتكون المجتمع المسلم كله.



المبحث الخامس
حقوق السيد والمستأجر على العبد والأجير

اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يكون بعض عباده أغنياء وسادة مخدومين، وأن يكون بعضهم فقراء عبيدا أو خادمين، وشرع تعالى للسادة والأغنياء المخدومين حقوقا على العبيد والخدم، كما شرع للعبيد والخدم حقوقا على السادة والأغنياء المخدومين.

وفي هذا المبحث مطلبان:

المطلب الأول: طاعة العبدِ سيدَه، والأجيرِ مستأجرَه في غير معصية.
فالعبد مع سيده شبيه بالولد مع والده، يجب عليه أن يطيع سيده في المعروف، ولا يجوز له أن يعصيه، فإذا عصاه، كان عصيانه نوعا من الإباق الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم.
روى جرير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة) [مسلم (1/83)]. وفي رواية: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة) [المصدر السابق].
ووجه الاستدلال من الحديث، أن في إباق العبد عن سيده عصيانا له، وقد توعده الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الإباق بهذا الوعيد الشديد، وعلى هذا فعصيانه لسيده لا يجوز له وهو معاقب عليه، ولو لم يكن آبقا، إلا أن درجة عقابه تختلف باختلاف معصيته.

المطلب الثاني: أن يكون العبد والأجير أمينين ناصحين.
فلا يجوز للعبد أن يخون سيده، فإذا خانه فقد اتصف بصفات المنافقين كما مضى في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه [تقدم في المطلب العاشر من المبحث الرابع]. بخلاف، ما إذا نصح لسيده أو مستأجره وأدى ما له عليه بأمانة، فإنه يؤجر أجرين: الأول على طاعته ربه، والثاني على نصحه لسيده.

وقد روى أبو هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (للعبد المملوك المصلح أجران) ثم قال أبو هريرة: "والذي نفس أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك " [صحيح مسلم (3/1284)].
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا نصح العبد لسيده، وأحسن عبادة ربه كان له أجره مرتين) [البخاري (3/124) ومسلم (3/1284)].

وهكذا يجب أن يكون الخادم مطيعاً لمخدومه في غير معصية الله، وأن يقوم بما أوجب الله عليه من عمل تعاقد عليه الخادم والمخدوم بإتقان وأمانة، واضعاً نصب عينيه أن إتقان عمله، إحسان يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
كما قال تعالى: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) [البقرة: 195].

وروى شداد بن أوس، رضي الله عنه، قال: (اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته" [مسلم (3/1548)].
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، في روايته حديث جبريل المشهور، قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [البخاري (1/18) ومسلم (1/36)].

وقد حكى الله تعالى عن بنت الرجل الصالح، التي طلبت من أبيها استئجار موسى عليه السلام أنها وصفته بصفتين، إذا وجدتا في الأجير اطمأن المستأجر على حقوقه كلها، وهما القوة التي يقدر بها على أداء العمل، والأمانة التي تكون حافزاً له على الوفاء بما اتفقا عليه. قال تعالى: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) [القصص: 26].
وبأداء العبد والخادم حقوق السيد والمستأجر يتم أمن الأسرة بأداء بعضها حقوق بعض.


المبحث السادس
حقوق العبد على السيد، وحقوق المستأجر على المؤجر

وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول: تواضع السيد والمستأجر وعدم تكبرهما.

إن تواضع السيد مع عبده، والمستأجر مع أجيره، يشعرهما بالطمأنينة وعدم الحرج من العسر والفقر والرق، والتكبر عليهما يوحشهما، ويجعلهما يشعران بالاحتقار والسخرية، فتضطرب حياتهما ويعيشان كئيبين حزينين، وقد ذم الله تعالى المتكبرين، كما مدح المتواضعين ووعدهم الجزاء الحسن.

قال تعالى: ((واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)) [الشعراء:215].
وقال في وصف المؤمنين: ((أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)) [المائدة:54].
وقال: ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)) [القصص:83].

وفي حديث عياض بن حمار، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في إحدى خطبه: (وإن الله أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد) [مسلم (4/2198)].
وروى حارثة بن وهب الخزاعي، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف مُتَضَعِّف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر" [البخاري (6/72) ومسلم (4/2190) والجواظ الشديد الغليظ].
وفي حديث أنس رضي الله عنه، قال: (كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت " [البخاري (7/90)].

المطلب الثاني:
أداء المستأجر حق الأجير وعدم ظلمه.

إن الظلم محرم، كما أن العدل واجب، وقد تواتر النهي عن الظلم في الكتاب والسنة، وإذا كان الظالم يظلم لقوته في الدنيا وقدرته على الظلم، فإن الله تعالى، وهو القادر المطلق الذي لا أقوى منه، يأخذ حق الضعيف المظلوم من القوي الظالم، إما في الدنيا وإما في الآخرة، ولا يجد ذلك الظالم من ينصره من دون الله ((وما للظالمين من نصير)) [الحج:71].

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من دعوة المظلوم على الظالم، وأن تلك الدعوة لا يحجبها عن الله شيء، كما في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). [البخاري (2/136) ومسلم (1/50)].

وفي حديث أبي أمامة الحارثي، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اقتطع حق امريء مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة) فقال له رجل وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول لله؟ قال: (وإن كان قضيباً من أراك ). [مسلم (1/122)].

وحذر الله تعالى من لم يعط الأجير أجره تحذيراً شديداً، فجعل نفسه خصماً له، كالغادر وبائع الحر، كما في حديث أبى هريرة الذي يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، قال: (قال الله: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً ولم يعطه أ جره) [البخاري (3/41)].

المطلب الثالث:
العفو عن الخادم، إذا أخطأ وعدم تأنيبه.

وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم العفو مع خادمه، في أعلى صورة من صور العفو والتغاضي، حيث لم يكن يسأل خادمه: لم فعلت؟ أولم لم تفعل؟ كما في حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أفاً قط، ولا قال لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا" [مسلم (4/1804)].

وفي حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كم تعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة، قال: (أعفو عنه في كل يوم سبعين مرة). [أبو داود (5/362ـ363) والترمذي (4/336) وقال: هذا حديث حسن غريب، وقال المحشي على جامع الأصول (8/48): وإسناده حسن، ورواه أبو يعلى بإسناد جيد]. ومعلوم أن العدد سبعين ونحوه، بكنى به عن الكثرة، مثل قوله تعالى: ((إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم)) [التوبة (80)

المطلب الرابع:
أن ينفق على العبد أو الخادم ويطعمه مما يطعم ويكسوه مما يكتسي.

وهذا هو الحد الأعلى من معاملتهما، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ذلك أصحابه، الذين كان يحرص على سموهم في المعاملة والسلوك، كما حث على إعانتهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، روى المعرور بن سويد، قال: رأيت أبا ذر وعليه حلة، وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك؟ فذكر أنه ساب رجلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعيره بأمه، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له.
فقال له – أي لأبي ذر - النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك امرؤ فيك جاهلية) قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: (نعم هم إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل وليكسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه). [البخاري (1/80ـ81) ومسلم (3/1282ـ1283)].

والحد الأدنى أن يعطيه من الكساء والطعام ما يكفيه، حسب قدرته، روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه، ثم جاءه به وقد ولى حره ودخانه، فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهاً قليلاً، فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين). [مسلم (3/1284) وهو شامل للخادم والعبد. ومعنى مشفوهاً: كثرت عليه الشفاه، ومعنى أكْلَة أو أكلتين: لقمة أو لقمتين].

وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدم الإنفاق على العبد، كما روى خيثمة رضي الله عنه قال: كنا جلوساً، مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إذ جاءه قهرمان [أي خازنه ووكيله]. فدخل، فقال: (أعطيت الرقيق قوتهم)؟ قال: لا، قال: (فانطلق فأعطهم)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته) [مسلم (2/692)].

بل لقد أوجب بعض علماء المسلمين على السيد إعفاف العبد بتزويجه إذا احتاج إلى ذلك لئلا يقع في الحرام. [راجع المغني (8/254) لابن قدامة].

(78)

المطلب الخامس:
بذل السيد جهده في عتق عبيده

قضت سنة الله الكونية أن يختلف الناس، وأن يتبع ذلك حروب، وأن يغنم المنتصر الأموال ويسبي النساء والذرية، ويأسر الرجال ويسترق الجميع، وهذا ما كان الناس يفعلونه قبل الإسلام، بل كانت طرق الاسترقاق متعددة، فمن الناس من يسترق المرأة، ومنهم من يسترق الأجير، ومنهم من يسترق ذا لون معين.

فلما جاء الإسلام أبطل تلك الطرق كلها، ما عدا طريق الحرب، فقد أبقى جواز استرقاق أسرى الحرب، لأن الكفار كانوا يسترقون المسلمين إذا أسروهم، فأعطى الله المسلمين حق استرقاق عدوهم معاملة بالمثل.

ومعلوم أن العبيد بالمصطلح الشرعي، غير موجودين الآن في غالب العالم الإسلامي، ويقال: إنهم لا زالوا موجودين في موريتانيا وبعض البلدان الأفريقية، والله أعلم بشرعية ذلك.
ولكنهم – أي العبيد – قد يوجدون في المستقبل، كما وجدوا في الماضي، ولذا تبقى أحكامهم الواردة في الشريعة الإسلامية أحكاما قابلة للتطبيق إذا وجدوا.

والنصوص الواردة في السنة تدل على أن رايات الجهاد سترتفع، وستكون ملاحم مع أعداء المسلمين، من اليهود وغيرهم، ودواعي الجهاد وأسبابه متوفرة الآن، لأن أعداء الإسلام يشنون حملات ظالمة على البلدان الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها... ومن أهم دواعي الجهاد احتلال اليهود للأرض المباركة وعدوانهم المشاهد على أهلها، وقد وعد الله المسلمين بالنصر على أعدائهم إذا اتخذوا أسباب النصر التي أمرهم بها، ومنها إعداد العدة المستطاعة [يراجع في أسباب النصر كتابنا "الجهاد في سبيل الله – حقيقته وغايته"]

وإذا كان قادة المسلمين مقصرين في إعداد العدة، لرفع راية الجهاد اليوم، فسوف لا يستمر الحال على ما هو عليه، فالقوي اليومَ ضعيفٌ غدا، والضعيف اليومَ قويٌّ غدا، والأيام دول: ((إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين)) [آل عمران(140)]

هي الأمور كما شاهدتها دول،،،،،،، من سره زمن ساءت أزمان

والإسلام لا يضيره عيب أعدائه له، لتشريعه الرقَّ، لأنه شرع – في الأصل – للمعاملة بالمثل، فقد كان الرق مشروعا عند الأمم قبل الإسلام كما سبق، بوسائل شتى، وكان من وسائل الاسترقاق، أخذ الأسرى في الحروب، فعامل الإسلام أعداءه بمثل معاملتهم للمسلمين

فإذا عقدت بين الأمم – ومنهم المسلمون - اتفاقات ومعاهدات على عدم الاسترقاق، جاز ذلك، لأن الاسترقاق ليس واجبا في الإسلام، بل للإمام أن يعامل الأسرى بما يرى فيه مصلحة للمسلمين، وهو مخير بين خمسة أمور: الاسترقاق، أو إطلاقهم على مال يؤخذ منهم، أ ومفاداة أسرى المسلمين بهم، أو المن عليهم بدون مال، أو القتل، وكلها وقعت في العهد النبوي.

قال ابن الخرقي رحمه الله: " مَسْأَلَةٌ وَإِذَا سَبَى الْإِمَامُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ, إنْ رَأَى قَتَلَهُمْ, وَإِنْ رَأَى مَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَطْلَقَهُمْ بلا عِوَضٍ , وَإِنْ رَأَى أَطْلَقَهُمْ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ, وَإِنْ رَأَى فَادَى بِهِمْ, وَإِنْ رَأَى اسْتَرَقَّهُمْ, أَيَّ ذَلِكَ رَأَى فِيهِ نِكَايَةً لِلْعَدُوِّ وَحَظًّا لِلْمُسْلِمِينَ فَعَلَ" وذكر ابن قدامة الأدلة على كل خصلة من هذه الخصال...[9/179)]

وأوجب الله عتق الرقبة كفارة للقتل الخطأ في ثلاث حالات، لا ينتقل منه إلى غيره إلا إذا تعذر، تضمنتها الآية الكريمة في قوله تعالى: ((وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا، فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما)). [النساء:92].

وجعل تعالى عتقهم من مصارف الزكاة، فقال إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)) [التوبة (60)]

وخيَّر تعالى من حلف فحنث، أن يكفر بواحدة من ثلاث، منها تحرير رقبة، كما قال تعالى: ((لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الإيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)). [المائدة:89]. خير في الإطعام والكسوة والعتق، ولا ينتقل إلى الصيام إلا إذا لم يجد واحدة مما ذكر.

وأوجب سبحانه على من ظاهر من امرأته، ثم أراد إبقاءها زوجة له، أن يعتق رقبة، ولا ينتقل منها إلى غيرها إلا إذا لم يجدها، قال تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا)). [المجادلة: 3،4].

و حث الرسول صلى الله عليه وسلم على العتق ووعد عليه بالجزاء العظيم، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها، عضواً من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه) [مسلم (2/1147)].
وشرع صلى الله عليه وسلم عتق من لطمه سيده كفارة لتلك اللطمة، كما في حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه). [مسلم (3/1278)].

وفي حديث معاوية بن سويد، قال: لطمت مولى لنا فهربت، ثم جئت قبيل الظهر، فصليت خلف أبي، فدعاه ودعاني، ثم قال: امتثل منه فعفا، ثم قال: كنا بني مقرن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لنا إلا خادم واحدة، فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (اعتقوها) قالوا: ليس لهم خادم غيرها، قال: (فليستخدموها، فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها). [مسلم (3/1279)].

وهذان الحديثان يدلان على أن العبد يجب أن يعيش لدى سيده آمنا من الاعتداء، فإن لم يجد لدى سيده الأمن، فينبغي للسيد أن يعتقه لينجو من الخوف الذي أصيب به بسبب رقه عنده.

وإذا كان العبد مشتركاً بين جماعة، فأعتق أحدهم نصيبه منه عَتَق سائره، ووجب على المعتق أن يعوض من ماله شركاءه نصيبهم منه، فإن لم يكن للمُعتَقِ نصيبُه مال، طلُبَ من العبد أن يسعى في تحصيل نصيبهم، من غير أن يشق عليه في ذلك، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من أعتق شقصاً في عبد أعتق كله، إن كان له مال، وإلا يستسع غير مشقوق عليه) [البخاري (3/113ـ114) ومسلم (3/1287)].

أي إن كان للمُعتِق نصيبَه مال، فعليه أن يعطي شركاءه نصيبهم، لأن العبد قد تحرر كله بسبب عتقه نصيبه، وإن لم يكن للمعتق مال، طلب من العبد أن يسعى في مال الآخرين من الشركاء، وروايات مسلم عن أبي هريرة وغيره توضح هذا المعنى.

وأمر الله تعالى المالكين أن يلبوا طلب العبيد مكاتبتهم، إن علموا فيهم خيرا، والمكاتبة عقد بين العبد والسيد، على مال يدفعه العبد منجماً أو دفعة واحدة إن قدر، ويعتبر العبد بعد دفع المال حراً، وأمر السيد أن يعين عبده بإعطائه شيئا من مال الكتابة، أو إنقاص شيء منه ليتمكن من تحرير نفسه.

قال تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيديكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتكم). [النور:33].

والظاهر أن الخير المشروط علمه في العبد المكاتب، يشمل صلاحه في دينه وأخلاقه، وفي قدرته على الكسب واستغنائه عن الناس به.

ورغب النبي صلى الله عليه وسلم في عتق الأمة وتزوجها، لرفع قدرها وجعلها ركناً في بناء الأسرة المسلمة، كما روى أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران). [البخاري (3/113ـ114)].

وشرع صلى الله عليه وسلم ذلك بفعله ليكون قدوة لغيره، كما شرعه بقوله، روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها". [البخاري (6/121) ومسلم (2/1045)].

ولقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الاهتمام بالرقيق، ولهذا أوصى به في آخر لحظات حياته مع وصيته بالصلاة.

قال علي رضي الله عنه: كان آخر كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم). [أحمد (1/78) وأبو داود (5/359) وابن ماجة (2/901) قال الشوكاني في نيل الأوطار (7/3) وهو يعلق على حديث أنس الذي في معناه: حديث أنس أخرجه أيضاً النسائي وابن سعد، وله عند النسائي أسانيد منها ما رجاله رجال الصحيح].

تنبيه: قد يقال: ما الحاجة إلى نقل هذه النصوص للاستدلال بها على أن الإسلام عني بتحرير الرقيق، في عصر لم يعد فيه للرقيق مكان، إذ جاء عصر الحرية وحقوق الإنسان وتحرير الرقيق؟ ! والجواب من وجهين:

الوجه الأول: إن الاستعباد في هذا العصر أخذ صوراً أخرى، والمستضعفون فيه أشد ذلاً من العبيد الأرقاء، عصر استعبدت فيه دولٌ دولاً وشعوباً، وشركات قطعاناً من البشر، وأغنياء عدداً من الفقراء، وإن لم يسم المستعبِد سيدا. ولا المستعبَد عبدا، فالرق المذل موجود وإن لم يسم رقاً. وهذا الرق أولى بالرحمة ومنحه الحرية، لأنه مستعبد بغير وجه مشروع.

[وإن المشاهد التي يعرض الشيء اليسير منها، لأسرى المسلمين الذين اقتادتهم أمريكا في حملتها الصليبية الصهيونية، إلى غواتنامو، لخير شاهد على الاستعباد الذي يندر أن يوجد له نظير، الدولة التي تتعاطاه هي دولة حماية الحريات وحقوق الإنسان في مطلع القرن الحادي والعشرين! فليقارن المسلمون وغير المسلمين، بين الرق في الإسلام، والرق عند أعداء الإسلام الطاعنين فيه!

فذلك مثال للأسير المستعد عند دعاة الحريه، وهذا مثال واحد أسوقه بدون تعليق، من الأمثلة التي وقعت للأسير في صدر الإسلام:
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حَنِيفة يقال له: "ثمامة بن أثال" فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما عندك يا ثمامة(؟ فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، حتى كان الغد، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة(؟ قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة(؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: (أطلقوا ثمامة).

فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى، فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة، قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن بها النبي صلى الله عليه وسلم [البخاري رقم 4372، فتح الباري (8/87) ومسلم (3/1386)].

الوجه الثاني: أن الرق في الإسلام ما زال مشروعاً، إذا وجد سببه وهو الجهاد في سبيل الله، وإذا كان الجهاد في سبيل الله الآن غائبا في أغلب المعمورة فإنه آت بإذن الله على رغم أنف الأعداء الكفار الصرحاء الذين يهاجمون الإسلام لتشريعه الجهاد وا***** بشتى الاتهامات، وعلى رغم أنف أبناء المسلمين الذين نصبوا أنفسهم سدوداً ضد الجهاد في سبيل الله، وإذا جاء الجهاد في سبيل الله وجد الرقيق – إن لم يتم اتفاق على إلغائه بين الأمم كما سبق - وإذا وجد الرقيق احتاج إلى تلك التوجيهات الشرعية لتحريره ورحمته والإشفاق عليه.


المبحث السابع: العدل الأسري

وفيه مطلبان:
المطلب الأول: العدل بين الأزواج:

وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول: العدل في المبيت:
الفرع الثاني: العدل بينهن في النفقة والكسوة.
الفرع الثالث العدل: بين الأزواج في الحكم.

الفرع الأول: العدل في المبيت:
إن من أهم الأمور التي تعتبر أساساً لأمن الأسرة واستقرارها، وإبعاد أسباب القلق والاضطراب عنها، العدل بين أفرادها، وعدم تفضيل بعضها على بعض، لما في العدل من الإحساس بالرضا، ولما في الجور من جلب الإحن، والشحناء.

ولقد عني الكتاب والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، بالعدل الأسري عناية فائقة.
أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل عموما بين النساء، كما قال سبحانه وتعالى: (فانكحوا ما طالب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا) [النساء:3].

والعدل المذكور شامل لكل ما يقدر عليه الزوج، من مبيت ومعاشرة ونفقة وكسوة وغيرها.
وقد ورد في معنى الآية أحاديث دالة على وجوب العدل عموما،ً منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل) [أبو داود (2/600) والترمذي (3/438) وقال المحشي على جامع الأصول (11/513): وهو حديث صحيح].

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعدل، بين نسائه، فلا يفضل إحداهن على الأخرى كما روت عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك). [الترمذي (3/437) وأبو داود (2/601) وقال المحشي على جامع الأصول (11/514): وهو حديث صحيح].

وكان صلى الله عليه وسلم يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلها، وإذا أراد سفرا أقرع بينهن، فيأخذ من خرج سهمها، كما روت عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم. [البخاري (3/135ـ136)].

وقصة سودة هذه تدل على سقوط حق المرأة في القسمة، إذا رضيت بذلك، وأن للزوج أن يعطي قسمها لمن وهبته من أزواجه، وقد روت عائشة، رضي الله عنها، "أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة" [البخاري (6/154) ومسلم (2/1085)].

وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حبه لعائشة، أكثر من غيرها، يسأل وهو مريض عن أيامه المقبلة رغبة في يومها، ولم يبق عندها، على الرغم من مرضه، إلا بعد أن أذن له أزواجه، كما روت عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: (أين أنا غدا أين أنا غدا)؟: يريد يوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة، حتى مات عندها.
قالت عائشة: "فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله، وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي". [البخاري (6/155) ومسلم (4/1893)].

وقالت عائشة، رضي الله عنها في قوله تعالى: ((وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً)) قالت: هي المرأة تكون عند الرجل ولا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، تقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري، فأنت في حل من النفقة والقسمة لي، فذلك قوله تعالى: ((فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير)) [البخاري (6/153)].

الفرع الثاني: العدل بينهن في النفقة والكسوة.
وهل يجب أن يسوي بينهن في كل شئ من الكسوة والنفقة ونحوهما؟ بحيث إذا أعطى إحداهن شيئاً من المال أو الكسوة لحاجتها إليه، يجب أن يعطي غيره مثل ذلك، ولو لم تكن محتاجة إلى ذلك؟

قد يستدل على أن ذلك واجب بعموم النصوص، إلا أن في ذلك مشقة، قد لا يقدر عليها الزوج، وتعليق الوجوب بالحاجة أولى، بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن التسوية الواجبة إنما هي في الكفاية، لكل واحدة منهن ولا تضر بعد ذلك المفاضلة.

قال ابن قدامة رحمه الله: "وليس عليه التسوية بين نسائه في النفقة والكسوة، إذا قام بالواجب، لكل واحدة منهن، قال أحمد في الرجل له امرأتان: له أن يفضل إحداهما على الأخرى في النفقة والشهوات والسكنى، إذا كانت الأخرى في كفاية، ويشتري لهذه أرفع من ثوب هذه، وتكون تلك في كفاية، وهذا لأن التسوية في هذا كله تشق، فلو وجب لم يمكنه القيام به، إلا بحرج، فسقط وجوبه، كالتسوية في الوطء" [المغني (7/305ـ306)].

قلت: الذي يظهر من هذا النص أن الرجل قد تكون إحدى نسائه ساكنة في منزل يكفيها، فيحتاج إلى منزل للأخرى، فلا يتمكن بسهولة من إيجاد منزل مساوٍ لمنزل الساكنة من كل وجه، بل قد يجد منزلاً أحسن منه أو أقل، فلا يجب عليه البحث عن منزل مساوٍ، بل يشتري المنزل الذي تيسر له، أو يستأجره، لما في تكليفه البحث عن منزل مساوٍ من المشقة والحرج.

وكذلك قد تكون إحدى نسائه عندها ما يكفيها من اللباس، وتكون الأخرى في حاجة إلى لباس، فلا يجب عليه أن يبحث عن نوع اللباس الذي يوجد عند من لا حاجة لها الآن في اللباس، ليشتري مثله للمرأة المحتاجة، بل يشتري لها من النوع المتيسر، وقد يكون أجود أو أردأ، وهكذا ما يحصل للأخرى عند حاجتها، وبذلك تحصل التسوية بينهن في الجملة، وليس في كل شيء بالتفصيل.

ومثل السكنى النفقة، فقد يكون عند إحداهن ما يكفيها من أنواع الأطعمة، والأخرى محتاجة، فله أن يشتري لها ما أراد من الطعام، ولو لم يكن مثل طعام ضرتها، والمهم أن يراعي حاجة كل منهن.

ومع ذلك ينبغي أن يحاول أن لا يكون الفرق بين ما يعطي هذه أو تلك كبيراً ملفتا للنظر، خشية من الحزازات والضغائن التي قد تحدث بسبب ذلك بين الضرات، أو بينهن وبين الزوج، وليسدد ويقارب حسب استطاعته.

هذا الذي ينبغي أن يفهم من كلام ابن قدامة رحمه الله، ومن النص الذي استشهد به للإمام أحمد رحمه الله، ولا ينبغي أن يفهم من ذلك أن للزوج تفضيل إحدى نسائه على الأخريات باستمرار وبدون سبب، فإن ذلك يخالف النصوص الواردة في العدل بين الأزواج.

الفرع الثالث
العدل بين الأزواج في الحكم.
وقد سن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة طريفة، وقعت بين اثنتين من نسائه، كما رواها أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: (غارت أمكم) ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت فيها". [البخاري (6/157) والترمذي (3/631) وفيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (طعام بطعام وإناء بإناء) وأبو داود (3/826)..].

وفي رواية عائشة رضي الله عنها بيان بأن صاحبة الصفحة المكسورة هي صفية، وأن عائشة هي التي كسرتها، قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت صانعاً طعاماً مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً فبعثت به، فأخذني أفكل [رعدة شديدة بسبب الغيرة، راجع النهاية في غريب الحديث]. فكسرتُ الإناء فقلت: يا رسول الله ما كفارة ما صنعت؟ قال: (إناء بإناء وطعام مثل طعام). [أبو داود (3/827ـ828)].

هذا وليعلم أن الأسرة في الفقه الإسلامي شاملة للزوجين ولجميع الأقارب الذين يعيشون في منزل واحد، أو منازل متقاربة أو متباعدة، وليست خاصة بالآباء والأولاد المباشرين كما قد يظن ذلك، فهي تشمل الأبوين وآباءهم وأجدادهم وجداتهم، كما تشمل الأولاد وأولادهم، وإخوان الآباء وإخوانهم، وإخوان الأم وأخواتها، وأبناءهم وبناتهم، وكل ذلك مفصل في كتب الفقه في النفقات والولايات والمواريث وغيرها. [راجع كتاب المغني لابن قدامة (8/212ومابعدها)..].

وقال الشيخ محمد أبو زهرة، رحمه الله: "كلمة الأسرة في الإسلام أوسع مدى من الأسرة في القوانين الأخرى، فإن الأسرة في الإسلام تشمل الزوجين والأولاد الذين هم ثمرة الزواج وفروعهم، كما تشمل الأصول من الآباء والأمهات، فيدخل في هذا الأجداد والجدات، وتشمل أيضا فروع الأبوين، وهم الإخوة والأخوات وأولادهم، وتشمل أيضاً فروع الأجداد والجدات، فيشمل العم والعمة وفروعهما، والخال والخالة وفروعهما، وهكذا كلمة الأسرة تشمل الزوجين وتشمل الأقارب جميعا، سواء منها الأدنون وغير الأدنين.

وهي حيثما سارت أوجدت حقوقاً وأثبتت واجبات، وتتفاوت مراتب هذه الحقوق بمقدار قربها من الشخص وبعدها عنه، فالحقوق التي للأقارب الأقربين، أقوى من الحقوق التي تكون لمن هم أبعد منهم، وهكذا..." [تنظيم الإسلام للمجتمع ص63].

وبهذا المفهوم للأسرة يمكن أن تكون بعض القبائل أسرة واحدة، على كل فرد منها حقوق لمن قرب منه، وله حقوق كذلك.

(80)

المطلب الثاني: العدل بين الأولاد

العدل بين الأولاد يجعلهم يطمئنون إلى آبائهم، ويُقَوِّي رابطتهم بهم، كما يمرنهم على مراعاة حقوق بعضهم على بعض، وعدم الاعتداء من بعضهم على بعض، لأن الوالدين هما القدوة الأولى للأولاد، فإذا رأى الأولاد من الآباء الاتصاف بالعدل دفعهم ذلك إلى الاقتداء بهم فاتصفوا به.

والمفاضلة بين الأولاد بغير سبب، تجعل المفضول يحقد على والده وعلى أخيه الذي فُضِّل عليه، كما تجعل الأولاد كلهم يقلدون والدهم في ذلك، ويطمعون في المفاضلة باستمرار.

ولقد حسم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر وشدد فيه، فأنكر على من فضل بعض أولاده على بعض، وأمر بالعدل، وسمى التفضيل جورا.

كما روى النعمان بن بشير، رضي الله عنهما، أن أباه أعطاه عطية، فقالت عمرة بنت رواحة "أم النعمان بن بشير": لا أرضى حتى تُشهِد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية، فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: "أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟" قال: لا، قال: (فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم) فرجع فرد عطيته.

وفي رواية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأرجعه). وفي رواية: (فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور).
وفي رواية: (فأشهد على هذا غيري) ثم قال: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء(؟ قال: بلى، قال: (فلا إذا).
وفي رواية: (فلا يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق). [البخاري (3/134) ومسلم (3/1241) والروايات الأربع المذكورة له].

وألفاظ الحديث واضحة في وجوب التسوية بين الأولاد، وفي أن المفاضلة بينهم بدون سبب مشروع، ظلم وباطل، وقد أكد ذلك بالأمر بالتقوى والعدل، والأمر برد العطية، وبأنه لا يشهد إلا على حق، وأنه لا يشهد على جور، وهذه الأمور لو فرضنا أن الأمر بإطلاقه لا يدل على الوجوب - وإن كان ذلك مرجوحا - فإنها قرائن تمحض الأمر هنا للوجوب بدون أدنى شك، وهذا يرد قول من ذهب إلى أن المفاضلة مكروهة فقط،وليست بحرام. [راجع شرح النووي على مسلم (11/66)].

وبهذا ينتهي هذا الباب المتعلق بتربية الأسرة، وقد حاولت الاختصار ما استطعت، كما حاولت الاكتفاء ببعض الأمور المتعلقة بذلك، ولم أتعرض للتفريعات خشية الإطالة.
وذلك - كما ترى - جدير بتثبيت الأمن والاستقرار في حياة الأسرة، لو طبق حق التطبيق، لما فيه من قيام كل فرد من أفراد الأسرة بحقوق الآخرين، وعدم الاعتداء من بعضهم على حقوق بعض.


الباب الثالث: تربية المجتمع
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية.
الفصل الثاني: تجنب الأسباب المؤدية إلى فقد الأخوة الإسلامية أو ضعفها.
الفصل الثالث: تحقيق معنى الولاء والبراء بين المسلمين.


--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الأول:
السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية.

وفيه تمهيد وثمانية عشر مبحثاً:
المبحث الأول:المحبة في الله.
المبحث الثاني: التزاور والتواصل.
المبحث الثالث: الدعوة إلى الطعام وإجابتها.
المبحث الرابع: إعانة المحتاجين والضعفاء.
المبحث الخامس: إفشاء السلام.
المبحث السادس: طلاقة الوجه وطيب الكلمة.
المبحث السابع: التواضع وقبول الحق.
المبحث الثامن: العفو والسماحة، ودفع السيئة بالحسنة.
المبحث التاسع: المواساة والإيثار.
المبحث العاشر:حسن الظن.
المبحث الحادي عشر: نصر المظلوم.
المبحث الثاني عشر: ستر المسلم.
المبحث الثالث عشر: تعليم الجاهل والرفق به.
المبحث الرابع عشر: الإحسان إلى الجار.
المبحث الخامس عشر: حب الطاعات وبغض الفواحش.
المبحث السادس عشر: أداء الواجبات والحقوق.
المبحث السابع عشر: الصدقة الجارية.
المبحث الثامن عشر: النصح لكل مسلم.


--------------------------------------------------------------------------------

تمهيد:

إن الأسر تتكون من الأفراد، والمجتمع يتكون من الأسر، وقد سبق في البابين الأول والثاني، تربية كل من الفرد والأسرة. وفي هذا الباب إيجاز لبيان تربية المجتمع.

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يتكون أفراده وأسره، ممن ربوا على الإسلام تربية سليمة، يكون مجتمع خير وصلاح وتعاون، لأن كل فرد فيه قد علم ما له وما عليه، وزكى نفسه بطاعة ربه، حتى أصبحت تؤدي ما عليها من واجبات عن رضا واطمئنان، وأصبح كل فرد آمنا على نفسه وماله وعرضه، وبذلك يكون المجتمع كله مجتمع أمن واستقرار.

والمقصود هنا بيان الأسباب والوسائل التي يزداد المجتمع بها تماسكا واطمئنانا، لاشتراك أعضائه في التعامل بكافة فروعها. وأساس ذلك أن يحققوا فيما بينهم الأخوة الإسلامية التي عدها الله سبحانه وتعالى من أعظم نعمه التي امتن بها على عباده، وهي نعمة لا تضاهيها نعمة الأخوة النَّسَبية، إذا فقدت أخوة الإسلام بين ذوي النسب الواحد.

قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)) [آل عمران: 102ـ103].

أمر الله سبحانه المؤمنين في هاتين الآيتين، أن يحرصوا على دينهم ويحفظوه حتى يموتوا عليه، كما أمرهم بالاجتماع عليه وعدم التفرق، فيه وأمرهم أن يذكروا نعمته عليهم بهذا الدين الذي جمعهم به بعد فرقة، وألف به بين قلوبهم بعد نفرة، ووحشة، وحقق لهم به الأخوة الإيمانية التي أثمرت بينهم المحبة والود، بعد أن فشلت أخوة النسب وحدها عن تحقيق ذلك.

قال ابن جرير الطبري، رحمه الله: "قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم، وهم إخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم.
ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء، بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/33ـ34)].

وذكر رحمه الله - قبل هذا - عن قتادة قوله: قوله تعالى: ((واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم)): كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب". [المصدر نفسه].

يظهر من الآية الكريمة وما قيل فيها، أن الأمن الحق في الأخوة الإيمانية، وأن الخوف والقلق في فقدها، فإذا أراد المسلمون أن يحققوا الأمن، فليحققوا الأخوة الإيمانية، على هدى من الله ونور.

وقال تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم لعلكم ترحمون)) [الحجرات:10].
قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة)) أي في الدين والحرمة، لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فان أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب...". [الجامع لأحكام القرآن (16/322)].

وقال سيد قطب، رحمه الله: "ومما يترتب على هذه الأخوة، أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة، هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال، هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة، وهو إجراء صارم وحازم كذلك. [في ظلال القرآن (26/3334)].

فلا بد هنا من بيان ما يترتب على الأخوة الإسلامية، من مصالح تحقق للمجتمع الإسلامي أمنه وتماسكه وسعادته في الدنيا والآخرة، وبيان ما يناقض ذلك، مما تفقد معه الأخوة الإسلامية أو تضعف، وما يجلبه فقدها من فرقة وخوف وهوان.

فلنبدأ بمباحث هذا الفصل، وهو تعاطي الأسباب التي تحقق الأخوة الإسلامية، وهي ثمانية عشر مبحثاً.

(82)

المبحث الأول: المحبة في الله

وذلك أن يظلل أفرادَ المجتمع حبُّ بعضهم لبعض، حباً يقصد به وجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا الزائلة، فإن الحب في الله يدوم، لدوام سببه، بخلاف الحب من أجل غرض مادي، فإنه يزول بزوال ذلك الغرض.

ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحب من أجل الله وحد، إحدى الخصال التي توجد بها حلاوة الإيمان، كما روى أنس، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار). [البخاري (1/9ـ10) ومسلم (1/66)].

فمحبة المؤمن لأخيه المؤمن هي في حقيقتها ناشئة من حبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، كما يفهم من حديث أنس السابق الذي جمع بين تلك الأمور: حب الله ورسوله، وتقديمه على كل محبوب، وحب المسلم أخاه المسلم لله تعالى، وكراهة الكفر المتضمنة لحب دين الإسلام.

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المتحابين في الله، من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). [البخاري (1/160ـ161) ومسلم (2/715)].

وينال المتحابون في الله كرامة ربهم وعنايته بهم، فيناديهم أمام الأشهاد لبيان ارتفاع درجاتهم وعظم شأنهم، ويمنحهم ظله الظليل الذي يكون الناس في أشد الحاجة إليه، جزاء وفاقاً، استظلوا بحبه وحب رسوله وعباده المؤمنين في الدنيا، فأظلهم بظله في الآخرة.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). [مسلم (4/988)].

والمؤمن الذي يحب أخاه المؤمن في الله، قد بشر بحب الله له وهو حي في الدنيا، قبل أن ينتقل إلى الدار الآخرة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلا زار أخاً له في قرية، فأرصد الله له على مدرجته، [أي أقعد له على طريقه] ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عـز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك، كما أحببته فيه). [مسلم (4/1988) ومعنى "تربها" تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسببها].

والمحبة الخالصة في الله سبحانه وتعالى، عزيزة نادرة، لا توجد إلا لأولياء الله المتقين، الذين أخلصوا النية لله تعالى، في القول والعمل وجعلوه نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، وإلا فأغلب الناس لا يحب أخاه إلا لما يرجوه منه من نفع.
وأفضل المحبين من أحب أخاه المؤمن لمصلحة دينية، كتعليم العلم والإرشاد إلى طاعة الله ونحوها، وأفضل هؤلاء من جرد محبته لأخيه المؤمن لوجه الله الكريم، وإذا تمكنت محبة المؤمنين بعضهم لبعض من قلوبهم، ساد بينهم الأمن والاطمئنان ورفرفت على ربوعهم السعادة، لأن المحب يسعى في صلاح من يحب وجلب الخير له، ودفع ما يضره عنه، كل واحد منهم آمن ومأمون.

ولما كان الأحبة يأمن بعضهم بعضا،ً شرع للمرء إذا أحب أخاه أن يخبره بذلك، لتزداد الألفة ويتمكن الأمن في قلب أخيه، فقد روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعلمته)؟ قال: لا، قال: (أعلمه)، قال: فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له. [أبو داود (5/344) وهو في شرح السنة للبغوي (13/66ـ67) قال المحشي عليه: إسناده حسن].

(83)

المبحث الثاني: التزاور والتواصل.

إن زيارة المسلم لأخيه المسلم، قاصداً بها وجه الله، من القِرَب التي يحبها الله ويحب فاعلها، وقد سبق قريباً قصة الرجل الذي أرصد الله له ملكاً على مدرجته عندما زار أخاً له في الله.

وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه للرجل الذي قال له: (والله إني لأحبك في الله) فقال له – بعد أن استحلفه أبْشِر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ) [الموطأ (2/953ـ954) وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي: هذا الحديث صحيح، قال الحاكم على شرط الشيخين، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح]..

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عاد المسلم أخاه أو زاره، قال الله تبارك وتعالى: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت في الجنة منزلا". [المسند (2/326) والترمذي (4/365) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة (1/464) وقال محقق شرح السنة للبغوي: وفي سنده أبو سنان عيسى ابن سنان، وهو لين الحديث، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان].

وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، رحمه الله: قلت: "زيارة الأخوان مستحبة، وينظر الزائر في ذلك، فإن رأى أخاه يحب زيارته ويأنس به، أكثر زيارته والجلوس عنده، وإن رآه مشتغلاً بعمل، أو رآه يحب الخلوة، يقل زيارته، حتى لا يشغله عن عمله، وكذلك عائد المريض، لا يطيل الجلوس عنده، إلا أن يكون المريض يستأنس به. [شرح السنة (13/59)].

وزيارة المريض قد حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من الزيارات التي تزيد في المحبة بين الزائر والمزور وأهله، لما فيها من المواساة وإشعار المريض بالعناية به ومتابعة أحواله وتمني زوال ما به، وقد أمر بعيادة المريض الرسول صلى الله عليه وسلم وعدها من حقوق المسلم على أخيه.
روى البراء رضي الله عنه، قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز وعيادة المريض... " الحديث [البخاري (2/70) ومسلم (3/1635)]..

وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). [البخاري (2/70) ومسلم (4/1704)].

وروى ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع". [مسلم (4/1989) والمراد بخرفة الجنة: ما يخترف من ثمارها كما يخترف من النخل حين يدرك، راجع الحاشية على الحديث في مسلم].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المرضى مع أصحابه، ليكون قدوة بفعله، معط أمره بذلك كما روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال:
كنا جلوسا مع رسول صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة)؟ فقال: صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعوده منكم)؟ فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص: نمشى في تلك السباخ، حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه. [مسلم (2/637)].

ولا يعلم قيمة الزيارة وعيادة المريض إلا من كابد الوحشة في صحته أو مرضه، فبقي وحيدا لا يسأل عنه أحد، وما أكثر هذا في بلاد الكفر، وفي بعض البلدان الإسلامية التي ابتعد أهلها عن آداب الإسلام.

(84)

المبحث الثالث:
الدعوة إلى الطعام وإجابتها:

ومن السنن المشروعة الجالبة للمحبة، أن يصنع المسلم طعاماً ويدعو إليه من قدر على دعوته من إخوانه لتناوله، وبخاصة في المناسبات، كوليمة العرس، والذبح عن المولود، وهو ما يسمى بالعقيقة أو عند الحاجات، كالسنة المجدبة التي يحتاج فيها الناس إلى الطعام أكثر من غيرها، وليقدم في مثلها من هم أكثر حاجة من سواهم.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمر من تزوج من أصحابه أن يولم، كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، وتزوج امرأة من الأنصار: (كم أصدقتها)؟ قال: وزن نواة من ذهب… – وقال له -: (أولم ولو بشاة). [البخاري (6/142) ومسلم (2/2042ـ1043)].

وكان هو صلى الله عليه وسلم، إذا تزوج أولم ودعا أصحابه لتناول الطعام، كما روى أنس – أيضا -: "ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة". [البخاري (6/142) ومسلم (2/1048ـ1049)].
وفي رواية: "أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبع الناس خبزاً ولحماً". [البخاري (6/26) ومسلم (2/1046)].
وأمر صلى الله عليه وسلم بإجابة الدعوة، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم". [البخاري (6/143ـ144].

ووصف أبو هريرة، رضي الله عنه من دعي فلم يجب إلى طعام الوليمة بالعصيان، فكان يقول: " بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله". [البخاري (6/144) ومسلم (2/1054)].
ويؤخذ من هذا أن ينبغي لمن أولم أن يدعو لوليمته المحتاجين، لما في ذلك من إشباع الجائع، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه من فقراء الصحابة الذين يحتاجون إلى الرعاية وسد الحاجة، ولذلك كان يشعر بما في دعوة الأغنياء وترك الفقراء.

وكان الصحابة، رضي الله عنهم، إذا علم أحدهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائع صنعوا له الطعام ودعوه، فيجيب ويدعو أصحابه الذين يعلم أنهم محتاجون إلى الطعام مثله، كما في قصة الخندق، إذ رآه جابر رضي الله عنه وهو جائع، فعاد إلى امرأته، فأمرها أن تصنع له طعاماً، ليدعوه، وكان عنده صاع من شعير وشاة صغيرة، فأخذت هي في صنع الطعام.
وذهب جابر، فسارَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأتي مع نفر قليل معه لتناول الطعام، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الخندق، وهم ألف، وبارك الله في شاة جابر.
فكانت كما قال جابر رضي الله عنه: "فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو" [البخاري (5/45ـ47) ومسلم (1610ـ1611)].

ففي أمره صلى الله عليه وسلم بالوليمة، وإجابة الدعوة، وكونه هو صلى الله عليه وسلم كان يولم ويدعو للناس فيأكلون حتى يشبعوا، وإذا صنع أصحابه طعاماً دعوه فأجاب، ودعا معه غيره، ما يدل على أن السنة أن يكون ذلك دأب المسلمين، لما فيه من إطعام الجائع وإدخال السرور على الداعي والمدعو معاً.
وقد جعل صلى الله عليه وسلم إطعام الطعام من الأمور المفضلة في الإسلام.
روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف). [البخاري (1/9) ومسلم (1/659)].
وينبغي أن يدعو المسلم أخاه المسلم دعوة خاصة به لتناول الطعام عنده إذا أحس أن في نفسه عليه شيئاً، لإزالة ما في نفسه.

(85)

المبحث الرابع:
إعانة المحتاجين والضعفاء:

إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق متفاوتين في القوة والضعف وفاضل بينهم في الرزق، والعادة أن الضعيف يحتاج إلى القوي، والفقير يحتاج إلى الغني، والمريض يحتاج إلى الصحيح، والجاهل بصنعةٍ مَّا يحتاج إلى العالم بها، وهكذا...
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، والذي يحتاج أخوه إلى إعانته اليوم، قد يحتاج هو إلى إعانة أخيه غداً، وإعانة كل واحد أخاه في قضاء حاجته، تعد من شكر الله تعالى على نعمه، إذ جعله قادراً على ذلك، فعلى البدن زكاة كالمال، وكذلك العلم.

روى أبو بردة عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على كل مسلم صدقة) فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: (يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: (يعين ذا الحاجة الملهوف) قالوا: فان لم يجد؟ قال: (فليعمل بالمعروف، ويمسك عن الشر، فإنها له صدقة). [البخاري (2/121) ومسلم (2/699)].

والذي يقضي حاجة أخيه في الدنيا يقضي الله حاجته يوم القيامة، عندما يكون أحوج إليها من حاجة أخيه في الدنيا.
وقضاء الحاجات هو مقتضى الأخوة الإسلامية، روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ). [البخاري (3/98) ومسلم (4/1696)].

وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إعانة الصانع في صنعته، أو الصناعة لمن لا يتقن الصنعة، من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، كما روى أبو ذر رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها) قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق) قال: فإن لم أفعل؟ قال: (تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك). [البخاري (3/117) ومسلم (1/88ـ89)].
وهذا الحديث يوضح أن تربية المجتمع في الإسلام تقوم على فعل الخير وترك الشر، وهذا هو الأمن الذي ينشده العالم كله، ولا يمكن أن يجده إلا في التربية الإسلامية.
ولقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى قرب كافل اليتيم منه في الجنة، كما روى سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. [البخاري (7/76) ومسلم (4/2287)].
وكفالة اليتيم شاملة لتربيته والقيام بتعليمه وإصلاحه، وإصلاح أمواله وحفظها، وعدم الاعتداء عليها أو التفريط فيها، وشاملة كذلك للإنفاق عليه إذا لم يكن له مال، ولطف معاملته والرفق به، وقد أبرز الله العناية به في كتابه، فقال تعالى في حفظ ماله: ((وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً)). [النساء:2].

وقال تعالى: ((وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا)). [النساء:6].
وقال تعالى في إطعامه والإنفاق عليه: ((فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة)). [البلد: 11ـ15].
جعل تعالى الإنفاق على اليتيم وإطعامه في وقت المجاعة من أسباب قطع الطريق الصعب إلى الله تعالى. [راجع الجامع لأحكام القرآن (20/66)].

ومثل اليتيم المسكين والأرملة ونحوهما، كما قال تعالى: ((أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة)) [البلد: 15ـ16].
والسعي على الأرملة والمسكين وسد حاجتهما، نوع من الجهاد في سبيل الله ومن العبادة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، كالصلاة والصيام، كما روى صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل). [البخاري (7/76)].
وفي رواية من حديث أبي هريرة: (كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر). [البخاري (7/77) ومسلم (4/2286)].

والمقصود أن إعانة المحتاج من الأمور التي يجب أن يربى عليها المجتمع، وهي غير منحصرة، فقد يحتاج المريض إلى الإسعاف، ويحتاج من ضعفت دابته، أو تعطل مركوبه من سيارة أو غيرها، إلى إعانة بنقله أو بإصلاح مركوبه، وقد يحتاج حامل الشيء الثقيل إلى حمله له، وقد يحتاج من فقد ماله إلى إعانة وهكذا...
فالحاجات غير متناهية، والإعانة مطلوبة في كل حال، والناس يختلفون في القدرة على الإعانة، فقد يكون بعضهم قادراً على شيء، والآخر قادراً على شيء آخر، فعلى كل واحد أن يعين المحتاجين حسب طاقته.
وتأمل حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته، يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة). [البخاري (3/224) ومسلم (7/699)].

(86)

المبحث الخامس: إفشاء السلام:

السلام تحية المؤمنين، وأفضلها أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويجوز أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله، أو السلام عليكم، والثانية أفضل من الثالثة.
قال تعالى: ((وإذا حيبتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، إن الله كان على كل شيء حسيبا)). [النساء:86].
وروى ابن جرير عن سلمان الفارسي، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: (وعليك ورحمة الله) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعليك ورحمة الله وبركاته) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: (وعليك) فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ؟ فقال: (إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها)) فرددناها عليك). [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/190)].
وقال ابن كثير، رحمه الله – بعد أن ذكر ما أورده ابن جرير عن سلمان -:
"وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد بسنده عن عمران بن حصين، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله" فرد عليه ثم جلس، فقال: (عشر) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه، ثم جلس، فقال: (عشرون) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس، فقال: (ثلاثون) وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه ". [تفسير القرآن العظيم (1/531) وأبو داود (5/379ـ380) والترمذي (5/52ـ53) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه].

والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، كما قال تعالى: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن..)) [الحشر:23].
قال الإمام البخاري -رضي الله عنه: باب السلام اسم من أسماء الله تعالى ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردَوها)) ثم ساق بسنده حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه.
فقال: (إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير بعد من الكلام ما شاء). [البخاري (7/127) ومسلم (1/301ـ302)].

والذي يستعرض آيات القران الكريم التي ورد فيها ذكر السلام، يوقن بأنه أعظم تحية منحها الله عباده الصالحين في الدنيا والآخرة، فهي التحية التي أسبغها الله على رسله الكرام.
كما قال تعالى: ((سلام على نوح ني العالمين)) [الصافات:79]. (سلام على موسى وهارون)، [الصافات:120]. ((سلام على آل يس))، [الصافات:130]. ((وسلام على المرسلين)). [الصافات:181].
وهي تحية رسل الله في السماوات ورسله في الأرض، كما قال تعالى: ((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاماً قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ))، [هود:69]. ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قوم منكرون)). [الذاريات:24ـ25].

وهي تحية رسل الله في الأرض وأتباعهم من المؤمنين، كما قال تعالى: ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم)). [الأنعام:54].
وهي تحية أصحاب الأعراف لأهل الجنة: ((ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم)). [الأعراف:46].

وهي تحية الملائكة في الآخرة لأهل الجنة، كما قال تعالى: ((جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، [الرعد:23ـ24]. ((الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)). [النحل:32].
((وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)). [الزمر:83].

وفي الجنة يكرم الله عباده المؤمنين، فلا يسمعون لغو الكلام الذي كانوا يسمعونه في الدنيا فيؤذيهم، وإنما يسمعون هذه الكلمة المحبوبة: ((لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما)). [الواقعة: 25ـ26].
وهي تحيتهم التي لزموها في الدنيا فكانت تحيتهم في الجنة: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وأخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين))، [يونس: 10].
((وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام))، [إبراهيم:23].
((تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً)). [الأحزاب: 44].

وإن تحية أكرم الله تعالى بها عباده من الملائكة والرسل وأتباعهم في الحياة الدنيا والآخرة، وجعلها تحية المصلين لأنفسهم ولإخوانهم من عباد الله الصالحين، إن هذه التحية التي هذه منزلتها عند الله وعند أوليائه، لجديرة بالالتزام والنشر ولا يليق بالمؤمن أن يستبدل بها غيرها، وهي من الأسباب العظيمة الجالبة للمحبة والألفة والأمن والاطمئنان.
كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). [مسلم (1/24)].
فإذا كان دخول الجنة مشروطاً بالإيمان، ومن لوازم الإيمان المحبة، وإفشاء السلام من أسبابها، فهل يليق بالمسلم أن يفرط في السلام؟

وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام بين المؤمنين، بحيث لا يلتقي اثنان أو أكثر على أي حال من الأحوال التي يشرع فيها ذكر الله إلا حيا بعضهم بعضاً، فالماشي يسلم على القاعد، والراكب يسلم على الماشي، والقليل يسلم على الكثير، والصغير يسلم على الكبير، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) [البخاري (7/127) ومسلم (4/603)]. وفي رواية من حديث له: "يسلم الصغير على الكبير". [البخاري (7/127)].

ويسن أيضا أن يسلم الكبير على الصغير، لأنه قد يغفل هو عن البدء بالسلام، وفي ذلك قدوة له وتربية، تأمل كيف أثر سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض صبيان المدينة، فما كان ينسى أصحابه ذلك، بل كانوا يفعلونه كما حفظوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ثابت البناني رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ". [البخاري (7/131) ومسلم (4/1708) وكان أنس من صغار الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي خدمه عشر سنين].

وإن المسلم حين يلقى المسلم فيسلم عليه، ليزيل بذلك الوحشة من بينهما، ويفتح باب إقبال أحدهما على الآخر وشعوره بالألفة والمحبة، بل يشعر كل منهما بالأمن مع أخيه، ولذلك ترى - غالباً - الابتسامة والبشر على وجوه من بدأوا بالسلام أو ردوه، بخلاف ما إذا التقى اثنان فأكثر، فلم يسلم أحد على أحد، فإنك ترى وجوههم عابسة غير طلقة، وكل منهم لا يشعر بذلك الأمن والاطمئنان الذي يشعر به المُسَلِّم والمُسَلَّم عليه.

ولقد أهمل كثير من المسلمين هذه التحية، إذ تجد الرجل يمر بأخيه وجها لوجه، فلا يحييه بها، وترى الابن يلتقي بأبيه فلا يسلم عليه، بل الأدهى من ذلك أن تسمع المسلم يفشي تحية الكفار بلغتهم ويهمل تحية الإسلام، وقد ابتلى الله المسلمين بالعداوة والبغضاء ونزع من نفوسهم محبة بعضهم بعضاً، وجعلهم يعيشون عيشة خوف بعضهم من بعض، بدلاً من عيشة الأمن والسلام التي تضمنتها تحية الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



الباب الثالث: تربية المجتمع
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية.
الفصل الثاني: تجنب الأسباب المؤدية إلى فقد الأخوة الإسلامية أو ضعفها.
الفصل الثالث: تحقيق معنى الولاء والبراء بين المسلمين.


--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الأول:
السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية.

وفيه تمهيد وثمانية عشر مبحثاً:
المبحث الأول:المحبة في الله.
المبحث الثاني: التزاور والتواصل.
المبحث الثالث: الدعوة إلى الطعام وإجابتها.
المبحث الرابع: إعانة المحتاجين والضعفاء.
المبحث الخامس: إفشاء السلام.
المبحث السادس: طلاقة الوجه وطيب الكلمة.
المبحث السابع: التواضع وقبول الحق.
المبحث الثامن: العفو والسماحة، ودفع السيئة بالحسنة.
المبحث التاسع: المواساة والإيثار.
المبحث العاشر:حسن الظن.
المبحث الحادي عشر: نصر المظلوم.
المبحث الثاني عشر: ستر المسلم.
المبحث الثالث عشر: تعليم الجاهل والرفق به.
المبحث الرابع عشر: الإحسان إلى الجار.
المبحث الخامس عشر: حب الطاعات وبغض الفواحش.
المبحث السادس عشر: أداء الواجبات والحقوق.
المبحث السابع عشر: الصدقة الجارية.
المبحث الثامن عشر: النصح لكل مسلم.


--------------------------------------------------------------------------------

تمهيد:

إن الأسر تتكون من الأفراد، والمجتمع يتكون من الأسر، وقد سبق في البابين الأول والثاني، تربية كل من الفرد والأسرة. وفي هذا الباب إيجاز لبيان تربية المجتمع.

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يتكون أفراده وأسره، ممن ربوا على الإسلام تربية سليمة، يكون مجتمع خير وصلاح وتعاون، لأن كل فرد فيه قد علم ما له وما عليه، وزكى نفسه بطاعة ربه، حتى أصبحت تؤدي ما عليها من واجبات عن رضا واطمئنان، وأصبح كل فرد آمنا على نفسه وماله وعرضه، وبذلك يكون المجتمع كله مجتمع أمن واستقرار.

والمقصود هنا بيان الأسباب والوسائل التي يزداد المجتمع بها تماسكا واطمئنانا، لاشتراك أعضائه في التعامل بكافة فروعها. وأساس ذلك أن يحققوا فيما بينهم الأخوة الإسلامية التي عدها الله سبحانه وتعالى من أعظم نعمه التي امتن بها على عباده، وهي نعمة لا تضاهيها نعمة الأخوة النَّسَبية، إذا فقدت أخوة الإسلام بين ذوي النسب الواحد.

قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)) [آل عمران: 102ـ103].

أمر الله سبحانه المؤمنين في هاتين الآيتين، أن يحرصوا على دينهم ويحفظوه حتى يموتوا عليه، كما أمرهم بالاجتماع عليه وعدم التفرق، فيه وأمرهم أن يذكروا نعمته عليهم بهذا الدين الذي جمعهم به بعد فرقة، وألف به بين قلوبهم بعد نفرة، ووحشة، وحقق لهم به الأخوة الإيمانية التي أثمرت بينهم المحبة والود، بعد أن فشلت أخوة النسب وحدها عن تحقيق ذلك.

قال ابن جرير الطبري، رحمه الله: "قال ابن إسحاق: كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم، وهم إخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم.
ثم إن الله عز وجل أطفأ ذلك بالإسلام وألف بينهم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فذكرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء، بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا". [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (4/33ـ34)].

وذكر رحمه الله - قبل هذا - عن قتادة قوله: قوله تعالى: ((واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم)): كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم وألف به بينكم، أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب". [المصدر نفسه].

يظهر من الآية الكريمة وما قيل فيها، أن الأمن الحق في الأخوة الإيمانية، وأن الخوف والقلق في فقدها، فإذا أراد المسلمون أن يحققوا الأمن، فليحققوا الأخوة الإيمانية، على هدى من الله ونور.

وقال تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم لعلكم ترحمون)) [الحجرات:10].
قال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: ((إنما المؤمنون إخوة)) أي في الدين والحرمة، لا في النسب، ولهذا قيل: أخوة الدين أثبت من أخوة النسب، فان أخوة النسب تنقطع بمخالفة الدين، وأخوة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب...". [الجامع لأحكام القرآن (16/322)].

وقال سيد قطب، رحمه الله: "ومما يترتب على هذه الأخوة، أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة، هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال، هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف، وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة، وهو إجراء صارم وحازم كذلك. [في ظلال القرآن (26/3334)].

فلا بد هنا من بيان ما يترتب على الأخوة الإسلامية، من مصالح تحقق للمجتمع الإسلامي أمنه وتماسكه وسعادته في الدنيا والآخرة، وبيان ما يناقض ذلك، مما تفقد معه الأخوة الإسلامية أو تضعف، وما يجلبه فقدها من فرقة وخوف وهوان.

فلنبدأ بمباحث هذا الفصل، وهو تعاطي الأسباب التي تحقق الأخوة الإسلامية، وهي ثمانية عشر مبحثاً.

(82)

المبحث الأول: المحبة في الله

وذلك أن يظلل أفرادَ المجتمع حبُّ بعضهم لبعض، حباً يقصد به وجه الله تعالى، لا لغرض من أغراض الدنيا الزائلة، فإن الحب في الله يدوم، لدوام سببه، بخلاف الحب من أجل غرض مادي، فإنه يزول بزوال ذلك الغرض.

ولقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحب من أجل الله وحد، إحدى الخصال التي توجد بها حلاوة الإيمان، كما روى أنس، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار). [البخاري (1/9ـ10) ومسلم (1/66)].

فمحبة المؤمن لأخيه المؤمن هي في حقيقتها ناشئة من حبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولدينه، كما يفهم من حديث أنس السابق الذي جمع بين تلك الأمور: حب الله ورسوله، وتقديمه على كل محبوب، وحب المسلم أخاه المسلم لله تعالى، وكراهة الكفر المتضمنة لحب دين الإسلام.

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم المتحابين في الله، من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه). [البخاري (1/160ـ161) ومسلم (2/715)].

وينال المتحابون في الله كرامة ربهم وعنايته بهم، فيناديهم أمام الأشهاد لبيان ارتفاع درجاتهم وعظم شأنهم، ويمنحهم ظله الظليل الذي يكون الناس في أشد الحاجة إليه، جزاء وفاقاً، استظلوا بحبه وحب رسوله وعباده المؤمنين في الدنيا، فأظلهم بظله في الآخرة.
كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يقول يوم القيامة: (أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي). [مسلم (4/988)].

والمؤمن الذي يحب أخاه المؤمن في الله، قد بشر بحب الله له وهو حي في الدنيا، قبل أن ينتقل إلى الدار الآخرة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن رجلا زار أخاً له في قرية، فأرصد الله له على مدرجته، [أي أقعد له على طريقه] ملكاً، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عـز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك، كما أحببته فيه). [مسلم (4/1988) ومعنى "تربها" تقوم بإصلاحها، وتنهض إليه بسببها].

والمحبة الخالصة في الله سبحانه وتعالى، عزيزة نادرة، لا توجد إلا لأولياء الله المتقين، الذين أخلصوا النية لله تعالى، في القول والعمل وجعلوه نصب أعينهم وقبلة قلوبهم، وإلا فأغلب الناس لا يحب أخاه إلا لما يرجوه منه من نفع.
وأفضل المحبين من أحب أخاه المؤمن لمصلحة دينية، كتعليم العلم والإرشاد إلى طاعة الله ونحوها، وأفضل هؤلاء من جرد محبته لأخيه المؤمن لوجه الله الكريم، وإذا تمكنت محبة المؤمنين بعضهم لبعض من قلوبهم، ساد بينهم الأمن والاطمئنان ورفرفت على ربوعهم السعادة، لأن المحب يسعى في صلاح من يحب وجلب الخير له، ودفع ما يضره عنه، كل واحد منهم آمن ومأمون.

ولما كان الأحبة يأمن بعضهم بعضا،ً شرع للمرء إذا أحب أخاه أن يخبره بذلك، لتزداد الألفة ويتمكن الأمن في قلب أخيه، فقد روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رجلاً كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أعلمته)؟ قال: لا، قال: (أعلمه)، قال: فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له. [أبو داود (5/344) وهو في شرح السنة للبغوي (13/66ـ67) قال المحشي عليه: إسناده حسن].

(83)

المبحث الثاني: التزاور والتواصل.

إن زيارة المسلم لأخيه المسلم، قاصداً بها وجه الله، من القِرَب التي يحبها الله ويحب فاعلها، وقد سبق قريباً قصة الرجل الذي أرصد الله له ملكاً على مدرجته عندما زار أخاً له في الله.

وروى معاذ بن جبل رضي الله عنه للرجل الذي قال له: (والله إني لأحبك في الله) فقال له – بعد أن استحلفه أبْشِر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتباذلين فيّ) [الموطأ (2/953ـ954) وقال محققه محمد فؤاد عبد الباقي: هذا الحديث صحيح، قال الحاكم على شرط الشيخين، وقال ابن عبد البر: هذا إسناد صحيح]..

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عاد المسلم أخاه أو زاره، قال الله تبارك وتعالى: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت في الجنة منزلا". [المسند (2/326) والترمذي (4/365) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة (1/464) وقال محقق شرح السنة للبغوي: وفي سنده أبو سنان عيسى ابن سنان، وهو لين الحديث، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان].

وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، رحمه الله: قلت: "زيارة الأخوان مستحبة، وينظر الزائر في ذلك، فإن رأى أخاه يحب زيارته ويأنس به، أكثر زيارته والجلوس عنده، وإن رآه مشتغلاً بعمل، أو رآه يحب الخلوة، يقل زيارته، حتى لا يشغله عن عمله، وكذلك عائد المريض، لا يطيل الجلوس عنده، إلا أن يكون المريض يستأنس به. [شرح السنة (13/59)].

وزيارة المريض قد حث عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من الزيارات التي تزيد في المحبة بين الزائر والمزور وأهله، لما فيها من المواساة وإشعار المريض بالعناية به ومتابعة أحواله وتمني زوال ما به، وقد أمر بعيادة المريض الرسول صلى الله عليه وسلم وعدها من حقوق المسلم على أخيه.
روى البراء رضي الله عنه، قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز وعيادة المريض... " الحديث [البخاري (2/70) ومسلم (3/1635)]..

وروى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس). [البخاري (2/70) ومسلم (4/1704)].

وروى ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عاد مريضاً، لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع". [مسلم (4/1989) والمراد بخرفة الجنة: ما يخترف من ثمارها كما يخترف من النخل حين يدرك، راجع الحاشية على الحديث في مسلم].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المرضى مع أصحابه، ليكون قدوة بفعله، معط أمره بذلك كما روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال:
كنا جلوسا مع رسول صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل من الأنصار، فسلم عليه، ثم أدبر الأنصاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة)؟ فقال: صالح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعوده منكم)؟ فقام وقمنا معه، ونحن بضعة عشر، ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص: نمشى في تلك السباخ، حتى جئناه، فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين معه. [مسلم (2/637)].

ولا يعلم قيمة الزيارة وعيادة المريض إلا من كابد الوحشة في صحته أو مرضه، فبقي وحيدا لا يسأل عنه أحد، وما أكثر هذا في بلاد الكفر، وفي بعض البلدان الإسلامية التي ابتعد أهلها عن آداب الإسلام.

(84)

المبحث الثالث:
الدعوة إلى الطعام وإجابتها:

ومن السنن المشروعة الجالبة للمحبة، أن يصنع المسلم طعاماً ويدعو إليه من قدر على دعوته من إخوانه لتناوله، وبخاصة في المناسبات، كوليمة العرس، والذبح عن المولود، وهو ما يسمى بالعقيقة أو عند الحاجات، كالسنة المجدبة التي يحتاج فيها الناس إلى الطعام أكثر من غيرها، وليقدم في مثلها من هم أكثر حاجة من سواهم.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمر من تزوج من أصحابه أن يولم، كما روى أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف، وتزوج امرأة من الأنصار: (كم أصدقتها)؟ قال: وزن نواة من ذهب… – وقال له -: (أولم ولو بشاة). [البخاري (6/142) ومسلم (2/2042ـ1043)].

وكان هو صلى الله عليه وسلم، إذا تزوج أولم ودعا أصحابه لتناول الطعام، كما روى أنس – أيضا -: "ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة". [البخاري (6/142) ومسلم (2/1048ـ1049)].
وفي رواية: "أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبع الناس خبزاً ولحماً". [البخاري (6/26) ومسلم (2/1046)].
وأمر صلى الله عليه وسلم بإجابة الدعوة، كما في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي الدعوة في العرس وغير العرس، ويأتيها وهو صائم". [البخاري (6/143ـ144].

ووصف أبو هريرة، رضي الله عنه من دعي فلم يجب إلى طعام الوليمة بالعصيان، فكان يقول: " بئس الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين، فمن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله". [البخاري (6/144) ومسلم (2/1054)].
ويؤخذ من هذا أن ينبغي لمن أولم أن يدعو لوليمته المحتاجين، لما في ذلك من إشباع الجائع، وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه من فقراء الصحابة الذين يحتاجون إلى الرعاية وسد الحاجة، ولذلك كان يشعر بما في دعوة الأغنياء وترك الفقراء.

وكان الصحابة، رضي الله عنهم، إذا علم أحدهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جائع صنعوا له الطعام ودعوه، فيجيب ويدعو أصحابه الذين يعلم أنهم محتاجون إلى الطعام مثله، كما في قصة الخندق، إذ رآه جابر رضي الله عنه وهو جائع، فعاد إلى امرأته، فأمرها أن تصنع له طعاماً، ليدعوه، وكان عنده صاع من شعير وشاة صغيرة، فأخذت هي في صنع الطعام.
وذهب جابر، فسارَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليأتي مع نفر قليل معه لتناول الطعام، فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الخندق، وهم ألف، وبارك الله في شاة جابر.
فكانت كما قال جابر رضي الله عنه: "فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو" [البخاري (5/45ـ47) ومسلم (1610ـ1611)].

ففي أمره صلى الله عليه وسلم بالوليمة، وإجابة الدعوة، وكونه هو صلى الله عليه وسلم كان يولم ويدعو للناس فيأكلون حتى يشبعوا، وإذا صنع أصحابه طعاماً دعوه فأجاب، ودعا معه غيره، ما يدل على أن السنة أن يكون ذلك دأب المسلمين، لما فيه من إطعام الجائع وإدخال السرور على الداعي والمدعو معاً.
وقد جعل صلى الله عليه وسلم إطعام الطعام من الأمور المفضلة في الإسلام.
روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف). [البخاري (1/9) ومسلم (1/659)].
وينبغي أن يدعو المسلم أخاه المسلم دعوة خاصة به لتناول الطعام عنده إذا أحس أن في نفسه عليه شيئاً، لإزالة ما في نفسه.

(85)

المبحث الرابع:
إعانة المحتاجين والضعفاء:

إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق متفاوتين في القوة والضعف وفاضل بينهم في الرزق، والعادة أن الضعيف يحتاج إلى القوي، والفقير يحتاج إلى الغني، والمريض يحتاج إلى الصحيح، والجاهل بصنعةٍ مَّا يحتاج إلى العالم بها، وهكذا...
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، والذي يحتاج أخوه إلى إعانته اليوم، قد يحتاج هو إلى إعانة أخيه غداً، وإعانة كل واحد أخاه في قضاء حاجته، تعد من شكر الله تعالى على نعمه، إذ جعله قادراً على ذلك، فعلى البدن زكاة كالمال، وكذلك العلم.

روى أبو بردة عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على كل مسلم صدقة) فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: (يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق) قالوا: فإن لم يجد؟ قال: (يعين ذا الحاجة الملهوف) قالوا: فان لم يجد؟ قال: (فليعمل بالمعروف، ويمسك عن الشر، فإنها له صدقة). [البخاري (2/121) ومسلم (2/699)].

والذي يقضي حاجة أخيه في الدنيا يقضي الله حاجته يوم القيامة، عندما يكون أحوج إليها من حاجة أخيه في الدنيا.
وقضاء الحاجات هو مقتضى الأخوة الإسلامية، روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة ). [البخاري (3/98) ومسلم (4/1696)].

وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إعانة الصانع في صنعته، أو الصناعة لمن لا يتقن الصنعة، من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله، كما روى أبو ذر رضي الله عنه، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: (إيمان بالله وجهاد في سبيله) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: (أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها) قلت: فإن لم أفعل؟ قال: (تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق) قال: فإن لم أفعل؟ قال: (تدع الناس من الشر، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك). [البخاري (3/117) ومسلم (1/88ـ89)].
وهذا الحديث يوضح أن تربية المجتمع في الإسلام تقوم على فعل الخير وترك الشر، وهذا هو الأمن الذي ينشده العالم كله، ولا يمكن أن يجده إلا في التربية الإسلامية.
ولقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى قرب كافل اليتيم منه في الجنة، كما روى سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى. [البخاري (7/76) ومسلم (4/2287)].
وكفالة اليتيم شاملة لتربيته والقيام بتعليمه وإصلاحه، وإصلاح أمواله وحفظها، وعدم الاعتداء عليها أو التفريط فيها، وشاملة كذلك للإنفاق عليه إذا لم يكن له مال، ولطف معاملته والرفق به، وقد أبرز الله العناية به في كتابه، فقال تعالى في حفظ ماله: ((وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً)). [النساء:2].

وقال تعالى: ((وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف، فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا)). [النساء:6].
وقال تعالى في إطعامه والإنفاق عليه: ((فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة)). [البلد: 11ـ15].
جعل تعالى الإنفاق على اليتيم وإطعامه في وقت المجاعة من أسباب قطع الطريق الصعب إلى الله تعالى. [راجع الجامع لأحكام القرآن (20/66)].

ومثل اليتيم المسكين والأرملة ونحوهما، كما قال تعالى: ((أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة)) [البلد: 15ـ16].
والسعي على الأرملة والمسكين وسد حاجتهما، نوع من الجهاد في سبيل الله ومن العبادة التي يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، كالصلاة والصيام، كما روى صفوان بن سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل). [البخاري (7/76)].
وفي رواية من حديث أبي هريرة: (كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر). [البخاري (7/77) ومسلم (4/2286)].

والمقصود أن إعانة المحتاج من الأمور التي يجب أن يربى عليها المجتمع، وهي غير منحصرة، فقد يحتاج المريض إلى الإسعاف، ويحتاج من ضعفت دابته، أو تعطل مركوبه من سيارة أو غيرها، إلى إعانة بنقله أو بإصلاح مركوبه، وقد يحتاج حامل الشيء الثقيل إلى حمله له، وقد يحتاج من فقد ماله إلى إعانة وهكذا...
فالحاجات غير متناهية، والإعانة مطلوبة في كل حال، والناس يختلفون في القدرة على الإعانة، فقد يكون بعضهم قادراً على شيء، والآخر قادراً على شيء آخر، فعلى كل واحد أن يعين المحتاجين حسب طاقته.
وتأمل حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته، يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة). [البخاري (3/224) ومسلم (7/699)].

(86)

المبحث الخامس: إفشاء السلام:

السلام تحية المؤمنين، وأفضلها أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ويجوز أن يقال: السلام عليكم ورحمة الله، أو السلام عليكم، والثانية أفضل من الثالثة.
قال تعالى: ((وإذا حيبتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، إن الله كان على كل شيء حسيبا)). [النساء:86].
وروى ابن جرير عن سلمان الفارسي، رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: (وعليك ورحمة الله) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعليك ورحمة الله وبركاته) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: (وعليك) فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي أتاك فلان وفلان، فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ؟ فقال: (إنك لم تدع لنا شيئاً، قال الله: ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها)) فرددناها عليك). [جامع البيان عن تأويل آي القرآن (5/190)].
وقال ابن كثير، رحمه الله – بعد أن ذكر ما أورده ابن جرير عن سلمان -:
"وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم ذكر ما رواه الإمام أحمد بسنده عن عمران بن حصين، أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم يا رسول الله" فرد عليه ثم جلس، فقال: (عشر) ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه، ثم جلس، فقال: (عشرون) ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس، فقال: (ثلاثون) وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه ". [تفسير القرآن العظيم (1/531) وأبو داود (5/379ـ380) والترمذي (5/52ـ53) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه].

والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، كما قال تعالى: ((هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن..)) [الحشر:23].
قال الإمام البخاري -رضي الله عنه: باب السلام اسم من أسماء الله تعالى ((وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردَوها)) ثم ساق بسنده حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه.
فقال: (إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم يتخير بعد من الكلام ما شاء). [البخاري (7/127) ومسلم (1/301ـ302)].

والذي يستعرض آيات القران الكريم التي ورد فيها ذكر السلام، يوقن بأنه أعظم تحية منحها الله عباده الصالحين في الدنيا والآخرة، فهي التحية التي أسبغها الله على رسله الكرام.
كما قال تعالى: ((سلام على نوح ني العالمين)) [الصافات:79]. (سلام على موسى وهارون)، [الصافات:120]. ((سلام على آل يس))، [الصافات:130]. ((وسلام على المرسلين)). [الصافات:181].
وهي تحية رسل الله في السماوات ورسله في الأرض، كما قال تعالى: ((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى، قالوا سلاماً قال سلام، فما لبث أن جاء بعجل حنيذ))، [هود:69]. ((هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلامٌ قوم منكرون)). [الذاريات:24ـ25].

وهي تحية رسل الله في الأرض وأتباعهم من المؤمنين، كما قال تعالى: ((وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم)). [الأنعام:54].
وهي تحية أصحاب الأعراف لأهل الجنة: ((ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم)). [الأعراف:46].

وهي تحية الملائكة في الآخرة لأهل الجنة، كما قال تعالى: ((جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، [الرعد:23ـ24]. ((الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون)). [النحل:32].
((وسيق الذين اتقوا إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)). [الزمر:83].

وفي الجنة يكرم الله عباده المؤمنين، فلا يسمعون لغو الكلام الذي كانوا يسمعونه في الدنيا فيؤذيهم، وإنما يسمعون هذه الكلمة المحبوبة: ((لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما)). [الواقعة: 25ـ26].
وهي تحيتهم التي لزموها في الدنيا فكانت تحيتهم في الجنة: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وأخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين))، [يونس: 10].
((وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام))، [إبراهيم:23].
((تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً)). [الأحزاب: 44].

وإن تحية أكرم الله تعالى بها عباده من الملائكة والرسل وأتباعهم في الحياة الدنيا والآخرة، وجعلها تحية المصلين لأنفسهم ولإخوانهم من عباد الله الصالحين، إن هذه التحية التي هذه منزلتها عند الله وعند أوليائه، لجديرة بالالتزام والنشر ولا يليق بالمؤمن أن يستبدل بها غيرها، وهي من الأسباب العظيمة الجالبة للمحبة والألفة والأمن والاطمئنان.
كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم). [مسلم (1/24)].
فإذا كان دخول الجنة مشروطاً بالإيمان، ومن لوازم الإيمان المحبة، وإفشاء السلام من أسبابها، فهل يليق بالمسلم أن يفرط في السلام؟

وقد شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم إفشاء السلام بين المؤمنين، بحيث لا يلتقي اثنان أو أكثر على أي حال من الأحوال التي يشرع فيها ذكر الله إلا حيا بعضهم بعضاً، فالماشي يسلم على القاعد، والراكب يسلم على الماشي، والقليل يسلم على الكثير، والصغير يسلم على الكبير، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) [البخاري (7/127) ومسلم (4/603)]. وفي رواية من حديث له: "يسلم الصغير على الكبير". [البخاري (7/127)].

ويسن أيضا أن يسلم الكبير على الصغير، لأنه قد يغفل هو عن البدء بالسلام، وفي ذلك قدوة له وتربية، تأمل كيف أثر سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض صبيان المدينة، فما كان ينسى أصحابه ذلك، بل كانوا يفعلونه كما حفظوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى ثابت البناني رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله ". [البخاري (7/131) ومسلم (4/1708) وكان أنس من صغار الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي خدمه عشر سنين].

وإن المسلم حين يلقى المسلم فيسلم عليه، ليزيل بذلك الوحشة من بينهما، ويفتح باب إقبال أحدهما على الآخر وشعوره بالألفة والمحبة، بل يشعر كل منهما بالأمن مع أخيه، ولذلك ترى - غالباً - الابتسامة والبشر على وجوه من بدأوا بالسلام أو ردوه، بخلاف ما إذا التقى اثنان فأكثر، فلم يسلم أحد على أحد، فإنك ترى وجوههم عابسة غير طلقة، وكل منهم لا يشعر بذلك الأمن والاطمئنان الذي يشعر به المُسَلِّم والمُسَلَّم عليه.

ولقد أهمل كثير من المسلمين هذه التحية، إذ تجد الرجل يمر بأخيه وجها لوجه، فلا يحييه بها، وترى الابن يلتقي بأبيه فلا يسلم عليه، بل الأدهى من ذلك أن تسمع المسلم يفشي تحية الكفار بلغتهم ويهمل تحية الإسلام، وقد ابتلى الله المسلمين بالعداوة والبغضاء ونزع من نفوسهم محبة بعضهم بعضاً، وجعلهم يعيشون عيشة خوف بعضهم من بعض، بدلاً من عيشة الأمن والسلام التي تضمنتها تحية الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


المبحث التاسع: الإيثار

الإيثار تقديم الإنسان غيره على نفسه فيما هو في حاجة إليه من أمور الدنيا، وتقابله الأثرة، وهي: استبداد الإنسان بالشيء وتسلطه عليه دون غيره.
فالإيثار أعلى درجات المعاملة مع الناس، ويليه العدل، وهو كما سبق اختصاص كل إنسان بحقه، وأسوأ درجات المعاملة الأثرة. وإن الإيثار يرفع المجتمع إلى قمة الأمن، لأن أفراده ارتفعوا عن حظوظهم الدنيوية، وآثر بها كل فرد أخاه، فهو لا يفكر في أخذ حقه كاملاً فضلاً عن التفكير في الأثرة والاستبداد.

والعدل يجعل المجتمع يتمتع بالأمن، لأن أفراده لا يفكرون في ظلم بعضهم بعضا، وإنما يحاول كل منهم أن يحصل على حقه كاملا، وأن لا يقع منه على صاحبه ظلم في شيء، فلا يظلم ولا يظلم.
ولا شك أن هذه الدرجة دون الأولى، لما يحصل فيها من المشاحة والمطالبة بالحقوق، وقد ينجم عن ذلك نزاع وخصام، ولكن ذلك لا يخل بالأمن، ما دام كل واحد وقافاً عند حقه غير طامع في حق سواه.

أما الأثرة فهي الوباء الفتاك الذي يجتث جذور الأمن من أساسها: إذ يكون أفراد المجتمع لا هم لهم إلا الحصول على أكبر قسط من الحطام الفاني، سواء كان الحصول عليه بالحق أم بالباطل، وصاحب القوة هو صاحب الأثرة والاستبداد.
لهذا تجد مجتمع الأثرة مجتمعا متنافسا في الدنيا متسابقا على حطامها، يحاول كل فرد وطائفة أن يقوي نفسه حتى يتمكن بقوته أن يستأثر ويستبد، فيسود ذلك المجتمع القلق والتصارع والقتال والثارات، وبذلك يختل أمنه، وينتشر الخوف بين أسره وأفراده، وكلما كان الإنسان أكثر أثرة، كان أكثر بعداً عن طاعة الله، لأن طاعة الله تعالى إذا توافرت في الإنسان، قل طمعه في الدنيا، وخفت الأثرة عنده وطمع فيما هو أكثر رضا لله تعالى.

لهذا حث الله تعالى على الخلق الأسمى، وهو خلق الإيثار الناتج عن الرغبة فيما عند الله، والتخلي عن خلق الشح والحرص، وقد حاز قصب السبق في ذلك أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل المدينة مع إخوانهم المهاجرين، وسجل الله لهم ذلك في كتابه، ليقتدي بهم من جاء بعدهم.

فقال عـز وجل: ((والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)). [الحشر:9].

إيثار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه

ومعلوم أن قدوة الصحابة رضي الله عنهم، ومن تبعهم بإحسان، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قدوتهم في كل خلق فاضل، وذكر أمثلة إيثار الرسول صلى الله عليه وسلم على نفسه يطول.

فلنكتف بذكر مثال واحد على ذلك:
قال الإمام البخاري رحمه الله: "باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتخليهم من الدنيا "
ثم ساق حديثا لأبي هريرة، رضي الله عنه، أذكره بنصه مع طوله، لما فيه من العبرة والقدوة الحسنة، حيث يؤثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه الفقراء بالشرب قبله، ولم يشرب إلا ما فضل بعدهم، وكان جائعا مثلهم.

حدث مجاهد، رحمه الله، أن أبا هريرة، رضي الله عنه، كان يقول: "والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسم حين رآني، وعرف ما في نفسي وما في وجهي.
قال: (أبا هريرة) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق)، ومضى، فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: (من أين هذا اللبن)؟ قالوا: أهداه لك فلان، أو فلانة.
قال: (أبا هريرة) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (الحق إلى أهل الصفة، فادعهم لي) قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته صدقه بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟
ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بدٌّ، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: (أبا هريرة) قلت: لبيك يا رسول الله قال: (خذ فأعطهم) قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي القوم كلهم.
فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم، فقال: (أبا هريرة) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (بقيت أنا وأنت) قلت: صدقت يا رسول الله، فقال: (اقعد فاشرب) فقعدت فشربت، فقال: (اشرب) فشربت، فما زال يقول: (اشرب) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكاً، قال: (فأرني) فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة". [البخاري (7/179ـ180)].

وفي الحديث - زيادة على إيثاره صلى الله عليه وسلم أصحابه - تربية غيره على الإيثار، لأن أبا هريرة رضي الله عنه، هو الذي تعرض للرسول صلى الله عليه وسلم، لشدة جوعه، يريد الحصول على ما يقيم صلبه، فجعله ينادي أهل الصفة، وطلب منه أن يسقيهم كلهم قبله - وهذا ما كان يخافه أبو هريرة - ولكنه خاف نفاد اللبن فكثره الله تكريما لنبيه صلى الله عليه وسلم.
وهكذا سما مجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خلق الإيثار فضربوا أروع الأمثلة للبشرية في هذا الباب، كغيره من أبواب الخير.

وفي قصة سعد بن الربيع، مع عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهما، عندما آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عرض سعد على عبد الرحمن أن يقاسمه ماله ويتنازل له عن إحدى زوجتيه، فيطلقها فإذا انتهت عدتها تزوجها عبد الرحمن، في هذه القصة مثل رائع للإيثار الذي اتصف به مجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد روى إبراهيم بن سعد، عن أبيه عن جده، رضي الله عنه قال: لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، قال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي أمرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم، فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مهيم) قال: تزوجت، قال: (كم سقت إليها(؟ قال: نواة من ذهب.. [البخاري (4/222)].

إن سعدا رضي الله عنه لم يكتف بعرض نصف ماله على أخيه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان المال كافياً للنفقة على نفسه ولأداء مهر لامرأة يتزوجها والإنفاق عليها، لم يكتف سعد بذلك بل أراد أن يتساوى هو وأخوه في الإسلام في كل ما يملك.
وإذا كان سعد الأنصاري قد وصل إلى تلك القمة من الإيثار، فإن عبد الرحمن المهاجري قد وصل إلى قمة الزهد والقناعة والاستغناء بالله عن الناس، فآثر أن يسعى بنفسه في كسب رزقه، حتى أغناه الله.
إن المجتمع الذي يوجد فيه من يؤثر غيره على نفسه، كما يوجد فيه من يزهد فيما عند غيره، ويقنع بما يؤتيه الله ويفضل أن ينفق على نفسه من كسب يده، إن هذا المجتمع جدير أن يعيش في أمن واستقرار يظلله الحب والتعاون والوئام.

ومن الأمثلة الرائعة للإيثار في مجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة الأنصاري وامرأته، مع ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث آثراه بقوت صبيانهما الصغار، وباتوا طاوين من أجل إشباع الضيف، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يضم أو يضيف هذا)؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: "أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما)، فأنزل الله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه، فأولئك هم المفلحون). [البخاري (4/226) ومسلم (3/1624) والآية في سورة الحشر:9].

وتنافس المجتمع الإسلامي في الإيثار بشئون الدنيا، يقابله تنافسهم في الطاعات التي لم يجعلها الشارع محلا للإيثار، كمتاع الدنيا.
قال ابن القيم رحمه الله: "فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق، وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتا، ولا يفسد عليك حالاً، ولا يهضم لك ديناً ولا يسد عليك طريقاً، ولا يمنع لك وارداً، فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحداً كائناً من كان، وهذا في غاية الصعوبة على السالك والأول أسهل منه.
فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله، هو الإيثار بالدنيا، لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب" إلى أن قال: "فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلاً للإيثار، بل محلاً للتنافس والمسابقة. [طريق الهجرتين وباب السعادتين ص529ـ531، طبع الشؤون الدينية بقطر].

والمجتمع الذي يتنافس أفراده في الإيثار بالدنيا ومتاعها، ويتنافسون في الطاعات والقربات، هو المجتمع الذي لا يمكن أن يوجد في الأرض مجتمع مثله ينعم بالأمن والمحبة والسلام.

والذي يتأمل أحوال المسلمين في هذا الزمان، يرى أن الخوف والمحن التي نزلت بهم آتية من فقد هذين الأصلين، وهي ناتجة عن أصلين مضادين لهما، وهما التنافس على حطام الدنيا، والتسابق إلى معاصي الله، والقعود عن التنافس في طاعته.
وذلك هو الشح الذي هلكت به الأمم: الشح بطاعة الله والشح بالدنيا، كما روى جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) [مسلم (4/1996)].

وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته، من الشح الذي يصاحبه نقص العمل الصالح وكثرة القتل، وهو ما نراه في هذا الزمان رأي العين، وهو يزداد كثرة كل يوم.
روى أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج) قالوا: وما الهرج؟ قال: (القتل القتل). [البخاري (7/82)].

وينبغي أن لا يغيب عنا، أن صفة الإيثار صفة نادرة، لا يملكها إلا نادر المتقين من عباد الله، وأنه لا يُطمع في كثرة أهلها في المسلمين، ولكنها ليست مستحيلة، ولا هي مما لا يطيقها المكلفون، ويستطيع من جاهد نفسه على طاعة الله وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه نفسه، ويدفعه إليه هواه، أن يحقق من الإيثار ما حققه في جهاد نفسه لله...

ومع علمنا بندرة صفة الإيثار وأهلها، يجب أن نوطن أنفسنا على التزام رتبة العدل، وهي الرتبة الثانية من التعامل فيما بيننا، فنلجم أنفسنا عن الظلم والعدوان، ونعطي كل ذي حق حقه، في كل شئون الحياة، ليتحقق الأمن، وينتفي الخوف والقلق، وفي ذلك فضل كثير وخير وفير، تسعد به الأمة، وتزول به المخاطر وتنقشع الغمة، وإن لم يرق إلى درجة الإيثار، وليبق الإيثار هدفا لنفوس أكثر طموحا إلى الدرجات العلا، وأعظم طلبا للاستباق إلى رضا المولى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.

(93)

المبحث العاشر: حسن الظن

إن الأصل في المؤمن أن تُحمل أفعاله وأقواله على الخير، وإذا صدر منه قول أو فعل تأكد خطأه فيه، فالأصل أن يحمل على حسن نيته، إلا إذا دل دليل واضح على خلاف ذلك.
وبهذا الأصل يسد المسلمون المنافذ التي يلج منها الشيطان، للإيقاع بينهم، ويغريهم بالخصام والشجار وسوء الظن والتهاجر والتقاطع والتدابر، لأن المسلم إذا اجتهد في حمل تصرفات أخيه المسلم على الخير، سلم عليه قلبه، وبقي معه على الإخاء والمودة والائتلاف، وأمن كل واحد صاحبه ولم يتخونه.

وقد أمر الله المؤمنين بهذا الأصل في معاملة من أعلن إسلامه، أو أتى بقرينة تدل على ذلك فور وجود ذلك منه، ولو كان قبل لحظة من إسلامه عدواً محارباً في أرض المعركة، ولو خاف المسلمون أنه إنما قال ما قال أو فعل ما فعل متعوذاً، فإن ذلك لا يجوز أن يحملهم على سوء ظن يجعلهم يعاملونه معاملة الكافر.
كما قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم، فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا)). [النساء:94].

والتثبت من صحة إسلام الكافر أمر مطلوب، ولكن سوء الظن الذي ينبني عليه عدم تصديقه ومعاملته معاملة الكافر، غير مرضي عنه عند الله تعالى، والمشروع تغليب حسن الظن على سوئه.

وقد أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الإنكار، على أسامة حين قتل من قال: لا إله إلا الله، ظناً منه أنه إنما قالها ليتقى بها القتل، قال أسامة: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته.
قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أسامة، أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله)؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذاً، قال، فقال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله)؟ فما زال يكررها عليّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم". [البخاري (5/88) ومسلم (1/96ـ97)].

وقد عاتب سبحانه وتعالى من تورط في حديث الإفك، وبين أنه كان يجب عليهم أن يظنوا بأنفسهم خيراً - والمؤمن المتهم هو من أنفس المؤمنين - وأن يقولوا: إن ذلك إفك بيِّن واضح، بدلا من الاتهام، عملاً بذلك الأصل الذي هو حسن ظن المسلم بأخيه المسلم، حتى يثبت بالبرهان خلاف ذلك الأصل.
قال تعالى: ((لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين)). [النور:12].

وأمر سبحانه وتعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وهو كل ظن لم يقم عليه دليل، وأن بعض الظن إثم، قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا)). [الحجرات:12].

قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى ناهياً عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله، لأن بعض ذلك يكون إثماً محضاً، فليجتنب كثير منه احتياطاً. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال: "ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً" [تفسير القرآن العظيم (4/212)].

ولقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الظن السيء، كما حذر منه القرآن الكريم.
روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث). [البخاري (7/88) ومسلم (4/1985)].

وكم حطم سوء الظن الكاذب أسراً ومجتمعات ودولاً، بسبب عدم التأدب بأدب الإسلام، والعمل بالأصل الذي هو حسن الظن بالمسلم، فإذا ترك هذا الأصل أخذ الشيطان يصور للمرء أموراً كثيرة من التهم لأخيه المسلم، وتزداد يوماً بعد يوم حتى يصبح عنده عدواً لدوداً، ثم يأخذ في التخطيط للقضاء على عدوه المزعوم، دفاعاً عن نفسه وثأراً لها، ويعد كل ما في استطاعته للإضرار به، حتى يستحكم النزاع ويصل إلى ما لا تحمد عقباه من الفتن.

والسبب الأول في ذلك كله، هو سوء الظن الذي لا يسنده دليل، وهذا ما دأب عليه كثير من المسلمين في هذا العصر أفراداً وجماعات ودولاً، لذلك كثرت بينهم الخلافات والمهاترات، واشتغل المسلمون بعضهم ببعض، اتهاماً ودفاعاً ونسوا الواجب الذي كلفهم الله إياه، وهو الفقه في الدين والعمل به والدعوة إليه والجهاد في سبيل الله، واجتماع الكلمة ونبذ التفرق والخلاف.

هذا كله إذا كان الظن لا دليل عليه، وظاهر المسلم المظنون به الخير والصلاح والبعد عن الريب، أما إذا قام على ذلك دليل يرجح وجود ما ظن الظان في صاحبه، فإن ذلك الظن حينئذ لا شيء فيه، بل هو مشروع وقد يجب، حذراً من صاحبه. [راجع شرح السنة للإمام البغوي (13/110ـ111) والجامع لأحكام القرآن (16/330ـ332)].

(94)

المبحث الحادي عشر: نصر المظلوم

جرى التقدير الكوني أن يكون في البشر القوي والضعيف، والظالم والمظلوم، والأصل في الظلم أن يكون صادرا من القوي ضد الضعيف، لأن الضعيف، لا يقدر على ظلم القوي جهراً، وإن كان قد يحتال ليظلم بالدس والخداع والحيل.
ولما كان الظلم مهلكاً لعامة الناس، تحتم عليهم التعاون على دفعه قبل حصوله، ورفعه بعد نزوله، والتناصر على الظالم دفعا لظلمه عن أنفسهم، وهذا المعنى يقتضيه العقل السليم والقواعد العرفية والأخلاقية، وإذا لم يتناصر الناس على دفع الظلم وإزالته، والأخذ على يد الظالم، عم الظلم وانتشر وأفسد العباد والبلاد.
ولهذا أوجب الله تعالى على المسلمين أن ينصروا المظلوم على ظالمه، تنفيذا لقاعدة التعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، كما قال تعالى: ((وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)). [المائدة:2].

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بنصر المظلوم على ظالمه، كما روى أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: (تأخذ فوق يديه) [البخاري (3/98)] يعني تحجزونه عن ظلمه.

وفي حديث البراء بن عازب، رضي الله عنهما قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع.. فذكر: عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم". [البخاري (3/98)].
في حديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قال: "اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: ياللأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما هذا دعوى أهل الجاهلية)؟ قالوا: لا يا رسول الله، إلا أن غلامين اقتتلا، فكسع أحدهما الآخر، قال: (فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالماً أو مظلوماً، إن كان ظالماً فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره). [البخاري (6/65) ومسلم (4/1998)].

ولو أن المسلمين تناصروا فيما بينهم، فنصروا المظلوم على ظالمه، سواء حضر المظلوم أم غاب، وسواء كان فرداً أم جماعة، حاكماً أم محكوماً، لساد بينهم الأمن وابتعد الظالم عن ظلمه، لعلمه بأن المسلمين لا يقرونه عليه ولا يسلمون له المظلوم.
ولكن تركهم لهذه الفريضة، كغيرها من الفرائض، كان سبباً في انتشار الظلم في الأرض، وذاق كل فرد أو جماعة أو دولة مرارة الظلم، لرضاهم به عندما يقع على غيرهم، أو سكوتهم عنه مع قدرتهم على الوقوف في وجه أهله.

(95)

المبحث الثاني عشر: ستر المسلم

إن الله تعالى يبغض المعاصي ويبغض أهلها، كما يحب الطاعات ويحب أهلها، لذلك أمر عباده بطاعته، ونهاهم عن معصيته، ورتب على طاعته ثوابه ورضاه، كما رتب على المعصية مقته ووعيده. ولما كان سبحانه يحب الطاعة، فهو يحب ظهورها وانتشارها والحديث عنها في المجتمع.
ولما كان يبغض المعصية، فإنه يكره ظهورها وشيوعها في المجتمع، ومن هنا شرع سبحانه للمؤمن إذا قارف حوباً أن يستر نفسه، كما شرع للمسلم إذا اطلع على ذنب من أخيه أن يستره.

روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من المجانة [الاستهتار وعدم المبالاة]، أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه). [البخاري (7/89) ومسلم (2291)].
وسأل رجل ابن عمر، رضي الله عنهما، فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: (يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم فيقرره، ثم يقول: سترت عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم). [البخاري (7/89) ومسلم (4/2120)].

هكذا شرع الله للمسلم إذا اقترف ذنباً أن يستر نفسه، والله عـز وجل امتن على عبده بستره له في الدنيا ومغفرته له في الآخرة، والمغفرة هي الستر وعدم فضح المذنب أمام الأشهاد ومحو ذنبه.

أما ستر المسلم أخاه المسلم، فقد ورد فيه ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة). [البخاري (3/98) ومسلم (4/1996)].

وهنا قد يرد سؤال، وهو: كيف يجمع بين ستر المسلم أخاه المسلم وبين قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
وأجاب عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله، فقال: "وليس في هذا – يعني ستر المسلم – ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه، ويحمل الأمر في جواز الشهادة عليه بذلك، على ما إذا أنكر عليه ونصحه فلم ينته عن قبيح فعله، ثم جاهر به، كما أنه مأمور بأن يُسْتَر إذا وقع منه شيء، فلو توجه إلى الحاكم وأقر لم يمتنع ذلك، والذي يظهر أن الستر محله في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه، وإلا رفعه إلى الحاكم…". [الفتح (5/97)].

هذا وفي ستر المسلم نفسه، وستر المسلم أخاه المسلم إذا ارتكب معصية، سد لذريعة فشو المعاصي وانتشارها في المجتمع، لأن في فشوها وانتشارها استمراء أفراد المجتمع لها، وبخاصة إذا تكرر ذكرها ونسبتها إلى فلان وفلان.
كما أن في ستر المسلم أخاه المسلم إعطاءه فرصة للتوبة والندم والرجوع إلى الله تعالى، وزيادة المحبة بين الساتر والمستور، بخلاف ما إذا هتك ستره فإن في ذلك – فوق فشو المعاصي – تأجيج نار العداوة بينهما، وفيه تجريئ للعاصي على استمراء المعصية، لأنه بعد ظهورها للناس يستهين بها، وقد يتمادى في ارتكابها لقلة حيائه، بخلاف ما إذا كانت مستورة، فإن في ذلك ما يدفعه إلى تركها حياء من أن تظهر بين الناس.

(96)

المبحث الثالث عشر: تعليم الجاهل والرفق به.

الجهل داء عضال، وإقدام الجاهل على المعصية غير مستنكر، لذلك يجب على المجتمع أن يتعاون أفراده على تعليم بعضهم بعضاً، ما يجهلونه من أمور دينهم ومعاشهم، حتى تقوم الحجة عليهم، ويكفوا عن اعتداء بعضهم على حقوق بعضهم.
والعالم الذي يكتم علمه عن المحتاج إليه معرض للعنة الله، كما قال سبحانه: ((إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم)). [البقرة:159ـ160].

وتوعد سبحانه كاتم العلم بالنار، وأن الكتمان، لا يحصل إلا ممن استبدل الضلال بالهدى الذي آتاه الله ليهتدي به، فحرم نفسه منه وحرم الناس، لأن في كتمان العلم خفاء الحق على الناس والتباسه بالباطل، وذلك من أسباب الخلاف والشقاق المؤديين إلى فقد الناس الطمأنينة والأمن.
قال تعالى: ((إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد)) [البقرة:174ـ176].

والمجتمع الذي يتعلم أفراده دين الله ويفقهونه، لا سيما ما يتعلق بفروض العين التي تجب على كل فرد بعينه، وفروض الكفاية التي تقوم بها طائفة كافية منه، هو مجتمع خير، ومن أهم ما يدخل في ذلك الخير أمن المجتمع من اعتداء بعض أفراده على بعض، بسبب فقههم في دين الله.
أما المجتمع الجاهل الذي لا يدري أفراده أحكام تصرفاتهم أحلال هي أم حرام؟ فإنه مجتمع سوء وبلاء، ومن السوء الذي يصاب به المجتمع، فقده الأمن لتعدي بعض أفراده على بعض، بسبب جهلهم في الغالب.

وقد تضمن هذا المعنى حديث معاوية، رضي الله عنه، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) [البخاري (1/25ـ26) ومسلم (3/1524)].
فدل الحديث بمنطوقه على أن من فقهه الله في الدين فقد أراد به الخير، ودل بمفهومه أن الذي لم يفقهه في الدين، فهو محروم من الخير واقع في الشر.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص أشد الحرص على نشر العلم وقيام سامعه وشاهده بتبليغ من غاب عنه، وبخاصة ما يتعلق بحقوق الناس التي يأمنون بسلامتها من الاعتداء عليها، ويخافون إذا اعتدى عليها معتد.

روى أبو بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (...فإن دماءكم وأموالكم.. وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هكذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجِعُنَّ بعدى كفارا... يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه) ثم قال: (ألا هل بلغت(؟ [البخاري (2/191) ومسلم (3/1305) وما بعدها..].

وإذا كان الواجب على العالِم أن يعلم ولا يكتم ما يجب عليه بيانه للناس، فإن الواجب على الجاهل أن يتعلم ويسأل أهل العلم عما يجب عليه عمله.
قال تعالى: ((فاسألوا أهل الذكر، إن كنتم لا تعلمون)) [النحل:43].
وينبغي أن يكون العالم رفيقاً بالجاهل في تعليمه، مرغباً له فيه بالوسائل المتاحة التي تجعله يقبل عليه ويحبه، بخلاف ما إذا كان غليظا شديدا، فإن المتعلم ينفر منه ولا يستفيد من علمه ولا يحبه المحبة التي تجعله يقتدي به.

والقدوة في رفق العالم بالجاهل، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي علم أصحابه كيف يعاملون الجاهل.
تأمل في ذلك قصة معاوية بن الحكم السلمي، رضي الله عنه، ونفوره من أسلوب تعليم بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتأثره بتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك الأسلوب النبوي العالي، الذي جعل معاوية يزيد إقبالا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسؤاله عن بعض الأمور التي كان يجهل حكمها.

قال معاوية، رضي الله عنه: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. [مسلم (1/381ـ382)]. ثم أخذ يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور.

كان معاوية رضي الله عنه يتوقع – فيما يبدو - تأنيبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلامه في الصلاة، الذي كان سبباً في تلك النظرات المستنكرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وجد ذلك الرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سكنت نفسه وطاب خاطره، فقال ما قال.

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابياً يبول في المسجد، ونهى أصحابه رضي الله عنهم عن تأنيبه، ودعا بماء فأمر بصبه على موضع بوله، كما في حديث أنس رضي الله عنه، قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه، مه (وفي رواية: فصاح به الناس)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، دعوه) فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه، فقال له: (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن)، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه". [البخاري (7/80) ومسلم (1/236ـ237)].

وروى أبو هريرة الحديث بلفظ: أن أعرابياً دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد تحجرت واسعا) ثم لم يلبث أن بال في ناحية المسجد، فأسرع الناس إليه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين، صبوا عليه سجلاً من ماء) أو قال: (ذنوبا من ماء). [أبو داود (1/263ـ265) والترمذي (1/275ـ277) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

فلو أن علماء المجتمع الإسلامي وطلبتهم، بذلوا جهدهم في تعليم جهاله بهذا العطف والرفق، لأثروا بتعليمهم وأسلوبهم في الجهال، تأثيراً يجعلهم يستجيبون لتنفيذ أمر الله وهدايته، ويكفون عن ارتكاب ما يقلق المجتمع ويفقده الأمن والسلام.

(97)

المبحث الرابع عشر: الإحسان إلى الجار

لقد أوصى الله تعالى بالإحسان إلى الجار، كما أمر بالإحسان إلى الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين، فقال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمسكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا). [النساء:36].
وفسر بعض العلماء الجار القريب بالمسلم، والجار الجنب باليهودي والنصراني وغيرهما. [الجامع لأحكام القرآن (5/183ـ184،188)].
ويشمل الإحسان إلى الجار، بذل الخير له مواساة وعشرة حسنة وتعليما ونصرا وكف أذى وغيرها. [المرجع السابق (5/184)].

وكل دار قرب من دار المرء فأهله جيران له، وكلما كانت الدار أقرب، كان أهلها أكثر استحقاقا لإحسانه من غيرهم، وذكر بعض العلماء أن حد الجيرة أربعون داراً من كل ناحية، ونقل عن آخرين أن من سمع النداء فهو جار. [المرجع السابق (5/185)].
وبتصور هذا الحد يظهر أن الجيرة تشمل مدنا بأسرها، لأن الذي لا يكون جارا للمرء، يكون جارا لجاره، وهكذا، فإذا لم ينل المرء إحسان رجل لكونه ليس جارا له، ربما ناله إحسانه على يد جار المحسن ماديا كان كالهدايا والهبات، أو معنويا كالتعليم والقدوة الحسنة والأخلاق الحميدة، فإن الجار يؤثر في جاره، وهذا يؤثر في جيرانه وهكذا.
تصور لو أن كل مسلم وأسرته اجتهدوا في إيصال إحسانهم إلى أربعين داراً من جيرانهم من جميع الجهات المحيطة بدارهم، وهذا الإحسان كما تقدم يشمل الإحسان المادي والإحسان المعنوي، كيف سيكون حال المجتمع الإسلامي في تعاونه وتحابه وأمنه؟

وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بحق الجار وحث عليه بأساليب متنوعة، ويجمعها أمران:
الأمر الأول: الحض على إكرامه بصفة عامة، ومواساته.
الأمر الثاني: التحذير من إيذائه.
فمن أمثلة الأمر الأول ما يأتي: حديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) [البخاري (7/78) ومسلم (4/2025)].
وحديث أبي شريح رضي الله عنه، قال: سمعت أذناي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبصرت عيناي حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخرة فليكرم جاره...). [البخاري (7/79) ومسلم (1/69)].

ومن أمثلة أداء حقوقه ومواساته أن لا يبيع الجار داره لغير جاره إلا بإذنه، كما روى عمرو بن الشريد، قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص، فجاء المسور بن مخرمة، فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا سعد، ابتع مني بيتي في دارك، فقال سعد: والله ما ابتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعهما قال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة، قال أبو رافع: لقد أعطيت بهما خمسمائة دينار، ولولا أنى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الجار أحق بسقبه) ما أعطيتكهما بأربعة آلاف، وأنا أعطي بهما خمسمائة دينار، فأعطاها إياه ". [البخاري (3/47) والسقب: القرب، أي أحق بدار الجار القريبة منه].
وقد استدل بالحديث من رأى الشفعة للجار، وإن لم يكن شريكاً، والكلام في ذلك مفصل في كتب الفقه وشروح الحديث في الباب الخاص بالشفعة.

ومن ذلك إذن الجار لجاره أن ينتفع بجداره في ما لا يعود عليه بضرر، مثل غرز خشبة فيه وربط حبل أو إسناد حائط عليه، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ثم قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم". [البخاري (3/102) ومسلم (3/1203)].

ومن ذلك مواساة الجار وإهداؤه ما تيسر من طعام أو غيره، لما فيه من جلب المحبة والمودة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يا نساء المسلمين لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة). [البخاري (3/128ـ129) ومسلم (2/714) وفرسن الشاة ضفرها..].
وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه، قال: إن خليلي أوصاني (إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه، ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف). [مسلم (4/2025)].
وسألت عائشة، رضي الله عنها، رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: (إلى أقربهما منك باباً) [البخاري (8/79)].

ونهى صلى الله عليه وسلم أن يبيت الرجل شبعاناً، وجاره جائع.
روى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يشبع الرجل دون جاره). [أحمد (1/54ـ55)].
والذي يظهر من هذه الأحاديث وغيرها، أنه إذا استوى الجيران في الحاجة وعدمها قدم الجار الأقرب في الهدية والهبة ونحوها، إذا لم يكن عند الجار ما يسع الجميع، أما إذا كان بعض الجيران مكتفياً والآخر ذا مخمصة، فإنه يقدم المحتاج على غيره، لحديث أبي ذر السابق: (انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم) وحديث عمر المذكور، وفيه النهي عن أن يشبع الجار دون جاره، والله أعلم.

ومن أمثلة الأمر الثاني – وهو التحذير من إيذاء الجار – ما يأتي:
حديث أبي شريح، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: (من لا يأمن جاره بوائقه). [البخاري (7/78)]. والمراد بالبوائق: الغوائل والشرور والدواهي، وهي تشمل كل ضرر.
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره). [البخاري (7/78ـ79)].
في هذين الحديثين النهى عن إيذاء الجار بصفة عامة.

وجعل صلى الله عليه وسلم من أكبر الذنوب الزنا بامرأة الجار، كما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تدعو لله ندا وهو خلقك) قال: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك) قال: ثم أي؟ قال: (أن تزاني حليلة جار)، فأنزل الله ? وجل: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً) [البخاري (5/140ـ148) ومسلم (1/90ـ91) والآية من سورة الفرقان:68].

ونصب صلى الله عليه وسلم ثناء الجيران على جارهم وذمهم له، مقياساً للإحسان والإساءة، كما في حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله، كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو إذا أسأت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعت جيرانك يقولون: أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: أسأت فقد أسأت) [ابن ماجة (2/1412) قال المحقق: " الزوائد": إسناد حديث عبد الله بن مسعود هذا صحيح، رجاله ثقات، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق عبد الرزاق به"].

قد يقال: إن الرجل الصالح قد يجاور أهل السوء فلا يثنون عليه خيراً، لمفارقته لهم في تمسكه بدينه وأخلاقه وبعدهم عن ذلك، ولكن الواقع أن الرجل الصالح الذي يكون حسن الأخلاق في معاملته للناس، تجد الناس يذكرونه بالخير في معاملته، ولو كانوا فساقاً أو كفاراً وإن خالفوه في معتقده وسلوكه في الغالب، ولكن بعض الناس قد يظهر بمظهر الرجل الصالح في عبادته وهو يسيء إلى الناس في معاملته، فيذكرونه بسوء، وقد يظن من لا خبرة له به، أن جيرانه يفترون عليه، ولكنه إذا خالطه وجده فظاً غليظ القلب ظالما في معاملته للناس، فلا يغتر بالظواهر وحدها حتى تضاف إليها المخابر، وقد يوجد في الناس من يهضم حقوق الناس، فلا عبرة به.

وذكر صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة سوء المجاورة، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة). [أحمد (2/162)].
وعنه - أيضا - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله خيركم لصاحبه، وخير الجيران خيركم لجاره) [أحمد (2/168)].
وبهذا يعلم أن أداء حقوق الجار والإحسان إليه ومواساته وكف الأذى عنه، من أعظم ما يحقق الأخوة الإسلامية بين المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويجعل بعضهم يأمن بعضاً.

(98)

المبحث الخامس عشر: حب الطاعات وبغض الفواحش

خلق الله سبحانه الخلق لعبادته، وأمرهم بطاعته، وحبب إلى عباده المؤمنين الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ونهى سبحانه عن الفحشاء والمنكر، ووقف إبليس - لعنه الله - للناس بالمرصاد يبغضهم في طاعة الله ويزين لهم الفحشاء والمنكر.
والواجب على المجتمع المسلم أن يجتهد في تحقيق أفراده عبادة الله وطاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يطهرهم من المعاصي والفواحش التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها، لأن المجتمع الذي تنتشر فيه الفاحشة يفقد السعادة والراحة والأمن على نفسه وماله وعرضه، والمجتمع الذي تنتشر فيه الطاعة والعبادة يتمتع بالرحمة والطمأنينة والمحبة.

وقد دلت ا الآيات القرآنية أن في طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والرحمة الفوز العظيم في الدنيا والآخرة، وأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وحذر من مخالفة أمره.
قال تعالى: ((ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)) [النور:52].
وقال تعالى: ((ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما)) [الأحزاب:71].
وقال تعالى: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم)) [التوبة:71].

وقيد سبحانه طاعة أولي الأمر بعدم التنازع، فإذا حصل تنازع بين أولي الأمر والرعية، وجب الاحتكام إلى الله والرسول، حتى لا يطغى أحد على أحد بمعصية الله تعالى.
قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)) [النساء:59].
وقال تعالى: ((وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين)) [المائدة:92].
وأخبر تعالى أنه يحب المتقين، وهم أهل طاعته، فقال: ((فإن الله يحب المتقين)) [آل عمران: 76]. ((إن الله يحب المتقين)) [التوبة:4].

وأوجب سبحانه وتعالى محبته على عباده، ودلهم على ما يحققها، وهو العمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أي طاعته وطاعة رسوله.
فقال تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)) [آل عمران: 31].

كما أخبر سبحانه وتعالى أنه حبب إلى عباده المؤمنين الإيمان والطاعة، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وذلك من أعظم نعمه عليهم، لأنهم بذلك يكونون أهل رشد وهداية، ويكون غيرهم أهل غي وضلال، وأهل الرشد هم أهل التمكين والأمن والسعادة، وأهل الضلال هم أهل الشقاء والخوف والنكد.
قال تعالى: ((وأعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم)) [الحجرات: 7ـ8].

ويفهم من هذه الآية أن من يسعى لنشر الكفر والمعاصي والفسوق في المجتمع ليس من الراشدين، وإنما هو من السفهاء الضلال الذين يريدون غير ما يريد الله، الله يريد تطهير المجتمع من كل فاحشة، وهم يريدون تنجيس المجتمع بنشر كل فاحشة فيه وإشاعتها، كما قال تعالى: ((والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)) [النساء:27].

وقد أوجز ابن كثير رحمه الله الطوائف التي تتبع الشهوات وتريد غير مراد الله، من الميل عن هداه إلى ضلالهم وفسادهم، فقال: "أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما" [تفسير القرآن العظيم (1/479)].

وإن الذي يتأمل ما خططه اليهود والنصارى وأتباعهم من الملحدين، من المناهج التعليمية والاجتماعية والإعلامية وغيرها لصرف الناس، وبخاصة المسلمين، عن شرع الله الذي ارتضاه لهم، إلى اتباع الشهوات والانغماس فيها، يعلم معنى قوله تعالى: ((ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما)).

ويعلم كذلك مغزى ذكر ابن كثير رحمه الله أئمة أتباع الشهوات، وهم اليهود والنصارى والزناة، فقد أغرقوا الناس في الشهوات وصرفوهم عن دين الله، وأرادوا لهم غير ما أراد لهم خالقهم ولذلك أذلهم الله.
وهذا الميل هو الذي نصبه غلاة العلمانيين من أبناء المسلمين أنفسهم، للدعوة إليه فأجرموا في حق أمتهم أكبر إجرام، عندما أقصوا دين الله من حياة الناس، وفتحوا لهم كل أبواب الإغواء والشهوات.

وإذا أراد المجتمع الإسلامي أن ينجو من ذلك كله، فعليه أن يطهر نفسه من رجسهم وينبذهم من صفوفه، لأنهم يحبون غير ما يحبه الله ويريدون للناس غير ما أراد الله، يحبون الكفر والفسوق والعصيان، ولو تظاهروا بأنهم مسلمون، والله يحب الإيمان والطاعة والخير.

كيف يكون مسلما من أحب شرع غير الله في كل أنظمة الحياة، واحتضنه وأيده ونفذه، وأبعد حكم الله ورسوله عن حياة الناس، وأحب الفاحشة واجتهد في نشرها بكل وسيلة، وكره الطاعة وصد عنها بكل وسيلة؟
قال تعالى: ((إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم، يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر)) [النور:19ـ21].
وقال تعالى: ((ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء)) [البقرة: 168ـ169].
وقال تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون)). [النحل:90].

ونهى الله تعالى عن الاقتراب من الفاحشة، ظاهرها وباطنها، فقال: ((ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وها بطن)) [الأنعام:151].
وقال تعالى: ((قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق)). [الأعراف:33].

وأمر عباده سبحانه وتعالى بما يطهرهم من الفحشاء والمنكر ويعينهم على الابتعاد عنهما، وهو عبادته، وبخاصة الصلاة، فقال تعالى: ((اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون)). [العنكبوت:45].

وإذا أحب المجتمع طاعة الله، وأبغض معاصيه، وحمل أفراده على ذلك، أرسى بذلك أركان السعادة والأمن في الدنيا والآخرة.

(99)

المبحث السادس عشر: أداء الواجبات والحقوق

إن على أفراد المجتمع واجبات لغيرهم، ولهم حقوق، كذلك عند غيرهم، والواجب أن يؤدي كل فرد ما عليه من الحقوق لغيره، كالزكاة التي هي ركن من أركان الإسلام، فقد فرضها الله سبحانه وتعالى على الأغنياء وبين مصارفها، فتأخير أداء الزكاة عن وقتها فيه ظلم لأهلها الذين يستحقونها، وكذلك زكاة الفطر، والديون المستحقة، والكفارات، وأداء الشهادات، وغيرها.
إن هذه الحقوق عندما تؤدى في وقتها - ولا يؤخرها من وجبت عليه - يطمئن أهلها وينعمون بها وتقضي حاجاتهم، فيعيشون مع من أداها عيشه حب وإخاء وسلام، أما إذا أخرها الذين وجبت عليهم وماطلوا في أدائها، فإن ذلك يحدث البغضاء والشقاق، وقد يؤدي إلى انتقام صاحب الحق من ظالمه، إما علناً وإما في الخفاء، وذلك يفقد الناس الأمن والطمأنينة.

والواجب على المجتمع الذي يريد أن ينعم بالأمن والاستقرار، أن يأخذ على يد من يماطل في أداء الحقوق والقيام بالواجبات، فقد حارب أبو بكر الصديق، رضي الله عنه والصحابة معه من منع الزكاة حتى أداها.
قال ابن تيمية رحمه الله - وهو يتكلم عن أداء الأمانات -: "ويدخل في هذا القسم - أي قسم الأموال التي يجب أداؤها إلى أهلها - الأعيان والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع، ومال الشريك، والموكل والمضارب، ومال المولى ومال اليتيم وأهل الوقف، ونحو ذلك، وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصدقات النساء وأجور المنافع، ونحو ذلك [السياسة الشرعية ص32ـ33].
ثم ساق الأدلة على ذلك وفصل القول في الغنيمة والصدقات والفيء [المرجع السابق ص37ـ43]. ثم تكلم عن الظلم الذي يقع من الرعاة أو الرعية في هذا الباب [المرجع السابق ص47 وما بعدها..].

ثم ذكر مصارف هذه الأموال، وختم ذلك بقوله: "كما أن الصالحين أرباب السياسة الكاملة، هم الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وهم الذين يعطون ما يصلح الدين بعطائه، ولا يأخذون إلا ما أبيح لهم، ويغضبون لربهم إذا انتهكت محارمه، ويعفون عن حظوظهم، وهذه أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بذله ودفعه وهي أكمل الأمور، وكلما كان إليها أقرب كان أفضل.
فليجتهد المسلم في التقرب إليها بجهد، وليستغفر الله بعد ذلك في قصوره أو تقصيره، بعد أن يعرف كمال ما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم من الدين، فهذا قول الله سبحانه وتعالى: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)) [نفس المرجع ص55ـ67].

ومن أوجب الواجبات التي يجب القيام بها، أداء الموظف ما أسند إليه من ولي الأمر، كل في حدود عمله عن خبرة وأمانة وقدرة على التنفيذ، فإن الموظف الذي يؤدي عمله بمحافظته على وقته وعدم تأخره عنه، وباستقبال أصحاب الحق بصدر رحب ووجه طلق، وأداء العمل الواجب عليه لكل صاحب حق في وقته، وعدم التفريق بين شخص وآخر، بسبب صداقة أو وساطة أو رشوة يحبه الناس ويأمنونه حقا.
بخلاف من يعاملهم بضد ذلك، لما فيه من ظلم للناس وهضم للحقوق، وتقديم للمتأخر وتأخير للمتقدم، بدون حق بل بالباطل، والموظف الذي يرتكب هذا المنكر وهو عدم قيامه بواجباته، أو التفريق بين الناس بدون حق، يحدث بذلك آثارا سيئة من ضياع أوقات الناس وأعمالهم وأموالهم.
يضاف إلى الأحقاد والضغائن التي تمتلئ بها قلوب الناس، بسبب معاملته غير العادلة، وقلقهم على حقوقهم التي يرونها تهدر، وكرامتهم التي يرون الموظف يدوسها.
وما أكثر هؤلاء الفاسدين في بلدان المسلمين، الذين ينتشر بأعمالهم الفساد الإداري والمالي، وتضيع بتهاونهم وتقصيرهم حقوق الناس، وينال الظالمون بخيانتهم ما ليس لهم، ويحرم المظلومون مما هو خالص حقهم.
ولهذا يجب أن يختار لكل عمل من هو كفء له يؤدي فيه واجبه، وأن يحال بين الوظائف وذوي المطامع الشخصية ممن ليسوا بأكفاء، حتى يأمن الناس على حقوقهم متساوين في ذلك كله [راجع كتابنا المتعلق بهذا المعنى، وهو: الكفاءة الإدارية في السياسة الشرعية].
قال تعالى: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا)) [النساء:58].

(100)

المبحث السابع عشر: الصدقة الجارية

إن المطالب الثابتة كلها تتعلق بقيام أفراد المجتمع بواجب الأخوة الإسلامية، وأداء حقوق بعضهم على بعض في حال حياتهم وصحتهم.
أما هذا المطلب فالمراد به أن يراعي المسلم حقوق تلك الأخوة الإسلامية، وهو يرحل عن هذه الحياة ويودع إخوانه الباقين فيها، فيحقق لهم بما يخلفه وراءه شيئا من السعادة والعيش الهنيء، كما كان يحقق لهم ذلك وهو حي.
فالمسلم له أقارب أمر بصلتهم، وله جيران أمر بالإحسان إليهم، وضيف أمر بإكرامه، فإذا انتقل إلى لقاء ربه حرم كثير مما كان يقوم به من الصلة والإحسان والإكرام، وكل من كان يناله ذلك سيفقده ويشعر بالندم على فراقه ويدعو له وفاء له ورحمة به.
ولكن الشارع يحب للمؤمن أن يدوم عمله الصالح، ويستمر ثوابه بعد موته، فشرع له من الأسباب التي إذا تعاطاها قبل موته استمر ثوابها ما بقيت آثارها عامة النفع الذي تعاطاها من أجله.

وهو بذلك، يحقق أمرين عظيمين:
الأمر الأول: نفع الناس بما أبقاه لهم من خير.
والأمر الثاني: نفع نفسه باستمرار ثوابه وعدم انقطاع عمله، وهو راقد في قبره قد صارت عظامه ترابا.
قال تعالى: ((كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم فمن خاف من موص جنفاً أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)) [البقرة:180ـ183].

وقد قال بعض العلماء: إن الوصية واجبة على من حضرته الوفاة وعنده مال، في حالتين:
الحالة الأولى:أن تكون عنده أمانات أو ديون، فيجب أن يوصي لأهل الأمانات والديون بحقوقهم حتى لا تضيع، ويختلف الورثة معهم بعد موته، وهذه الحالة لا خلاف فيها.
الحالة الثانية: أن يكون له والدان لا يرثان، بأن يكونا كافرين أو قرابة لا يرثون، فيجب أن يوصي لهم بما تيسر من الثلث الذي له أن يوصي فيه، وأكثر العلماء قالوا: إنها ليست واجبة في هذه الحالة، وأجمعوا على عدم جواز الوصية للوارث إلا إذا أجاز الورثة، وكذا لا يجوز أن يوصي بما فوق الثلث.
واستدل الموجبون بالصيغة التي شرعت بها الوصية وهي قوله تعالى: ((كتب عليكم)) فإنها بمعنى فرض.
وهناك حالة ثالثة تجب فيها الوصية، وهي ما إذا كان له حقوق عند الناس يخاف تلفها على الورثة. [راجع كتاب الجامع لأحكام القرآن (2/257ـ260) وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/211ـ213)].

وقال سبحانه وتعالى: ((يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين)) إلى قوله: ((فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين)) [النساء: 11].
وقال سبحانه: ((ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فله الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين، وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حكيم)). [النساء:12].

فقد أوجب الله تعالى أداء ما خلفه الميت لورثته، ولكن قيد ذلك بإخراج ما أوصى به من ماله، أو ما عنده من دين للناس، إلا أن ما يوصي به مقيد بأن يكون الثلث فأقل لئلا يجحف بورثته ويذرهم فقراء يتكففون الناس.

ومهما يكن الأمر في اختلاف العلماء في وجوب الوصية للوالدين غير الوارثين، والأقربين غير الوارثين، فان مشروعيتها ثابتة، وقد حث على ذلك صلى الله عليه وسلم، وأوصى بعض أصحابه في حياته وأقرهم، واستمر على ذلك المسلمون إلى يومنا هذا.
ولقد نفع الله تعالى بوصايا المسلمين من أموالهم في وجوه البر إذا حضرتهم الوفاة، وكذلك بما يقفونه في حياتهم من الأموال على مصالح مختلفة عامة وخاصة.

وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم، على الاهتمام بوصيته حال صحته، حتى لا يفاجأ بالموت فلا يتمكن من ذلك.
روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). [البخاري (3/185ـ186) ومسلم (3/1249)].

وأقر صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه على الوصية بالثلث من ماله، لمن كان له ورثة، وأوصى صلى الله عليه وسلم، بأن لا يدع المرء ورثته عالة يتكففون الناس.
روى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، قال: جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت في الأرض التي هاجر منها، قال: (يرحم الله بن عفراء) قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) قلت: فالشطر؟ قال: (لا) قلت: الثلث؟ قال: (الثلث والثلث كثير، إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك وعسى الله أن يرفعك، فينتفع بك ناس ويضر بك آخرون) ولم يكن له يومئذ إلا ابنة. [البخاري (3/186) ومسلم (3/1250)].

وندب صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى بذل ما يستمر لهم ثوابه بعد موتهم، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [مسلم (3/1255)].
قال النووي، رحمه الله في الصدقة الجارية: (وهي الوقف... وفيه دليل صحة أصل الوقف وعظيم ثوابه) [شرح النووي على مسلم (11/85)].
ولقد وقف بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنفس أموالهم، طمعاً في ذلك الفضل المدرار، بإرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم.
كما روى ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، وقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها قال: فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا، غير متمول فيه…). [البخاري (3/194) ومسلم (3/1255)].

فقد اشترط عمر رضي الله عنه بقاء الأصل وعدم بيعه وشرائه وهبته، وهو معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (حبست أصلها) وبين رضي الله عنه وجوه مصارف ثمرته: الفقراء والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضيف، وهي من أهم وجوه البر الشاملة، كالزكاة التي أمر الله بصرفها في ذلك.

ويمكن للواقف أن يقف على وجه واحد من هذه الوجوه، ولو أن الأغنياء من المسلمين بذلوا من أموالهم ما يقفونه على وجو البر والإحسان، ووجد من يقوم على تلك الأوقاف بأمانة، يحفظها وينميها وينفقها في وجوهها، لنال كثير من المحتاجين ما يسد حاجتهم، من طعام وشراب وملبس ومسكن ومركب وغيرها.

ولقد بذل السلف الصالح من أغنياء هذه الأمة أموالهم، ووقفوها على وجوه كثيرة من وجوه البر العامة والخاصة: وقفوا على المساجد، والأيتام، والمسافرين، وطلاب العلم، والفقراء، وذوي القربى، والحيوانات.
ولكن بالبعد عن الإسلام، وتولي كثير من الظلمة والفساق وأعداء الإسلام أمور المسلمين، ضاعت أكثر مرافق المسلمين، فلم يبق من تلك الأوقاف إلا النزر اليسير في بعض البلدان الإسلامية، تتلاعب بها أيدي الخونة الذين لا يخافون الله واليوم الآخر، إلا من شاء ربك وقليل ما هم. [راجع كتاب الإسلام (3/52) لسعيد حوا].

وإن المجتمع الإسلامي لفي أمس الحاجة إلى عودة هذا المرفق المفيد ليتم نفعه، كما تم في الماضي، وقد أنعم الله سبحانه وتعالى على كثير من المسلمين في هذا العصر بثروات كثيرة في فترة قصيرة من الزمن، وهم يعلمون أنه يوجد في بلدان المسلمين الفقراء والمساكين الذين لا يجدون لقمة العيش التي يقتاتون بها، ولا منازل تؤيهم، ولا ملابس تسترهم، ولا مصحات لشفاء أمراضهم، ولا آبار للحصول على مياه شربهم، ولا مساجد يؤدون فيها شعائر دينهم، ولا مدارس يعلمون فيها أولادهم، ولا أئمة يصلون بهم، ولا علماء يرشدونهم ويعلمون أبناءهم.

ومع ذلك لا تجد إلا القليل ممن أغناهم الله وابتلاهم بالثراء والغنى الفاحش الذي أبطرهم، يمدون يد العون لمن هم في حاجة إلى إغاثتهم، نسوا أن يشكروا الله على ما أنعم به عليهم.
ولو أن كل غني وقف شيئا من ماله في البلد الذي يأمن عليه فيه، لمرفق من تلك المرافق، لكان في ذلك إحياء للوقف الإسلامي، وإعانة للمسلمين في حاجاتهم المتعددة، لا سيما الجهاد في سبيل الله الذي انصرف غالبية الناس عنه، وإذا وجد من يقوم به لم يجد من يعينه ويجهزه بالمال الذي يكفيه.

حرب سافرة على أعمال الخير.
ومما زاد الأمر سوأً اليوم، تسلط أعداء هذا الدين على أعمال البر، ومضايقة مؤسسات الدعوة إلى الله، ونشر التعليم الإسلامي ببناء المدارس، والمساجد المراكز الإسلامية، ومساعدة المحتاجين، من الأيتام والأرامل والعجزة، والحجر على من وفقه الله من أغنياء الأمة، من الإنفاق على تلك المرافق، وتجميد أموالهم، حتى يحولوا بينهم وبين الإنفاق منها على تلك المؤسسات الخيرية، التي أعلنوا عليها الحرب الظالمة، قاصدين بذلك الصد عن سبيل الله،و القضاء على النشاط الإسلامي، ومحاربة علمائه ودعاته، بحجة محاربة ما يسمونه بـ"الإرهاب" الذي أصبح سلاحا يشهرونه في وجه الأفراد والجماعات والدول.

ووراء هذه الحملات الظالمة على الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربه اليهود الذين، لا يفتئون يقدون نار الحرب على هذا الدين وهذه الأمة، ويظاهرهم على ذلك صهاينة البروتستانت في الغرب، بهدف تمكين لدولة اليهودية في قلب الأمة الإسلامية، التي يعلمون أنها لا تنال هذا التمكين، إلا بإضعاف المسلمين، وإبعادهم عن حقيقة دينهم.
ويجب على علماء الإسلام ودعاته، والمؤسسات الإسلامية الدعوية والتعليمية، والإغاثية، وأغنياء الأمة، وعلى كل غيور على هذا الدين في الشعوب الإسلامية، أن يتعاونوا فيما بينهم على الاستمرار في هذه الأعمال العظيمة، بكل ما يستطيعون من الأسباب والوسائل المتاحة لهم، كل منهم فيما يقدر عليه، وألا يستسلموا لمكر أعداء الإسلام، وأن يستعينوا بالله ويتوكلوا عليه، لأن في استسلامهم لهذه الحرب الظالمة، تحقيقا لأهداف أعداء الإسلام الذين قال الله تعالى فيهم: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير)) [البقرة (120)]

وإذا نجح أعداء هذا الدين في مسعاهم لإضعاف المسلمين، واستسلامهم لهم، والاستجابة لتحقيق رغباتهم، فقدوا أمنهم الذي لا ينالونه إلا بتمسكهم بدينهم، وعدم طاعتهم لغير ربهم في معصيته: ((وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)). [الأنعام: 81ـ82].

(101)

المبحث الثامن عشر: النصح لكل مسلم

في اللسان: النصح: نقيض الغش... وفي الحديث: (الدين النصيحة، لله ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم). قال ابن الأثير: " النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له، فليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها" [ترتيب اللسان (3/646) والحديث سيأتي ذكره وذكر مصدره].

وإذا علم أن النصيحة هي إرادة الخير للمنصوح، فإن من المناسب أن يكون هذا المبحث هو خاتمة مباحث الفصل الأول من هذا الباب، وهو السعي لتحقيق الأخوة الإسلامية وتقويتها، لأن هذا المبحث جامع لمعاني المباحث السابقة وغيرها، مما لم يذكر بالنص عليه.

فقد بين تعالى أن النصح هو وظيفة الأنبياء والرسل وأتباعهم، وأن الأنبياء والرسل وأتباعهم لا يريدون إلا الخير للمنصوح لوجه الله تعالى، لا يريد من الناس جزاء ولا شكورا.
فقال تعالى عن نوح عليه السلام: ((أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون)). [الأعراف: 62].
وقال عن هود عليه السلام: ((أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين)) [الأعراف: 68].
وقال عن صالح عليه السلام: ((لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)). [الأعراف: 79].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على النصح لكل مسلم، كما في حديث جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه، قال: "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة... والنصح لكل مسلم". [البخاري (1/20) ومسلم (1/75)].
ومن أجمع الأحاديث في النصيحة الشاملة لمستحقيها، حديث تميم الداربي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم). [مسلم (1/74)].

ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا العموم في النصيحة الذي تضمنه حديث جرير: (النصح لكل مسلم) وحديث تميم (...ولأئمة المسلمين وعامتهم) بل نص صلى الله عليه وسلم على النصح في أبواب متعددة، اهتماماً به، لما يحققه من الخير في المجتمع الإسلامي، إذا نصح كل فرد فيه لأخيه المسلم وأسرته ومجتمعه.

فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على النصح في محيط الأسرة، كما في حديث أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول: (ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته؟ وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله). [ابن ماجة (1/596) قال المحقق: "في إسناده علي بن يزيد، وقال البخاري منكر الحديث، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمر، ص597"].
والمرأة إذا نصحت عم خير نصحها الأسرة كلها، في التربية والخدمة وحفظ المال، وحفظ نفسها، والقيام بكل واجب، إما بنفسها أو عن طريق أولادها وخادمها.

وفي محيط الولاية السياسية حث بعض الرعية على النصح لواليها، وحث الوالي على النصح لرعيته، وإذا أدت الرعية النصح لواليها، وأدى الوالي النصح لرعيته، استتب الأمن في البلاد وتمتعوا جميعا بالعدل والسلام، ولم يقدر أعداء الإسلام على إثارة الأحقاد بين الراعي ورعيته.
لأن النصح يقتضي من الراعي الإشفاق على رعيته، والعدل بينهم، وإيتاءهم حقوقهم، وكف الظلم عنهم وتنفيذ أحكام الله فيهم.

والنصح من الرعية يقتضي طاعة ولي الأمر في غير معصية الله، ومناصرته والوقوف ضد من أراد به سوءً، وعدم الخروج عليه ما لم يأت كفرا بواحا، وأعداء الإسلام إنما يحدثون الشقاق بين الولاة ورعيهم بسبب اعتداء يقع من الولاة على الرعية، أو بغي من الرعية على ولاتهم، فإذا نصح كل منهم للآخر النصح الشرعي الذي يحقق مصالح الأمة، لم يجد الأعداء إلى التحريش بينهم سبيلا.
روى أبو هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويبغض لكم ثلاثا: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال) [الموطأ (2/990) ومسلم (3/1340) وليس فيه "وأن تناصحوا"].

وفي حديث معقل بن يسار، رضي الله عنه، قال في مرض موته لعبيد الله بن زياد: إني محدثك بحديث، لولا أني في الموت لم أحدثك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة) [مسلم (1/126)].
وروى ابن مسعود رضي الله عنه،، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (نضر الله امرأ سمع مقالتي، فوعاها وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم، إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم) [الترمذي (5/34ـ35).

ومن ذلك النصح لجماعة المسلمين الذي أوصى به بعض السلف، وهو الربيع بن خيثم، رحمه الله، قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الربيع بن خيثم، وأشهد الله عليه، وكفى بالله شهيدا، وجازيا لعباده الصالحين ومثيبا، فإني رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وإني آمر نفسي ومن أطاعني أن نعبد الله في العابدين، ونحمده في الحامدين، وأن ننصح لجماعة المسلمين". [سنن الدارمي (2/292)].

وفي محيط المعاملات الاقتصادية وغيرها حض صلى الله عليه وسلم كذلك على النصح، قال الإمام البخاري، رحمه الله: باب إذا بين البيعان، ولم يكتما ونصحا...
وساق حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) أو قال: (حتى يتفرقا، فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما). [البخاري (3/10)].
قال الحافظ رحمه الله: وقال ابن بطال: أصل هذا الباب أن نصيحة المسلم واجبة. [فتح الباري (4/310)].

وفي محيط الخدمة وأداء العمل، حض على النصح صلى الله عليه وسلم، كما في حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا نصح العبد سيده وأحسن عبادة ربه، كان له أجره مرتين). [البخاري (3/124) ومسلم (3/1284)].
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خير الكسب كسب يد العامل إذا نصح). [أحمد (2/334)].

ترى لو نصح كل مسلم لأخيه المسلم وأسرته المسلمة ومجتمعه المسلم، هذا النصح الشامل الذي لا يشذ عنه أي مجال من مجالات الحياة، هل يخاف أحد من أحد على نفس أو مال أو عرض؟.
وهل يفقد الأمن في أغلب المجتمعات الإسلامية، كما هو الحال في هذا الزمن: ((وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن نتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)). [الأنعام: 81ـ82].



الفصل الثاني :
تجنب الأسباب المؤدية إلى فقد الأخوة الإسلامية أو ضعفها

وفيه تمهيد و ثمانية مباحث:
المبحث الأول: اجتناب الظلم
المبحث الثاني: اجتناب الحسد
المبحث الثالث: اجتناب الاحتقار والسخرية
المبحث الرابع: اجتناب الهجر والقطيعة
المبحث الخامس: ترك ما يثير الشك والخوف في نفس المسلم
المبحث السادس: اجتناب الغيبة والنميمة
المبحث السابع: ترك المنافسة للمسلم فيما بدأ فيه من المعاملات
المبحث الثامن: الابتعاد عن الغش والكذب


--------------------------------------------------------------------------------

تمهيد:

إن ما سبق في الفصل الأول هو نماذج لما يقوِّي الأخوة الإسلامية بين أفراد المجتمع، ويثبت أواصر المحبة والود والتعاون، على البر والتقوى ويحقق السعادة للجميع والأمن على الحقوق.
وفي هذا الفصل نذكر نماذج، هي على عكس ما ذكر في الفصل الأول، تعود على الأخوة الإسلامية بالنقض، أو تضعفها وتوهي رابطتها، وتشيع البغضاء والتنافر بين أفراد المجتمع، وتجعل بعضهم خائفاً من بعض، غير آمن له على حقوقه ومصالحه.
وكل خصلة تكون سبباً لحدوث ذلك بين المسلمين حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حث على ما يقوي أخوتهم ومحبة بعضهم لبعض.

(103)

المبحث الأول: اجتناب الظلم

إن تدمير الظلم لحياة البشر وتقويضه لصرح الأخوة الإسلامية، أمر معلوم بالضرورة لا يحتاج إلى شرح وإيضاح، والظالم عندما يعتدي على غيره، يعلم أنه ظالم، وليس المقصود هنا بيان ما ورد في الظلم من نصوص الكتاب والسنة وغيرهما من كلام العلماء بياناً شاملاً، وإنما المراد بيان أن الظلم من أعظم الأسباب المحطمة لصرح الأخوة الإسلامية، فإن المسلم إذا ظلمه أخوه المسلم سيحاول دفع الظلم عن نفسه ومن هنا يحدث النزاع والخصومات.

ولو فرض أن المظلوم صبر على ظلم ظالمه، فإنه لا يثق فيه ولا يأمنه على شيء من حقوقه، ولهذا كان الظلم من أول ما يناقض الأخوة الإسلامية، فيجب اجتنابه والقضاء عليه للمحافظة على رابطة الأخوة الإسلامية.
روى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه...) الحديث. [البخاري (3/98) ومسلم (4/1996)].
فقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم) تقرير للأصل الذي يجب أن يكون بين المسلم والمسلم، وهو الأخوة الإسلامية المقتضية للود والصفاء وسلامة الصدور والنصح والتعاون بينهما، وقوله بعد ذلك: (لا يظلمه) تحذير من أهم العوامل المناقضة لتلك الأخوة، وفي طليعتها الظلم أي أن يظلم المسلم أخاه المسلم.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يسلمه) أنه يجب على المسلم أن لا يسلم أخاه المسلم إذا ظلمه أحد، بل يجب أن يدفع عنه الظلم إذا كان قادراً عليه، فالمسلم ليس منهياً عن ظلم أخيه المسلم فحسب، بل هو مأمور مع ذلك بدفع الظلم عن أخيه إذا صدر من غيره عليه ولا يسلمه له.
وفي حديث أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) [مسلم (4/1994)].
والآيات والأحاديث الواردة في التحذير من الظلم وبيان مخاطره وأضراره كثيرة جدا.
وإن من أعظم أسباب تأخر الأمة الإسلامية وخسارتها، انتشار الظلم بينها، الذي أصبح أمرا مألوفا، في بلدانها، حيث يظلم القوي فيها الضعيف، على مستوى الأفراد والجماعات والأحزاب والدول، فلا يجد المظلوم من ينصره على ظالمه، ولهذا سلط الله تعالى على الأمة كلها، أعداءها من اليهود والصليبيين والوثنيين عليها، تحقيقا لسنة الله في خلقه، عندما ينتشر بينهم السوء الشر، ويعم أرضهم الظلم والمنكر، فلا تقوم منهم فئة كافية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم ودفع ظلمه عمن ظلم.
قال تعالى: ((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)) [الأنفال (25)]
وفي حديث حذيفة بن اليمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم) [أحمد (5/388) و الترمذي 4(/468) وقال: "هذا حديث حسن"

(104)

المبحث الثاني: اجتناب الحسد

إن المؤمن موصوف بالصلاح والخير، يرجى خيره ويؤمن شره وهذا من أهم مقاييس الخير والشر عند رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على أناس جلوس، فقال: (ألا أخبركم بخيركم من شركم(؟ قال: فسكتوا، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال رجل: بلى يا رسول الله، أخبرنا بخيرنا من شرنا، قال: (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره) [الترمذي (4/528) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

ولا شك أن الحاسد يقل رجاء خيره، ولا يؤمن شره، لأنه يتمنى أن يزول الخير الذي رزقه الله غيره، كما أنه يتمنى أن يصاب غيره بالشر، ولهذا كان الحاسد رابع أربعة ممن أمر الله تعالى بالاستعاذة منهم في سورة الفلق، هؤلاء الأربعة خصهم الله تعالى بالاستعاذة منهم، بعد أن أمر بالاستعاذة من كل ذي شر، لأن شرهم عظيم.
كما قال تعالى: ((قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد)). [الفلق].

والحسد متأصل في شرار الخلق، وإمام الحاسدين وقائدهم، هو الشيطان لعنه الله، ولهذا تكررت في القرآن الكريم قصته التحذير منه، فكان أول حاسد لآدم وذريته.
قال تعالى: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا)) [الإسراء (61)]
وقال تعالى: ((قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)) [الأعراف (12)]
وقد اقتدى بإبليس الموغلون في الشر من ذرية آدم، ومن أشدهم اقتداء به اليهود،وهم مع شدة حسدهم وعداوتهم للبشر جميعا، أشد حسدا وعداوة لهذه الأمة، وحربهم لدين الله وكتابه ورسوله، ولهذه الأمة غير خافية على قارئ التاريخ، من يوم وطئت قدما الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة النبوية إلى هذه اللحظة، وستستمر إلى أن يبعث الله لسحقهم جنده المؤمنين.

وحربهم للإسلام والمسلمين لا تقتصر على حالة قوتهم المادية، بل هي مستمرة في كل الأحوال، فعند قوتهم المادية لا يألون جهدا، في تقتيل وتشريد المسلمين، كما نشاهد اليوم ما يفعلون بالشعب الفلسطيني المسلم [كتابة هذه الأسطر في 22 جمادى الأولى عام 1423هـ ـ31 من أغسطس عام 2002م]

وفي حالة ضعفهم المادي، يستعملون الخداع وتحريش غيرهم من أعداء الإسلام على المسلمين، كما يستعينون بمرضى القلوب من المنافقين للإفساد في صفوف المسلمين، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ما يبين حربهم السافرة المستمرة، برغم العهود والمواثيق التي أبرمت بينهم وبين المسلمين في الوثيقة النبوية والتي نقضتها قبائلهم الثلاث، واحدة تلو الأخرى.

وبمراجعة ما قاموا به في غزوة الأحزاب، من تأليب المشركين، على المسلمين، ومن طعن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الخلف، في أحرج موقف مروا به، يُعلم حسدهم ومكرهم بالمسلمين.
وهذه الوسيلة – وسيلة الخداع والتحريش – لا يعيشون بدونها، في حالتي قوتهم وضعفهم، كما هو حالهم اليوم.
ولهذا قال الله تعالى عنهم: ((لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)) [المائدة(82)]
وغايتهم من تلك الحرب، هي إبعاد المسلمين عن دينهم الذي اشتد - ولا زال يشتد – حسدهم لهم على هذا الدين، كما قال تعالى: ((ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق)). [البقرة:109].

وما لم يفقه المسلمون مكر اليهود وخداعهم وحسدهم لهم، واستمرار حربهم لهذه الأمة وهذا الدين، ويعدوا العدة الكافية لرد عدوانهم، بالقوة التي لا يمكن أن يغنيهم عنها غيرها من وسائل الاستسلام التي تتخذ لتمكين واستقرار الدولة اليهودية، باسم "السلام" أقول: مالم يفقه المسلمون ذلك ويعدوا له العدة لدفع شر اليهود، فلا أمن ولا طمأنينة لهذه الأمة كلها، مهما حاول أعداء الإسلام أن يخدعونا بوعودهم، بل وبمواثيقهم وعهودهم، والجهاد وحده هو علاج خداع اليهود وحسدهم، وهو سفينة نجاة هذه الأمة!

وفي الداء الداخلي يكمن الدمار

ومهما اشتد حسد إبليس وجنده، وبخاصة اليهود، ومهما اشتد مكرهم وكيدهم، على الإسلام والمسلمين، فإن المسلمين قادرون بإذن الله على رد ذلك الحسد والكيد وإحباطه، لأنهم أهل حق، وأعداؤهم أهل باطل، والحق ثابت غالب، والباطل مضمحل زاهق، وأهل الحق هم حزب الله، وأهل الباطل هم حزب الشيطان، والله تعالى ناصر حزبه على حزب الشيطان.
كما قال تعالى: (( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)) [الأنبياء (18)]
وقال تعالى: ((ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)) [المائدة (56)]
ولكن منبع المصائب والشرور، أن يوجد الداء في المنتسبين إلى الإسلام أنفسهم، فينتشر الحسد بينهم، ويمكر بعضهم ببعض، أفرادا وأسرا ودولا، كما يعيشه المسلمون اليوم في مشارق الأرض ومغاربها، وإذا نبع الداء في داخل الجسم، أضعفه وقضى عليه.

ومن عجب أن يدب هذا الداء بين المسلمين، لتنافسهم في الزعامات، حتى الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية، بل في الجماعة الإسلامية الواحدة والحزب الإسلامي الواحد!

والأعجب من ذلك أن يدب الحسد بين زعماء الأحزاب الإسلامية وزعماء الشعوب الإسلامية والعربية، بسبب تنافسهم في إرضاء أعداء الشعوب الإسلامية، والتسابق إلى نيل القربى والحظوة عندهم، ويتمنى كل منهم أن تزول نعمة أخيه التي ينالها من أعداء الإسلام بالولاء لهم، ليحرزها هو، كما يحصل اليوم في الحملة الأمريكية الظالمة على العالم الإسلامي، فتضرب بعضهم ببعض، ثم تستأثر بخيرات البلاد، وتغير ما تريد من ثوابت الأمة، بأدوات من أبنائها، وتمكن اليهود من السيطرة على بلدان الرسالات!

ولهذا أنذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من هذا الداء، وحذرها منه، من يوم بعثه الله تعالى برسالته، ، فقد روى الزبير بن العوام رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء، هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد بيده لا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) [أحمد 1/164)]

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيصيب أمتي داء الأمم). فقالوا يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: (الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي) [أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، (4/185) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه]

وفي حديث عمرو بن عوف: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم) [البخاري: رقم: 2989، ومسلم: 2961]
والحسد من أهم أسباب التنافس المهلك.

وقد نهى صلى الله عليه وسلم المسلمين عن التحاسد، وغيره من الصفات التي تقوض بناء الأخوة الإسلامية، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إياكم والظن....) إلى أن قال: (ولا تحاسدوا) [البخاري (7/88) ومسلم (4/1985)].
وبهذا يعلم، أن الحسد يناقض الأخوة الإسلامية، ويحول بين المسلمين ويفقد المسلمين الأمن فيما بينهم، لأن الحاسد الذي يتمنى زوال نعمة أخيه، إذا كان أقوى من صاحب النعمة، لا يؤمن أن يتسبب في زوالها بقوته.

(105)

المبحث الثالث
اجتناب الاحتقار والسخرية

لقد خلق الله سبحانه وتعالى بني البشر كلهم من أصل واحد، وهم لا يتفاضلون من حيث الخلقة، لأن الأصل واحد، ولأن الخالق هو الله، ولا فضل لأحد في لون ولا بلد ولا لغة ولا طول ولا قصر، لأن ذلك كله لم يوجد للإنسان باختيار منه، وإنما أوجده الخالق سبحانه وتعالى.
قال عز وجل: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)). [النساء:1].

فالخالق واحد، وهو الله، والأصل واحد، وهو آدم، والذي يجب عمله هو ما أمر الله به، وهو تقوى الله، وهذه التقوى هي التي جعلها الله تعالى معيارا للتفاضل بين الناس.
كما قال تعالى: ((يا أيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقكم إن الله عليم خبير)). [الحجرات:13].
فكلما كان الإنسان أتقى لله، كان أكرم عنده، ويجب أن يكون أكرم عند خلقه، ولا تفاضل بغير ذلك.
والواجب أن يلتزم المسلمون بهذا الأدب الرباني، فيكرمون من أكرمه الله، ولا يجوز أن يحتقر أحدٌ منهم أحداً، ولا يسخر أحدٌ من أحد، لما في ذلك الأدب من جمع الشمل وغرس المحبة والود بينهم.

أما الاحتقار والسخرية بسبب لون أو خلقة، كالدمامة، أو بلد، أو نسب، أو فقر، أو وظيفة، فإن ذلك يخالف هذا الأدب الرباني، ويفرق شمل المسلمين ويحدث بينهم التباغض والخلاف.

وقد يكون المحتقَر [اسم مفعول] أكرم عند الله وأفضل ممن احتقره وسخر منه عند الله، ولهذا اشتد إنكار الله تعالى على الساخرين المحتقِرين.
قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)) [الحجرات:11].

والسخرية والاحتقار من أعمال الجاهلية التي أنكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى أبو ذر رضي الله عنه، قال: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلتُ منها، فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (أساببت فلانا)؟ قلت: نعم. قال: (أفنلت من أمه)؟ قلت: نعم. قال: (إنك امرؤ فيك جاهلية)، قلت: على حين ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: (نعم هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فان كلفه ما يغلبه فليعنه عليه) [البخاري (7/85) ومسلم (3/1282ـ1283)].

وعظَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمرَ على عائشة رضي الله عنها، عندما أشارت بيدها إلى صفية بأنها قصيرة، قالت عائشة: حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال: (ما يسرني أني حكيت رجلاً وأن لي كذا وكذا) قالت: فقلت يا رسول الله إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا – أي – أنها قصيرة، قال: (لقد مزحت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج). [الترمذي (4/660ـ661) وقال: هذا حديث حسن صحيح].

وإن الآثار المترتبة على الاحتقار والسخرية، لأمر يهدد بدمار المجتمع الذي يسكت عليهما ولم ينكرهما، لأن الفئة التي يصدر منها الاحتقار والسخرية، ترتب على احتقارها للفئة الأخرى، حرمانها من المساواة في الحقوق والواجبات بدون سبب.
بل قد تكون الفئة المحتَقَرة أهلاً لكثير من الأعمال والولايات وتكون الفئة المحتَقِرة ليست أهلاً لها، وإنما تستبد بها لقوتها أو كثرتها، فيترتب على ذلك سوء المعاملة وفشل الإدارة، كما يترتب عليه حقد الفئة المحتَقَرة التي حيل بينها وبين حقوقها، وقد تسعى لسلب الفئة التي حرمتها من حقوقها وما بيدها من مقاليد الأمور التي جعلتها وسيلة لتتعالى.

فإذا نجحت في ذلك أذاقت الفئة الساخرة المحتقِرة، أشدَّ أنواع الإيذاء والسخرية والاحتقار، جزاءً وفاقاً، وهذا ما يجري في كثير من البلدان الآن - ومنها البلدان الإسلامية - ونجم عنه التناحر والثورات والانقلابات، وهو ما ينذر بالدمار في بلدان الغرب في أمريكا وأوروبا، التي لا تزال تعامل بعض الفئات كالسود، معاملة تخالف ما تعامل به الفئات الأخرى.
فالمجتمع الذي يحتقر بعضُ أفراده بعضا، ويسخر بعضهم من بعض، مجتمع معرض للفوضى والفتن والتطاحن وعدم الأمن والاطمئنان.

(106)

المبحث الرابع
اجتناب الهجر والتقاطع

إن الأخوة الإسلامية تقتضي الوصل والرحمة والتزاور والمودة، وإن الهجر والقطيعة يناقضان ذلك، فلا يجوز للمسلم أن يقطع وصل أخيه المسلم أو يهجره، والأصل عدم جواز ذلك مطلقاً، ولكن الشارع راعى الفطرة البشرية، فأجاز للمتغاضبين أن يتهاجرا ثلاثة أيام - مع كراهة ذلك - ونهى عما زاد.

فقد روى أبو أيوب الأنصاري، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) [البخاري (7/91) ومسلم (4/1984)].
وفي حديث أنس، رضي الله عنه، مرفوعا: (.. وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال). [البخاري (7/91) ومسلم (4/1983)].

وورد في المتهاجرين وعيد شديد، جعلهما شاذين بين أهل القبلة، حيث يغفر الله لكل من لا يشرك به شيئا يومين في كل أسبوع، إلا من كان منهم بينه وبين أخيه شحناء وهجر.
كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلاً كان بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا) وفي رواية: (إلا المتهاجرين). [مسلم (4/1987)].

وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وصل من قطعه، وأخبره أن الله معه على ذوي القطيعة، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رجلاً، قال: يا رسول الله، إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: (لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسٍفُّهم [تطعمهم] الملَّ [الرماد الحار]، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم مادمت على ذلك) [مسلم (4/1982)].
وقد أثر هذا الأدب النبوي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يشق على أحدهم أن يهجره أخوه، ويبذل قصارى جهده في إرضائه، حتى يعود إلى صلته، ويبعث إليه الشفعاء، وكان الذي تغلبه منهم بشريته، فيهجر أخاً له أكثر من ثلاث، يندم على ذلك وتذرف عيناه الدموع، إذا ذكر حسرة على ما بدر منه.

تأمل قصة عائشة رضي الله عنها مع ابن أختها عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما، فقد حدثت أن عبد الله ابن الزبير، قال في بيع أو عطاء، أعطته عائشة: لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها، فقالت: أهو قال هذا؟! قالوا: نعم. قالت: هو لله على نذر أن لا أكلم ابن الزبير أبداً، فاستشفع ابن الزبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا والله، لا أشفع فيه أبداً، ولا أتحنث إلى نذري.

فلما طال ذلك على ابن الزبير، كلم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة، وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة، فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي.
فاقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين بأرديتهما، حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا، قالوا: كلنا؟ قالت: نعم، ادخلوا كلكم، ولا تعلم أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير الحجاب فاعتنق عائشة، وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدانها: إلا ما كلمته وقبلت منه، ويقولان: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عما عملت من الهجرة.
فإنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلما أكثروا على عائشة التذكرة والتحريج، طفقت تذكرهما وتبكي وتقول: إني نذرت، والنذر شديد، فلم يزالا بها حق كلمت ابن الزبير، وأعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة، وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتى تبل دموعها خمارها. [البخاري (7/90)].

وإنما كان الهجر منافياً لمقتضى الأخوة الإسلامية، لما فيه من الصدود والأضغان، ولما يحدثه في نفوس المتهاجرين، من النفرة والظنون السيئة التي يوسوس بها الشيطان لكل منهما في الآخر، بأنه يبغضه ويغتابه ويدبر له المكايد، فيفقد كل واحد منهما الثقة في أخيه، ولا يأمن كل منهما الأخر، وقد يوسع دائرة سوء الظن أعداء الأخوة الإسلامية، فيورون نار العداوة ويزيدون اشتعالها.
وهذا يقع كثيراً في نفوس المتهاجرين، فإذا وصل كل منهما صاحبه عرف كل منهما أن ما كان يظنه في أخيه غير موجود، وأن الشيطان وأتباعه كانوا يوسوسون لكل منهما بالباطل، فتعود ثقة كل واحد منهما بصاحبه وائتمان كل منهما للآخر، وذلك ما يحزن الشيطان لعنه الله.

هذا وليعلم أن الهجر مشروع للعصاة، تأديبا لهم وإشعاراً بأنهم خارجون عن آداب المجتمع وطريقه المستقيم، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مع كعب بن مالك وزميليه، حيث هجروهم خمسين ليلة، حتى نزلت توبتهم من عند الله عـز وجل.
كما قال تعالى: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم)). [التوبة:118 وراجع قصة كعب وزميليه في صحيح مسلم (4/2120 وما بعدها..)].

وإذا كان الهجر مشروعا جاز أكثر من ثلاث، كما قال الحافظ بن حجر رحمه الله: (وفيها ترك السلام على من أذنب، وجواز هجره أكثر من ثلاث، وأما النهي عن الهجر فوق الثلاث، فمحمول على من لم يكن هجرانه شرعياً). [فتح الباري (8/124)].

(107)

المبحث الخامس
ترك ما يثير الشك والخوف في نفس المسلم

شرع الله تعالى في هذا الدين منع كل ما يفقد المسلم الأمن، أو ما يكون وسيلة إلى ذلك، كما شرع تعاطي الأسباب التي تؤدي إلى الأمن، بل إن غير المسلم - ما دام غير محارب - كالمسلم في ذلك.

فمن الأمور التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ليأمن الناس: حفظ السلاح وعدم التساهل فيه، لئلا يسقط فيجرح أحداً، ويدخل في حكم ما يسقط ما ينطلق مثل الرصاص الذي تعبأ به الأسلحة النارية، لا سيما في الأماكن العامة، فإنه يجب التحرز منه أن يصاب به أحد بسبب التساهل، وما أكثر ما يقع ذلك فيحصل الندم ولات ساعة مندم.
روى جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما أن رجلا مر بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها، فأُمر أن يأخذ بنصولها، كي لا يخدش مسلماً.. وفي رواية: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أمسك بنصالها). [البخاري (1/116) ومسلم (4/2018)].

وعن أبي موسى، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق، وبيده نبل، فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها) وفي رواية: (فليمسك على نصالها بكفه، أن يصيب أحداً من المسلمين منها بشيء). [البخاري (1/116) ومسلم (4/462)].

ويدخل في ذلك ترويع المسلم بأخذ متاعه أو سلاحه، جداً أو لعباً، لما روى عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليردها). [أبو داود (5/273) والترمذي (4/462) وقال هذا حديث حسن غريب].
ومن ذلك الإشارة بالسلاح، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أشار على أخيه بحديدة لعنته الملائكة) [الترمذي (4/463) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه].
وفي حديث جابر رضي الله عنه، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعاطى السيف مسلولاً). [الترمذي (4/464) وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث حماد بن سلمة].

ومما يثير الشك في نفس المسلم أن يتناجى اثنان ومعهما ثالث فقط.
قد يكون عند بعض الناس شيء من السر، لا يرغبون في اطلاع أكثر من واحد عليه، وذلك حق لهم، وقد يطرأ ذلك في سفر، فيرغب صاحب السر أن يحدث به واحداً من المسافرين فقط، فإن كان لا يرافقه إلا واحد وأراد أن يفضي إليه بذلك فلا إشكال، وكذلك إن كانوا أكثر من ثلاثة فله أن يسار أحدهم.
أما إذا كانوا ثلاثة فلا يجوز له أن ينفرد بواحد فيناجيه دون الثالث، لأن ذلك يدخل في نفسه شيئا من الشك والحزن والخوف.

وفعل المسلم ما يحزن أخاه المسلم محظور شرعاً، والتناجي بهذه الحالة يحزنه، وقد كان المنافقون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتناجون فيما بينهم ويهمس بعضهم لبعض، ويلتفتون إلى المسلمين، ليشعروهم أن هناك شيئاً مَّا يحدث فيه ضرر على المسلمين، كانتصار الكفار عليهم، وقتل بعض المسلمين ونحو ذلك وكان ذلك يحزن المسلمين.
فانزل الله سبحانه قوله تعالى: ((ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول)) [المجادلة: 8ـ10، وراجع الجامع لأحكام القرآن (17/290ـ296)].
وكان يشترك مع المنافقين اليهود، في مناجاة تحزن المسلمين، ثم نهى الله تعالى المؤمنين – ويدخل في خطابهم المنافقون – فقال تعالى: ((يا أيها الذين أمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون، إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون)). [المجادلة 9،10 ].

ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تناجي اثنين دون الثالث، كما في حديث ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث) وفي رواية: (دون واحد) [البخاري (7/142) ومسلم (4/1717)].
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يحزنه). [مسلم (4/1718)].

ويفهم من هذا الحديث أن المنهي عنه أن يحصل تناجٍ بين عدد ويبقى واحدٌ منفرد عن ذلك العدد، حتى ولو كان المتناجون أكثر من اثنين، لأن ذلك يحزنه.
قال القرطبي رحمه الله: "فبين هذا الحديث غاية المنع، وهي أن يجد الثالث من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر، وذلك أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له وللأول: تأخر، وناجي الرجل الطالب للمناجاة. خرجه الموطأ.
وفيه أيضا التنبيه على التعليل بقوله: (من أن يحزنه) أي يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدِّر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنهم لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من أُلقيات الشيطان وأحاديث النفس.
وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد، ولا عشرة ولا ألف مثلا، لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أولى، وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه... ". [الجامع لأحكام القرآن (17/295)].
فالتناجي الذي يترتب عليه شكوك في نفس المنفرد أو يحزنه، منهي عنه، وفيه شيء من المنافاة للأخوة الإسلامية...
وينبغي أن ينسحب هذا الحكم على غير المسلم، كالذمي الذي يرافق مسلمين في سفرهم، لأن لهم ما لنا وعليهم ما علينا.

(108)

المبحث السادس
اجتناب الغيبة والنميمة

الغيبة أن يذكر المسلم أخاه بما يكره وهو غائب، سواء كان ما ذكره موجوداً فيه أم لا، بل إذا لم يكن فيه، فهو مع كونه غيبة بهتان وافتراء، والأدب الإسلامي يقضي بأن يأمن الإنسان على عرضه في حضوره وغيبته.
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الغيبة، مشبهاً من يغتاب أخاه المؤمن، بآكل لحمه بعد موته، وهو غاية في التنفير عن هذا الخلق السيء.
قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم)) [الحجرات: 12].
وفي هذا التشبيه لطيفة، وهي أن الذي يتكلم في عرض أخيه، وهو غائب شبيه بمن يأكل لحم الميت، بجامع أن كلاً منهما لا يقدر أن يدافع عن نفسه، هذا بالإضافة إلى بشاعة الغيبة، كبشاعة أكل لحم الميت من البشر.

وقد بين صلى الله عليه وسلم معنى الغيبة في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة)؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (ذكرك أخاك بما يكره) قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) [مسلم (4/2001)].
يفهم من هذا الحديث أن على من اغتاب المسلم بما فيه، يأثم على الاغتياب، وأن من اغتابه بما ليس فيه، فعليه إثمان: إثم الاغتياب، وإثم الافتراء عليه.

هذا وإذا استمرأ المجتمع الكلام في أعراض الغائبين في مجالسهم، ولم ينكروا ذلك، فان أعراض عامة المجتمع ستنتهك، إذ يصبح ذلك عادة في المجالس دون نكير، وكل من غاب عن المجلس يكون عرضة لاغتيابه ونهش عرضه، لعدم وجود من ينصره ويدافع عنه وهو غائب.
ويترتب على ذلك إساءة الظن والحقد وعدم الثقة، لهذا كان من الواجب على المسلمين أن يحاربوا هذه الصفة الذميمة في مجالسهم، فلا يأذنوا لأحد بالكلام في أعراض الغائبين، ليعملوا بما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه الناريوم القيامة) [الترمذي (4/327) وقال: هذا حديث حسن].

والمسلم الذي لا يقدر على الرد عن عرض أخيه المسلم في المجالس، لا يجوز له أن يغشى تلك المجالس لغير ضرورة.
قال تعالى: ((وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا)) [النساء:40].

قال القرطبي رحمه الله: "فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي، إذا ظهر منهم منكر، لأن من لم يجتنبهم فقد رضي فعلهم، والرضا بالكفر كفر؟ قال الله عـز وجل: ((إنكم إذا مثلهم)). فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكر عليهم، يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكير عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم، حتى لا يكون من أهل هذه الآية... ". [الجامع لأحكام القرآن (5/418)].

فقد حمل القرطبي الآية على عموم المعاصي، كفراً كانت أو غيره، والغيبة إحدى تلك المعاصي التي لا ينبغي للمسلم أن يحضر مجالسها، إلا إذا قدر على إنكارها.

وأخطر من الغيبة النميمة، وهي نقل الكلام بين الناس للإفساد بينهم، وقد يجتمع في النميمة الأمور الثلاثة: نقل الكلام الذي هو من طبيعتها، والغيبة، إذا كان الذي نقل عنه الكلام غائباً، والبهت، إذا كان ما نقله النمام من الكلام من افترائه، ولهذا كانت النميمة أشد خطراً من الغيبة.
وقد أورد الإمام البخاري رحمه الله النصوص المتعلقة بالنميمة في "باب الغيبة" وفي باب: "النميمة من الكبائر" ولعله يشير إلى ما ذكر.
روى ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال: (يعذبان، وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة، ثم دعا بجريدة، فكسرها بكسرتين أو ثنتين، فجعل كسرة في قبر هذا وكسرة في قبر هذا، فقال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) [البخاري (7/86) ومسلم (1/240)].

وإن ما يفعله النمام من الإفساد بين الناس والتفريق بينهم، وإثارة الأحقاد وما قد يؤدي إليه من البغضاء والتدابر والتقاتل، لجدير بأن يجعل المسلمين يأخذون على يديه ولا يأذنوا له بنقل الحديث من بعضهم إلى بعض.
ويجب أن يعلم من ينقل إليه النمام الحديث من آخر، أنه سينقل عنه الحديث إلى ذلك الآخر، وأنه إذا كذب على غيره فسيكذب عليه، وما الذي يمنع مرتكب الكبيرة من الإضرار بالجانبين، ولذلك سماه الرسول صلى الله عليه وسلم بذي الوجهين، لأنه يأتي هذا بوجه وذاك بوجه، أي أنه يبدو ناصحاً لهذا مبغضاً لذلك، فإذا جاء الآخر بدا كذلك محباً له ناصحاً له مبغضاً لخصمه، ومن هنا كان من شر الناس.
كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تجد من شر الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه) [البخاري (7/87) ومسلم (4/2011)].

ومما ورد فيه من الوعيد أنه لا يدخل الجنة، كما روى حذيفة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يدخل الجنة قتّات) [البخاري (7/86) ومسلم (1/101) والقتّات النمّام].

هذا، وليعلم أن من أخطر النمامين المشائين بين الناس بنقل الحديث، أولئك الذين قد يظهرون في صورة الصلحاء الناصحين المحبين لمن نقلوا إليه الحديث، الخائفين عليه من الآخرين، وقد يتظاهرون بالخوف على الدين ويصفون بعض الناس بأوصاف تدل على عدائهم للدين أو مبدأ معين، ويحذرون من هؤلاء الذين يخشى على ذلك المبدأ منهم، وينقلون عنهم زوراً وبهتاناً ما هم بريئون منه، بل قد يكون المتَّهَم أحرص على الدين وعلى المبدأ، من أولئك النمامين الكاذبين.

نعم إن هؤلاء أخطر من غيرهم لتلبسهم بلباس المتدين الناصح، وقد لا يصرحون بأسماء الأشخاص إيغالاً منهم في التلبس بالنصح، وعدم محبة ذكر الأسماء تفادياً للغيبة، ولكنهم يذكرون أوصافاً لهم تعينهم، وذلك قائم مقام التعيين بالاسم، وكثير من هؤلاء المشائين بالنميمة، إذا فتش عنهم المتثبت الذي يخاف الله واليوم الآخر، ويعمل بقول الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) [الحجرات:6].

إذا فتش المتثبت عن هؤلاء، وجدهم كاذبين فيما ينقلون، متصفين بالزور والبهتان، يتخذون ذلك وسيلة للتقرب إلى من يظنون أنه يقدر على قضاء حاجاتهم بالمال أو الجاه والمنصب، أي أنهم يتأكلون بالتظاهر بالحرص على المبدأ والدفاع عنه، من أجل الحصول على فتات الدنيا.

وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله لأمثال هؤلاء بقوله: "باب قول الله تعالى: ((واجتنبوا قول الزور)) [الحج:30].
وساق حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه) [البخاري (7/87)].
أي أن المتعبد الكاذب الذي يصوم رمضان - وكذا الذي يصلي ولا تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر - لا حاجه لله في عبادته المصطنعة.
ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم عنى أمثال هؤلاء عندما قال - كما روى عنه أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمعه يقول -: (يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، يلبسون للناس جلود الضان من اللين، ألسنهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله عز وجل: أبي يغترون، أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران).

وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن الله تعالى قال: لقد خلقت خلقاً ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، فبي حلفت لآتينهم فتنة تدع الحليم حيران، فبي يغترون أم علي يجترئون)) [الحديثان في سنن الترمذي، وقال عقب حديث ابن عمر: هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عمر].

فعلى المجتمع الإسلامي أن يحذر ذوي الألسنة الحلوة والملمس اللين، وهم يخزنون قلوبا خبيثة مليئة بالحقد، وهي أشد مرارة من الصبر، وإلا فكيف يأمن المسلم، بل كيف يأمن المجتمع كله، إذا كان أفراده لا يتثبتون مما ينقل إليهم عن إخوانهم من قالة السوء، وهل يجوز قبول كل ما ينقل من التجريح والاتهام بدون تثبت، وهل المسلم الذي ينقل الحديث أو يجرح مسلماً معصوم، ولوكان ظاهره الصلاح؟

إذا كان الله تعالى قد أمر بالتثبت في عهد رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي كان أصحابه أشد خشية لله من سواهم، وكانوا يتحرجون من الحديث في أعراض الناس، فكيف بهذا الزمن الذي لبس فيه فساقٌ ثيابَ أتقياء؟
نعم يجب على المسلم إذا رأى منكراً أن ينصح فاعله، فإذا أصر عليه نقل ذلك إلى من يقدر على إزالته من أولياء الأمور، وذلك من الحسبة الشرعية، ولكن هذا لا يلغي وجوب التثبت من الأمرخوفاً من ((ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) [الحجرات(6)].

ويجوز للمظلوم أن يذكر ظالمه بما فيه ولوكان غائباً ليعان عليه.كما قال تعالى: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً)) [النساء:148].
وبهذا يعلم أن إقرار المسلمين، أفرادا وجماعات لانتشار الغيبة والنميمة، في الأمة الإسلامية من أهم وسائل إضعاف الأخوة الإسلامية، ومما يفقد المسلمين الأمن والاطمئنان.

(109)

المبحث السابع
منافسة المسلم للمسلم فيما بدأ فيه من المعاملات

إن الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما حظره الشارع، ومن ذلك البيع والشراء والنكاح، فلكل واحد أن يبيع ماله ممن يشاء وأن يشتري السلعة ممن يريد، وأن يتزوج أي امرأة رغب في نكاحها ما دامت مباحة له.
ولكن المسلم إذا سبقه أخوه المسلم، فرآه يساوم على سلعة ليشتريها أو يبيعها، أو سبقه إلى خطبة امرأة يريد نكاحها، فلا ينبغي له أن يتقدم ليشتري على شرائه ويبيع على بيعه، أو يخطب على خطبته، لما في ذلك من إغاظته وتكدير خاطره.

فإذا رآه ترك ما كان يريد شراءه أو بيعه، أو خطبة المرأة التي كان يريد نكاحها، فله أن يتقدم بعد ذلك للبيع أو الشراء أو الخطبة، ولا حرج عليه في ذلك، إذ لا ينافي عمله حينئذ مقتضى الأخوة الإسلامية، كما هو الحال بالنسبة للحالة الأولى.

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله حسماً للخلاف وسداً لذريعة الأحقاد والتهاجر.
روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض) [البخاري (3/24) ومسلم (3/1154)].
وعنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له) [البخاري (6/136) ومسلم (3/1154)].
وفي حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يسم المسلم على سوم أخيه) [مسلم (3/1154)].
ونهى صلى الله عليه وسلم عن النجش، وهو أن يزيد الرجل في ثمن السلعة التي يساوم عليها أخوه، وهو لا يريد شراءها، وإنما يستثيره ليشتريها بأكثر من ثمنها.
روى أبو هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن (تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، وأن تسأل المرأة طلاق أختها، وعن النجش، وأن يستام الرجل على سوم أخيه) [البخاري (3/24) ومسلم (3/1155)].

وفي هذا الحديث زيادة على ما مضى النهي عن تلقي الركبان، أي أن يتلقى بعض أهل السوق الباعة قبل دخولهم السوق، ليشتروا منهم السلع بثمن أقل، ثم يبيعوها في السوق بثمن أكثر، وفي ذلك ضرر على البائع وعلى المشترين من أهل السوق.
وفيه النهي عن بيع حاضر لباد، لأن البادي يبيع بما تيسر له حسبما يرى من الأسعار في السوق، أما الحاضر فإنه يغلي على الناس السلع فيضرهم بذلك.
وفيه نهى المرأة عن سؤالها طلاق ضرتها، واشتراط طلاق الرجل امرأته ليتزوجها، وقد أطلق عليها في الحديث لفظ (أختها) إشارة إلى أن مقتضى الأخوة الإسلامية ينافي ذلك.

فهذه الأمور كلها نهى عنها الشارع، لما فيها من الأضرار على المجتمع، وما يحدثه ذلك في نفوس الناس على من تعاطى تلك المعاملات، فإذا تقيد المسلمون بهذا النهي، وابتعدوا عما فيه ضرر على غيرهم، تحققت بينهم الأخوة الإسلامية، وأمن الأخ أخاه وأحبه، وائتلفت القلوب، وزال الاستجابة لتحريش الشيطان ووساوسه، أو خفت.
قال الحافظ بن حجر، رحمه الله: "قال العلماء: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمع عليه.
وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئاً ليشتريه، فيقول له: رده لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر، ومحله بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر...". [فتح الباري (4/353ـ354) وراجع شرح النووي على مسلم (10/158ـ159)].

وقال النووي، رحمه الله: "هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها، إذا كان قد صرح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك.." [شرح النووي على مسلم (9/197)].

(110)

المبحث الثامن: الابتعاد عن الغش والكذب

الغش والكذب والخيانة والغدر والفجور، كلها ضد النصح الذي أوجبه الشارع لكل مسلم على كل مسلم. [راجع المبحث الثامن عشر من الفصل الأول في هذا الباب].
وهذه الأمور إذا تمكنت من نفوس أفراد المجتمع وانتشرت فيه، اختل توازنه وضرب الله بعضه ببعض، وأصبح كل فرد فيه لا يأمن الأخرين على قضيب من أراك، وفي ذلك غاية التردي والانتكاس وغاية الخوف والقلق.
لذلك حذر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من تلك الصفات تحذيراً شديداً، وهي متلازمة، فالغش - مثلا - كذب وخيانة وغدر وفجور.. وهكذا…

أمر الله سبحانه وتعالى بأداء الأمانة إلى أهلها. فقال: ((إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)). [النساء:58].
ونهى سبحانه عن إضاعة الأمانة بالخيانة، فقال: ((يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون)) [الأنفال:27].
ووعيد الغاش للمسلمين شديد عند الله وعند رسوله، حيث أظهره صلى الله عليه وسلم، كأنه ليس من المسلمين، كما روى أبو هريرة، رضي الله عنه أن رسول لله صلى الله عليه وسلم، قال: (من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا) [مسلم (1/99)]. تأمل كيف نزل من غش المسلمين كمن قاتلهم في الذنب.
وفي حديث أبي هريرة أيضا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: (ما هذا)؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني). [مسلم (1/99)].
ووصف صلى الله عليه وسلم من اتصف بالكذب والخيانة والغدر والفجور، بالنفاق كما في حديث عبدالله بن عمرو، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر). [البخاري (1/14) ومسلم (1/78)].
ولقد تفشت هذه الصفات في كثير من المسلمين حتى أصبح الأخ لا يأمن أخاه على كثير من أموره.

وهنا تنبيه لا بد منه، وهو أن كثيرا من الناس، يطرأ بأذهانهم عند ذكر الكذب والغش، غش الأفراد للأفراد، ويغيب عنهم، أن أسوأ الكذب وأشد الغش، وأعظمهما خطرا على المسلمين، وقوعهما بين الراعي ورعيته، أو بين دولة وأخرى من دول الشعوب الإسلامية، لأن ضررهما في هذه الحالة يحطم الشعوب بأكملها، حيث لم يعد الشعب يثق في حاكمه، والحاكم لا يثق في شعبه، ويترتب على ذلك إظهار كل طائفة ولاءها للأخرى، مع اتخاذ كل منهما ما يتاح لها من الكيد والمكر بأختها.

وأيهما أعظم جرما غش شخص لآخر، بإخفاء طعامه المبلول في أسفله ليستر عيب ما يريد بيعه، من المشتري، أم غش حكومات تتولى أمور الأمة لشعوبها في ضرورات حياتها، من الدين والنفس والعرض والعقل والمال؟
غش في التعليم، وغش في الاقتصاد، وغش في الإعلام، وغش في عدم إعداد عدة الدفاع عن الوطن، وغش في العلاقات الدولية التي تخضع الشعوب للدول المعادية لها.
بل لقد فشا الغش والخداع والمكايدة، بين الجماعات والأحزاب في الشعب الواحد، فأصبحت كثير من الشعوب تغلي بتدبير المكايد بين تلك الجماعات والأحزاب، وبين هذه كلها وبين الحكام فيها، مما أضعف الشعوب الإسلامية وجعلها لقمة سائغة لأعدائها المتربصين بها.

ولهذا عظَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الغش الذي يصدر من ولاة الأمر، كما في حديث معقل بن يسار المزني الذي ذكره لعبيد الله بن زياد عندما زاره في مرض موته، معقل، فقال له معقل: (إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو علمت أن لي حياة ما حدثتك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة)) [صحيح مسلم، رقم 142]
والغش والكذب، يثمران البغضاء والتنافر، وتمني كل طائفة طرد الطائفة الأخرى من هذه الحياة، بل تدعو عليها بطردها من رحمة الله، بدلا من اتخاذ أسباب غرس الأخوة الإسلامية في النفوس، يدل على ذلك، حديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : (خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ....) [صحيح مسلم، رقم 1855]
فكيف تتوطد الأخوة الإسلامية في أمة هذا حالها في غالب شعوبها؟!
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2009, 04:15 PM   #3 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي


إن أسرتنا المسلمة صورة مصغرة لمجتـمـعـنـا الإسلامي الكبير، وهي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع المؤمن.. فيها تعد معاييره ومبادئه ومـثلــه العليا، وفي ظلها يتلقى الأطفال مشاعر الخير، وبذور الإيمان ، وكلما نجح الأبوان في أداء هــذا الواجب ، نجح المجتمع وتمكن من الوصول إلى غاياته وأهدافه.
"ولقد دلت تجارب العلماء على ماللتربية في الأسرة من أثر عميق خطير، يتضاءل دونه أثر أية منظمة اجتماعية أخرى في تعيين الشخصيات وتشكـيـلـهـا ، وخـاصــة خــلال مرحلة الطفولة المبكرة ، أي السنوات الخمس أو الست الأولى من حياة الفرد.
وذلك لأسباب عدة منها: أن الطفل في هذه المرحلة لا يكون خاضعاً لتأثير جـمـاعـة أخرى غير أسرته. ولأنه يكون فيها سهل التأثر سهل التشكل ، شديد القابلية للإيحاء والتعليم.. قليل الخبرة ، عاجزاً ضعيف الإرادة قليل الحيلة.. وتكون السنوات الأولى من حياة الطفل فترة حاسمة خطيرة في تكوين شخصيته ، وتتلخص خطورتها في أن ما يغرس فـي أثنائهــا مــن عــادات واتجاهات وعواطف ومعتقدات يصعب أو يستعصى تغييره أو استئصاله فيما بعد، ومن ثم يبقى أثراً ملازماً للفرد في عهد الكبر " (1).
وقـبــل ذلك بـيـن رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- :» أنه ما من مولود يولد إلا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو يمجسانه«(2) ،"هذه الفطرة لو ترك الطفل من غير تأثير لما كان إلا مسلماً، ولـكـن الحـجـب قد تحول دونها بالتوجيه للاعتقادات الباطلة"(3).
يقول ابن القيم-رحمه الله-: " وأكثر الأولاد إنمــا جــاء فـســادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم فرائض الدين وسـنـنـه، فــأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كباراً، كما عاتب بعضهم ولده على الـعـقـوق فـقـال : يا أبتِ إنك عققتني صغيراً، فعققتك كبيراً، وأضعتنى وليداً فأضعتك شيخاً"(4).
لذا فواجب الأبوين المسلمين: رعــايـة الفـطـرة والاجتهاد في تحسين تربية أبنائهما، ولا يكفل لهما النجاة يوم الحساب إلا أن يبذلا ما في وسعهما لصلاح رعيتهما، وصيانة الفطرة من الانحراف ،» كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته «.
وفي ظل المجتمع المسلم ، يعرف كل فرد دوره ورسالته ، ويتحمل مسؤوليته متطلعاً إلى ما هو خير وأبقى من الدنيا الفانية، وبالإسلام تعرف المرأة أنها ذات رسالة تؤجر عليها إن أدتها كما يريد الله سبحانه وتعالى . وهي رسالــة تتناسب مــع تكوينها الفطري . إنـهـا المحـضــن الدافيء العطوف للأطفال.. فهي أقدر من الرجل على إرواء حاجات الطفل من المحبة والـحـنــان وبقية حاجاته الأساسية، التي لو حرم منها الطفل لعانى الكثير من المصاعب في مستقبل حياته.
" والطفل في سنواته الأولى على الأقل يحتاج إلى أم متخصصة لا يشغلها شيء عن رعاية الطفولة وتنشئة الأجيال، وأن كل أمر تقوم به خلافاً لتدبير أمور البيت، ورعاية الأطفال، إنما يتم على حساب هؤلاء الأطفال ، وعلى حساب الجيل القادم من البشرية"(5).
أما لوثة انشغال الأمهات، فهي لـوثــة حـديـثـة، هاجمتنا مع دعاة الغزو الفكري لتهدم بنياننا من الداخل ، وتقبَّلها أتباع كل ناعق .. رغـم أن الـعـقـلاء عند الأمم الغربية بدأوا يشكون من تمزق الأسرة، وتتوالى صرخاتهم من تلك الديار تشكــو انشغال الآباء، وضياع الأبناء.
فماذا حصَّل المجتمع؟ ماذا لاقى الأطفال؟ بل ماذا جنت المرأة نفسها؟! لقد تحول كثير من بيوتنا إلى مسخ قاتم بدلاً من أن تكون جنة يتفيأ ظلالها جميع أفرادها. وصارت الكآبة تكلل الجميع ، بعد أن أتلف العمل كنز عواطفها وجفف ينابيعه . وأنَّـى يلقــى المجتمع العلاقات الإنسانية النبيلة، التي وأدناها يوم أن عملت المرأة، وتركت الأطفال يعيشون في أجواء يفقد فيها الحنان والحب والاستقرار .
فالتعب والكدح قد أثقل كاهلها واستقطبا وقتها، فحرمها من رحابة الصدر التي تعينها في توجيه أطفالها ومداعبتهم ، وأصبحت موزعة العواطف مشتتة الجـهــود، لا تجـد وقتاً تخلو فيه لحاجاتها الضرورية، بل الراحة والاستقرار ، وإذا أكدنا علـى أهـمـيــة المرأة، ذلك لأن الطفل أكثر التصاقاً بها في سنوات العمر الأولى لحاجته الماسة إليها.
إلا أن الأسرة ليست أمومة فحسب ، وإنما يكمل كل من الزوجين الآخر ولكل دوره. والمرأة والرجل قطبا الإنسانية - كما يقول مالك بن نبي -رحمه الله - (6) ، فالرجل بما يوفر لزوجته من سكن نفسي وطمأنينة وتأمين الكسب الذي يكفل لها ولأبنائها الحياة الكريمة لتؤدي مهمتها باطمئنان.
وكلا الزوجين بلغة العصر " الجندي المجهول " الذي يربي الأجيال ، أو بالأحرى من الأخفياء الأتقياء، يتعاونان في إعداد شباب المستقبل وأمهاته ، رغبة فى الأجر واحتساباً لما عند الله بعيداً عن الظهور والمحاراة، وطمعاً بثواب صدقة مستمرة تبقى إلى ما بعد الموت.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:»إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له«(7).

أما وقد أصبحت العادة في بعض البيوت أن تتنازل الأم عن دورها، فتوكل إلى الخادمة أمر أطفالها، إطعاماً ورعاية، بل توجيهاً وتربية، فذلك ضريبة أخرى تدفعها الأسر بدل عمل المرأة ،وإن كان الأمر لا يخلو من حالات أخرى تسند فيها الأم أعمالها إلى الخادمة ، ولعل من أسباب وجود هذه الظاهرة:
1 - كسل الأمهات.
2 - التهرب من المسئولية.
3 - التباهي في الرفاه والمظاهر الكاذبة، والأنفة من القيام بواجبتهن الأسرية.
والسبب الأصيل لكل ذلك هو: البعد عن التصور الحقيقي للإسلام. وتكون الطامة الكبرى عند استقدام الخادمة - الأجنبية الكافرة - فهي تنقل عادات قومها وقيمهم إلى أبناء أسرنا بسبب تأثيرها المباشر عليهم.
وأصبح كثير من بيوتنا فيه خلط عجيب من الأخلاق والعادات والتقاليد. والواقع المحسوس يأتي بالمضحكات المبكيات.
إن الرقي الحضاري لا يكمن في تأمين الرفاه وتوفير الخدم ، وإنما هو نتاج تربية واعية مدروسة، لا تقدر عليها الخادمة، وهي أمية غالباً ، وقد تكون على دين يخالف ديننا.
والأب الأناني الذي تخلى عن واجبه الأسري دونما سبب ذي بال إلا أن يلهو مع أقرانه ، أو يشتغل بتنمية ماله.. فعهد إلى السائق أو الخادم أن يقوم بدور الأب ، هو الموجه وهو صاحب السلطان.
وهكذا.. أصبح كثير من الأطفال - صانعي المستقبل - لا ارتباط حقيقي لهم بدينهم ولا بأسرهم ، بسبب هذا الوباء الذي عم كثيراً من الآباء والأمهات : الانهزامية والتهرب من المسئولية.

فيا أختي المسلمة : لا اعتراض على وجود الخادمة، إن كنت بحاجة إليها، ولا تنسي أن لها مهمتها ولك مهمتك ، فلا تتنازلي لها راضية عن عملك أُمَّاً مربية لأطفالك وهذا أخص خصائصك.. ساعدي ابنك على البر بك.
إن الحنان الذي يرافق إطعامك لطفلك ، والبسمة التي تشجعه إذا أصاب ، والنظرة العاتبة التي ترده إلى جادة الصواب إن أخطأ.. كل ذلك له الأثر الذي لا يمحى من ذاكرة الطفل.
وأنت أيها الأب الكريم: ليسع عطفك ابنك ، وهذا هو خير عطاء تمنحه إياه ، إن دخولك المنزل تحمل الأغراض التي ساعدك بشرائها الخادم ، وتقدمها بيديك لزوجتك وأولادك لا يعوض عملك هذا ملء البيت ألعاباً وتحفاً وملابس وحلوى يباشر تقديمها لهم الخادم. والله أسأل أن يوفق أسرنا المسلمة إلى التربية البناءة الواعية .


-----------------------

• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2009, 04:16 PM   #4 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين ، حمداً يليق بجلاله وكماله،حمداً على قدر حبه لرسوله الأمين، حمداً يوازي عطاءه للمؤمنين... والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين:
خاتم النبيين،وإمام المرسلين،وقائد الغُر المُحجَّلين؛ سيدنا محمد، وآله وصحبه،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،وبعد.
فقد فتُرت علاقة المسلمين - بمرور الزمن،وتتابع الفتن- برسولهم صلى الله تعالى عليه وسلم،حتى اقتصرت- في معظم الأحيان- على الصلاة عليه عند ذكره،أو سماع من يذكره؛أو "التغني به في ليلة مولده أو ذكرى الهجرة أو ليلة الإسراء"(1)... دون أن تكون بين المسلمين وبينه تلك الرابطة القوية التي أرادها الله سبحانه لهم من خلال حبه صلى الله عليه وسلم،والتأسي به في أخلاقه وأفعاله.
وإذا كان المسلمون في عصرنا الحالي - خاصة الشباب منهم- يدَّعون أنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم،فإن أفعال بعضهم تؤكد عكس ذلك؛ ربما لأنهم لا يعرفون كيف يحبونه!!
وفي خضم الحياة المعاصرة نجد الأمور قد اختلطت، والشرور قد سادت،وأصبح النشء والشباب يرددون :"نحن لا نجد القدوة الصالحة" ...وبدلاً من أن يبحثوا عنها نراهم قد اتخذوا المشاهير من المفكرين أ و الممثلين السينمائيين، أواللاعبين ،أو المطربين قدوة ومثلاً ... وما نراهم إلا استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!!!
من هنا كانت الحاجة ملحة لأن نعيد إلى أذهاننا وأذهان أبناءنا من الأطفال والشباب الصورة الصحيحة للقدوة الصالحة ،والشخصية التي تستحق أن تُتبع وأن يُحتذى بها.
وفي السطور القليلة القادمة نرى محاولة لإعادة الصورة الواضحة للقدوة المثالية التي تستحق أن تتبع،وتأصيل ذلك منذ الطفولة حتى نبني أجيالاً من الشباب الصالحين الذين يمكن أن يكونوا هم أنفسهم قدوة لغيرهم.
ولا تخفي كاتبة هذه السطور أنها تمنت- أثناء قراءتها لإعداد هذا المقال- أن يوفقها المولى سبحانه لتتصف ببعض صفاته صلى الله عليه وسلم ... وهي الآن تتمنى ذلك أيضاً لكل من يقرؤه ، وعلى الله قصد السبيل،ومنه وحده التوفيق...والحمد لله رب العالمين.

د.أماني زكريا الرمادي


--------------------------------------------------------------------------------

1- ما هو حب الرسول صلى الله عليه وسلم؟
"إن المقصود بحبه ليس فقط العاطفة المجردة، وإنما موافقة أفعالنا لما يحبه صلى الله عليه وسلم ،وكُره ما يكرهه، وعمل ما يجعله يفرح بنا يوم القيامة...ثم التحرق شوقاً للقياه، مع احتساب أننا لا نحبه إلا لله ، ‍وفي الله ،وبالله" (2)
وخلاصة حبنا له أن يكون- صلى الله عليه وسلم- أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأولادنا ؛ فقد روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده" ، فلما قال له عمر: "لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي،قال له صلى الله عليه وسلم:"لا، والذي نفسي بيده،حتى أكون أحب إليك من نفسك"، فلما قال له عمر:"فإنك الآن أحب إلي من نفسي يا رسول الله" ،قال له:" الآن يا عمر" !!

2- لماذا يجب أن نحب الرسول صلى الله عليه وسلم؟؟؟
أ-لأن حبه صلى الله عليه وسلم من أساسيات إسلامنا، بل أن الإيمان بالله تعالى لا يكتمل إلا بهذا الحب!!! وقد اقترن حبه صلى الله عليه وسلم بحب الله تعالى في الكثير من الآيات القرآنية،منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:" قُل إن كان آباؤكم، وأبناؤكم وإخوانُكم وأزواجُكم ،وعشيرتُكم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشَون كسادَها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من اللهِ ورسولهِ،وجهادٍ في سبيلِه، فَتربَّصوا حتى يأتي اللهُ بأمرِه،واللهُ لا يهدي القومَ الفاسقين" ، و" قُل إن كنتم تحبون اللهَ فاتَّبعوني يحبِبِكُم اللهُ "
ب- لأنه حبيب الله الذي أقسم بحياته قائلاً:" لَعَمرُك إنَّهُم لَفي سَكْرَتِهِم يَعمَهون"
والذي اقترن اسمه صلى الله عليه وسلم باسمه تعالى:
* مرات عديدة في القرآن الكريم ،
* و في الشهادة التي لا ندخل في الإسلام إلا بها
* وفي الأذان الذي يُرفع خمس مرات في كل يوم وليلة

كما نرى الله تعالى قد فرض علينا تحيته صلى الله عليه وسلم بعد تحيته سبحانه في التشهد في كل صلاة........ فأي شرف بعد هذا الشرف؟!!!
ج- لأنه حبيب الرحمن الذي قرَّبه إليه دون كل المخلوقات ليلة المعراج ، وفضَّله حتى على جبريل عليه السلام،"كما خصه - صلى الله عليه وسلم- بخصائص لم تكن لأحد سواه،منها: الوسيلة، والكوثر، والحوض،والمقام المحمود"(3)...ومن الطبيعي أن يحب المرء حبيب حبيبه،فإذا كنا نحب الله عز وجل،فما أحرانا بأن نحب حبيبه!!!
د-لأن حبه- صلى الله عليه وسلم- ييسر احترامه، واتباع سنته ،وطاعة أوامره ، واجتناب نواهيه... فتكون النتيجة هي الفوز في الدنيا والآخرة.
هـ-لأن( الله تبارك وتعالى قد اختاره من بين الناس لتأدية هذه الرسالة العظيمة،فيجب أن نعلم أنه اختار خير الأخيار،لأنه سبحانه أعلم بمن يعطيه أمانة الرسالة ،ومادام اصطفاه من بين كل الناس لهذه المهمة العظيمة،فمن واجبنا نحن أن نصطفيه بالمحبة من بين الناس جميعاً)(4)
هـ- لأنه صلى الله عليه وسلم النبي الوحيد الذي ادَّخر دعوته المستجابة ليوم القيامة كي يشفع بها لأمته،كما جاء في صحيح مسلم:"لكل نبى دعوة مجابة، وكل نبى قد تعجــل دعــوته، وإنــى اختبأت دعوتى شفــاعة لأمتي يــوم القيامة" ، وهو الذي طالما دعا ربه قائلاً:"يارب أمتي ، يارب أمتي" ، وهو الذي سيقف عند الصراط يوم القيامة يدعو لأمته وهم يجتازونه،قائلاًً:" يارب سلِّم ، يارب سلِّم"
و- لأنه بكى شوقا إلينا حين كان يجلس مع أصحابه ، فسألوه عن سبب بكاءه، فقال لهم :"إشتقت إلى إخواني"، قالوا :"ألسنا بإخوانك يا رسول الله؟!" قال لهم:"لا"،إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني"!!
ز- لأن المرء مع مَن أحب يوم القيامة"كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم،فإذا أحببناه حقاً صرنا جيرانه- إن شاء الله- في الفردوس الأعلى مهما قصرت أعمالنا،فقد روى أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال:"يا رسول الله ،متى الساعة"،قال له:" وما أعددت لها؟"، قال :"حب الله ورسوله"،قال: " فإنك مع مَن أحببت"!!
و-لأن الخالق- وهو أعلم بخلقه- وصفه بأنه " لعلى خلُق عظيم" ،وبأنه:" عزيز عليه ماعَنِتُّم،حريص عليكم ، بالمؤمنين رءوف رحيم" ؛ كما قال هو عن نفسه : " لقد أدَّبني ربي فأحسن تأديبي" ،ولقد ضرب - صلى الله عليه وسلم أروع الأمثال بخُلُقه هذا ،فأحبه،ووثق به كل من عاشره من المؤمنين والكفار على السواء، فنشأ وهو معروف بينهم باسم"الصادق الأمين" ...أفلا نحبه نحن؟!!!
ح- لأن الله تعالى شبَّهَه بالنور -الذي يخرجنا من ظلمات الكفر والضلال، ويرشدنا إلى ما يصلحنا في ديننا ودنيانا- في قوله سبحانه:"قد جاءكم من الله نورٌ وكتابٌ مبين"(5) فالإسلام لم يأت إلينا على طبق من ذهب،وإنما وصل إلينا بفضل الله تعالى ،ثم جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وصبره وملاقاته الصعاب"(6) ...فما من باب إلا وطرقه الكفار ليثنوه عن عزمه،ويمنعوه من تبليغ الرسالة؛ فقد حاولوا فتنته، بإعطاءه المال حتى يكون أكثرهم مالاً،وبجعله ملكا وسيدا ً عليهم، وبتزويجه أجمل نساء العرب،فكان رده عليهم-حين وسَّطوا عمه أبي طالب-"والله يا عم ، لو وضعوا القمر في يميني،والشمس في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته ،حتى يُظهره الله ،أو أهلك دونه"
ثم هم هؤلاء يحاولون بأسلوب آخر وهو التعذيب الجسدي والمعنوي،(ففي الطائف أمروا صبيانهم ،وعبيدهم برميه بالحجارة،فرموه حتى سال الدم من قدميه،وفي غزوة أُحُد شُقت شفته،وكُسرت رباعيته صلى الله عليه وسلم،وفي مكة وضعوا على ظهره روث جزور،وقاطعوه وأصحابه حتى كادوا يهلكون جوعاً،وفي غزوة الخندق جاع حتى ربط الحجر على بطنه صلى الله عليه وسلم…ولكنه لم يتوقف عن دعوته، بل واصل معتصماً بربه،متوكلاً عليه) (7)
ز- لأن حبه يجعله يُسَرُّ بنا عندما نراه يوم القيامة عند الحوض فيسقينا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً.
ح- لأنه هو اللبنة التي اكتمل بها بناء الأنبياء الذي أقامه الله جل وعلا، كما أخبر بذلك أبو هريرة وجاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال : ((إن َمثَلى ومَثل الأنبياء من قبلى كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وُضِعَتْ هذه اللبنة ؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين))

3- لماذا هو خير قدوة ؟
أ- لأن الله تعالى- وهو أعلم بنا وبه- قال في كتابه العزيز:"لقد كان لكُم في رسولِ اللهِ أسوةٌ حسنةٌ لمَن كان يرجو اللهَ واليومَ الآخر"( فلا يعرف قدر رسول اللـه إلا اللـه. وإن قدره عند اللـه لعظيم! وإن كرامته صلى الله عليه وسلم عند اللـه لكبيرة! فقد علِم الله سبحانه أن منهج الإسلام يحتاج إلى بشر يحمله ويترجمه بسلوكه وتصرفاته،فيحوِّله إلى واقع عملي محسوس وملموس، ولذلك بعثه صلى الله عليه وسلم- بعد أن وضع في شخصيته الصورة الكاملة للمنهج- ليترجم هذا المنهج ويكون خير قدوة للبشرية جمعاء)(8)
(فهو المصطفى وهو المجتبى... فلقد اصطفى اللـه من البشرية الأنبياء واصطفى من الأنبياء الرسل واصطفى من الرسل أولى العزم واصطفى من أولى العزم محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اصطفاه ففضله على جميع خلقه… شرح له صدره ،ورفع له ذكره ،ووضع عنه وزره، وزكَّاه في كل شىء :
زكاه في عقله فقال سبحانه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [ النجم: 2].
زكاه في صدقه فقال سبحانه: وَمَا يَنطِقُ عَن الهوىَ [ النجم: 3].
زكاه في صدره فقال سبحانه: أَلم نَشْرح لَكَ صَدْرَكَ [ الشرح: 1].
زكاه في فؤاده فقال سبحانه: مَاكَذَبَ الفُؤادُ مَارَأىَ [ النجم: 11].
زكاه في ذكره فقال سبحانه: وَرَفعنَا لَكَ ذكْرَكَ [ الشرح: 4].
زكاه في طهره فقال سبحانه: وَوَضعنَا عَنكَ وزْرَكَ [ الشرح :2 ].
زكاه في علمه فقال سبحانه: عَلَّمَهُ شَديدٌ القُوىَ [ النجم: 5 ].
زكاه فى حلمه فقال سبحانه: بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [ التوبة :128].
زكاه كله فقال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلقٍ عَظِيمٍ [ القلم: 4 ].
فهو- صلى الله عليه وسلم- رجل الساعة، نبى الملحمة، صاحب المقام المحمود- الذي وعده اللـه به دون جميع الأنبياء- في قوله : {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } [الإسراء-79].
فهذا هو المقام المحمود كما فى حديث مسلم من حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأنا أول شافع وأول مشفع " )(9)
ب-لأنه إمام الأنبياء الذي صلى بهم في المسجد الأقصى ليلة الإسراء والمعراج ، أفنستنكف نحن عن أن نتخذه إماما وقدوة؟!!!
ج-لأنه فُضِّل على الأنبياء - كما جاء في الصحيحين - من حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "فُضِّلتُ على الأنبياء بسـت: أُعطيـت جوامـع الكلـم (فهو البليغ الفصيح) ونُصرت بالرعـب - وفى لفظ البخارى ((مسيرة شهر)) - وأُحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وخُتم بى النبيون)"
د- لأن الله عصمه، وأرشد خطاه ، وسدد رميته، وجعله "لا ينطق عن الهوى"
هـ- لأنه صلى الله عليه وسلم بشر مثلنا، يفرح ويحزن ،يجوع ويعطش،يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يصوم ويفطر،يمرض،ويتألم، ويصح جسده؛ يتزوج وينجب،ويفقد أولاده، ويفقد زوجاته، ويقيم ويسافر...فهو ( النبي الوحيد الذي نستطيع أن نقتدي به في كل نواحي حياته لأن حياته كانت كالكتاب المفتوح)(10)
(فقد جسَّد حياتنا كلها بالمثل الأعلى...فهو مثلنا الأعلى في المعاملات الاجتماعية،مع الزوجة والأولاد و الأرحام،ثم المجتمع الإسلامي،وهو مَثلنا الأعلى في الأخلاق الفاضلة،وَمثلنا الأعلى في الدعوة إلى الله تعالى والصبر عليها،فهو النور الذي نهتدي به في طريقنا )(11)
و-(لأنه صلى الله عليه وسلم كان قدوة صالحة في حسن رعايته لأصحابه، وتَفَقُّده لهم ،وسؤاله عنهم، ومراقبة أحوالهم، ومحاذرة مقصريهم، وتشجيع محسنهم، والعطف على فقرائهم ومساكينهم، وتأديب الصغار منهم، وتعليم الجهلة فيهم)(12) بألطف وأرق الوسائل وأحكمها.

4- لماذا يجب أن نحببه إلى أطفالنا ؟
أ-لأن مرحلة الطفولة المبكرة هي أهم المراحل في بناء شخصية الإنسان، فإذا أردنا تربية نشء مسلم يحب الله ورسوله، فلنبدأ معه منذ البداية، حين يكون حريصا على إرضاء والديه، مطيعاً ، سهل الانقياد.
ب-لأن الطفل (إذا استأنس بهذا الحب منذ الصغر ، سهل عليه قبوله عند الكبر، فنشأة الصغير على شيء تجعله متطبِّعاً به،والعكس صحيح...فمَن أُغفل في الصغر كان تأديبه في الكبر عسيراً)(13)
ج- لأن أطفالنا إن لم يحبوه - صلى الله عليه وسلم - فلن يقتدوا به مهما بذلنا معهم من جهد
د-لأن حبهم له سوف يعود عليهم بالخير والبركة والتوفيق في شتى أمور حياتهم،وهو ما يرجوه كل أب وأم.
هـ - "لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز"قُل إن كنتم تحبون اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبكُم اللهُ ويغفر لكم ذنوبَكم"،فمحبته صلى الله عليه وسلم تجلب حب الله في الدنيا ومغفرته في الآخرة،فأي كرامة تلك؟!"(14) وهل يتمنى الوالد لولده أفضل من ذلك؟!!!
و- لأن الجنة هي مستقر من أحبه ؛ومن ثم أطاعه ، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"كلكم يدخل الجنة إلا مَن أبى،قالوا:"ومَن يأبى يا رسول الله؟"،قال مَن أطاعني دخل الجنة،ومَن عصاني فقد أبى "؛ فهل يتمنى الوالد لولده بعد حب الله والمغفرة إلا الجنة؟!!!
ز- لأن أطفالنا هم الرعية التي استرعانا الله إياها ؛ومن ثم فإن ( الله سبحانه سوف يسأ ل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده - كما يؤكد الإمام بن القيم- فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه ،وتركه سدى، فقد أساء غاية الإساءة،وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم بسبب إهما ل الآباء لهم وتركهم دون أن يعلموهم فرائض الدين وسننه،فأضاعوهم صغاراً،فلم ينتفعوا بهم كباراً"(15)

5- كيف نعلم أبناءنا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
أولاً: بالقدوة الصالحة
إن أول خطوة لتعليمهم ذلك الحب هو أن يحبه الوالدان أولاً، فالطفل كجهاز الرادار الذي يلتقط كل ما يدور حوله،فإن صدق الوالدان في حبهما لرسول الله ،أحبه الطفل بالتبعية، ودون أي جهد أو مشقة من الوالدين،لأنه سيرى ذلك الحب في عيونهم ،ونبرة صوتهم حين يتحدثون عنه،وفي صلاتهم عليه دائما - حين يرد ذكره،ودون أن يرد- وفي شوقهما لزيارته،وفي مراعاتهم لحرمة وجودهم بالمدينة المنورة حين يزورونها،وفي أتباعهم لسنته،قائلين دائما: نحن نحب ذلك لأن رسول الله كان يحبه،ونحن نفعل ذلك لأن رسول الله كان يفعله،ونحن لا نفعل ذلك لأن الرسول نهى عنه أو تركه،ونحن نفعل الطاعات إرضاءً لله سبحانه ،ثم طمعاً في مرافقة ا لرسول في الجنة...وهكذا يشرب الطفل حب النبي صلى الله عليه وسلم دون أن نبذل جهداً مباشراً لتعليمه ذلك الحب!
فالقدوة هي أيسر وأقصر السبل للتأثير على الطفل، ويؤكد ذلك الشيخ محمد قطب بقوله:"إن من السهل تأليف كتاب في التربية،ومن السهل أيضاً تخيل منهج معين ،ولكن هذا الكتاب وذلك المنهج يظل ما بهما حبراً على ورق،ما لم يتحول إلى حقيقة واقعة تتحرك ،وما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه، وتصرفاته،ومشاعره، وأفكاره مبادىء ذلك المنهج ومعانيه،وعندئذٍ فقط يتحول إلى حقيقة"(16)...إذ من غير المعقول أن نطالب أبناءنا بأشياء لا نستطيع نحن أن نفعلها،ومن غير الطبيعي أن نأمرهم بشيء ونفعل عكسه...وقد استنكر البارىء الأعظم ذلك في قوله تعالى:"أتأمرون الناسَ بالبِر وتنسون أنفسَكم وأنتم تتلون الكتابَ ،أفلا تعقلون؟!"(البقرة-44)،وفي قوله جل شأنه:"يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون؟! كَبُر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"
(فإذا اقتدوا بنا تحولوا - بفضل الله - من عبء علينا إلى عون لنا )(17)

ثانياً: بالتعامل مع كل مرحلة عمرية بما يناسبها:
أ- مرحلة ما بعد الميلاد حتى الثانية من العمر:
تلعب القدوة في هذه المرحلة أفضل أدوارها،حين يسمع الطفل والديه يصليان على النبي عند ذكره،أو سماع من يذكره ، وحين يجلسان معا يومي ا لخميس والجمعة- مثلاً- يصليان عليه ،فيتعود ذلك، ويألفه منذ نعومة أظفاره...مما يمهد لحبه له صلى الله عليه وسلم حين يكبر.
كما يمكن أن نردد أمامه مثل هذه الأناشيد حتى يحفظها :
محمد نبينا
أمُّهُ آمِنة
أبوه عبد الله
مات ما رآه
***
"هذا بن عبد الله
أخلاقه القرآن
والرحمة المهداة
عمت على الأكوان"( 18)

ب- مرحلة ما بين الثالثة والسادسة:
يكون الطفل في هذه المرحلة شغوفاً بالاستماع للقصص،لذا فمن المفيد أن نعرِّفه ببساطة وتشويق برسول الله صلى الله عليه وسلم،فهو الشخص الذي أرسله الله تعالى ليهدينا ويعرفنا الفرق بين الخير والشر،فمن اختار الخير فله الجنة ومن اختار الشر فله النار والعياذ بالله،ونحكي له عن عبد الله،وآمنة والدي الرسول الكريم،و قصة ولادته صلى الله عليه وسلم ،وقصة حليمة معه،ونشأته يتيماً( حين كان أترابه يلوذون بآبائهم ويمرحون بين أيديهم كطيور الحديقة بينما كان هو يقلِّب وجهه في السماء ...لم يقل قط" يا أبي" لأنه لم يكن له أب يدعوه ،ولكنه قال كثيراً ،ودائماً:" يا ربي"!!! "( 19)
ومن المهم أن نناقش الطفل ونطلب رأيه فيما يسمعه من أحداث مع توضيح ما غمض عليه منها.
ويستحب أن نحفِّظه الآيتين الأخيرتين من سورتي "التوبة"،و"الفتح"التي تتحدث عن فضائله صلى الله عليه وسلم؛ مع شرح معانيها على قدر فهمه.
كما يمكن تحفيظه كل أسبوع أحد الأحاديث الشريفة القصيرة،مع توضيح معناها ببساطة،من هذه الأحاديث مثلاً :
" من قال لا إله إلا الله دخل الجنة"
"إن الله جميل يحب الجمال"
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً ان يتقنه"
"خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه"
"إماطة الأذى عن الطريق صدقة"
"لا يدخل الجنة نمَّام"
"من لم يشكر الناس، لم يشكر الله "
"ليس مِنَّا مَن لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا"
" ا لمسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده"
"الكلمة الطيبة صدقة"
"لا تغضب، ولك الجنة"
"تَبسَُّمك في وجه أخيك صدقة"
"الراحمون يرحمهم الرحمن""
"من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"
"خير الناس أنفعهم للناس"
"الدين ا لنصيحة"
"الجنة تحت أقدام الأمهات"
"تهادوا تحابُّوا"
"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"
"جُعلت قرة عيني في الصلاة"
"الحياء من الإيمان"
" آية المنافق ثلاث :إذا حدَّث كذب وإذا وعد اخلف ،وإذا اؤتمن خان"

ج- مرحلة ما بين السابعة والعاشرة:
في هذه المرحلة يمكننا أن نحكي لهم مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأطفال،وحبه لهم ، ورحمته بهم،واحترامه لهم،وملاطفته ومداعبته لهم...وهي مواقف كثيرة فيما يلي نذكر بعضها،مع ملاحظة أن البنت سوف تفضل حكاياته مع البنات،والعكس؛ولكن في جميع الأحوال يجب أن يعرفونها كلها؛ فالقصص تحدث آثاراً عميقة في نفوس الأطفال وتجعلهم مستعدين لتقليد أبطالها.
أ- موقفه مع حفيديه الحسن والحسين،حيث كان صلى الله عليه وسلم يحبهما ويلاعبهما ويحنو عليهما،وفيما يلي بعض المواقف لهما مع خير جد)( 20)
*"عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال:"خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء وهو حامل حسناً أو حسيناً،فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم،فوضعه ثم كبَّر للصلاة فصلى،فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال أبي فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر الرسول الكريم،وهو ساجد،فرجعت إلى سجودي؛ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة،قال الناس:" يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يُوحى إليك،فقال :"كل ذلك لم يكن،ولكن ابني ارتحلني ،فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته"!!!
* عن عبد الله بن بريدة،عن أبيه،قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران،فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما،ووضعهما بين يديه،ثم قال:"صدق الله<إنما أموالُكم وأولادُكم فتنة>،فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ،فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما"

*** روى البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه قال:" قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده "الأقرع بن حابس التميمي "جالس، فقال الأقرع:"إن لي عشرة من الولد، ماقبَّلت منهم أحداً"،فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ثم قال:"مَن لا يَرحم لا يُرحم"، وروت عائشة رضي الله عنها أن أعرابي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال:"أتقبِّلون صبيانكم؟! فما نقبِّلهم"،فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أو أملِك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟"

**** وكان صلى الله عليه وسلم يتواضع للأولاد عامة، ولأولاده خاصة،فكان يحمل الحسن رضي الله عنه على كتفه الشريفة، ويضاحكه ويقبله، ويريه أنه يريد أن يمسك به وهو يلعب ،فيفر الحسن هنا وهناك ،ثم يمسكه النبي صلى الله عليه وسلم . وكان يضع في فمه الشريف قليلاً من الماء البارد ،ويمجه في وجه الحسن ،فيضحك، وكان صلى الله عليه وسلم يُخرج لسانه للحسين،فإذا رآه أخذ يضحك .

***** ومن تمام حبه لهما وحرصه على مصلحتهما أنه كان يؤدبهما بلطف مع بيان السبب ،فقد روي أبو هريرة قائلا:"أخذ الحسن بن علي رضي الله تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كخ ،كخ،إرم بها،أما علمت أنَّا لا نأكل الصدقة ؟"
ب- و موقفه مع أخٍ أصغر لأنس بن مالك،وكان يُدعى "أباعمير"، حين علم أنه اشترى عصفوراً،وكان شديد الفرح به ،فكان-صلى الله عليه وسلم- يداعبه كلما رآه قائلاً:"يا أبا عمير مافعل النغير؟" - والنغير صيغة لتصغير "النُغََّّر"،وهو العصفور الصغير- وذات مرة كان صلى الله عليه وسلم يمشي في السوق فرآه يبكي، فسأله عن السبب ،فقال له:"مات النغير يا رسول الله"،فظل صلى الله عليه وسلم يداعبه، ويحادثه ،ويلاعبه حتى ضحك،فمر الصحابة بهما فسألا الرسول صلى الله عليه وسلم عما أجلسه معه، فقال لهم:"مات النغير،فجلست أواسي أبا عمير"!!!
ج- رحمته صلى الله عليه وسلم ( لبكاء الصبي في الصلاة، حتى أنه كان يخففها،فعن أنس رضي الله عنه قال:" ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة، ولا أتم من النبي صلى الله عليه وسلم،وإن كان ليسمع بكاء الصبي ،فيخفف عنه مخافة أن تُفتن أمه"،ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بنفسه،فيقول:"إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها،فأسمع بكاء الصبي فأتجاوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكاءه")(21)
هــ -" إصطحابه صلى الله عليه وسلم الأطفال للصلاة و مسحه خدودهم ، رحمة وإعجاباً وتشجيعاً لهم،فعن جابر بن أبي سمرة رضي الله عنه قال:"صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى- أي الظهر- ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدَّي أحدهم واحداً واحداً،قال: "وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها صلى الله عليه وسلم من جونة عطار"!!(22)
ز- إعطاؤه صلى الله عليه وسلم الهدايا للأطفال،" فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال:" كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه قال:" اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مُدِّنا"، ثم يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثمر!!!
و- صلاته صلى الله عليه وسلم وهو يحملهم، فقد ثبت في الصحيحين عن "قتادة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله ،وهي لأبي العاص بن الربيع،فإذا قام حملها،وإذا سجد وضعها،فلما سلَّم حملها .
ز- إحترامه-صلى الله عليه وسلم- للأطفال ، ودعوته لعدم الكذب عليهم، فقد كان( الصغار يحضرون مجالس العلم والذكر معه،حتى كان أحد الغلمان ذات يوم يجلس عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم،وعلى يساره الأشياخ،فلما أتى النبي بشراب شرب منه ،ثم قال للغلام:"أتأذن لي ان أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام:" لا يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبي منك أحداً،فأعطاه له النبي صلى الله عليه وسلم)!! (23)
وعن عبد الله بن عامر رضي الله عنه ،قال:"دعتني أمي ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت ها تعال أعطك"،فقال لها صلى الله عليه وسلم:" ما أردت أن تعطيه؟" قالت "أعطيه تمرا" ، فقال لها أما أنك لو لم تعطِه شيئا كُتبت عليك كذبة"
ح- وصيته صلى الله عليه وسلم بالبنات-حيث كان العرب يئدونهن في الجاهلية- قائلاً:" من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرائهن،وسرائهن دخل الجنة" فقال رجل :"و ثنتان يا رسول الله؟" قال:" و ثنتان"،فقال آخر:" وواحدة؟" قال: "وواحدة")(24)
ز- حرصه صلى الله عليه وسلم على إرشادهم إلى الصواب وتصحيح مفاهيمهم وأخطائهم بالحكمة،وبصورة عملية لاستئصال الخطأ من جذوره ؛ ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
أن أحد أصحابه- صلى الله عليه وسلم- وكان مولى من أهل فارس قال : "شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم غزوة أُحد فضربت رجلاً من المشركين فقلت:"خذها مني وأنا الغلام الفارسي،فالتفت إليَّ النبي وقال:"هلا قلت خذها مني وأنا الغلام الأنصاري؟"
وهذا عبد الله بن عمر حين لم يكن يقوم الليل،فقال أمامه الرسول صلى الله عليه وسلم:"نِعم الرجل عبد الله، لوكان يصلي من الليل! فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا"
ح- تعليمه صلى الله عليه وسلم لهم حفظ الأسرار،"فعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال:"أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه ،فأسر إلىَّّ حديثا لا أحدث به أحداً من الناس" (25)
ط- رفقه بخادمه "أنس بن مالك" رضي الله عنه،حيث كان يناديه ب"يا بُني" أو" يا أُنيس"-وهي صيغة تصغير للتدليل- يقول أنس:" خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين،والله ما قال لي أف، ولا لِم صنعت ؟ ولا ألا صنعت؟"(26)
ك- (عقده صلى الله عليه وسلم المسابقات بين الأطفال لينشِّط عقولهم ،وينمِّي مواهبهم ويرفع همَّتهم، ويعزِّز طاقاتهم المخبوءة، فقد تصارع "سمرة"، و"رافع" رضي الله عنهما أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرادا الاشتراك في جهاد الأعداء فردهما رسول الله لصغر سنهما،فزكى الصحابة "سمرة" لأنه يحسن الرمي، فأجازه صلى الله عليه وسلم، فقال "رافع" أنه يصارعه- أي أنه أقوى منه- رغم أنه لا يحسن الرمي،فطلب الرسول الكريم منه أن يصارعه، فدخلا معًا مباراة للمصارعة فصرعه رافع، فأجازهما رسول الله صلى الله عليه وسلم!!
ل- رحمته- صلى الله عليه وسلم- بالحيوان،ومن الأمثلة على ذلك:
* قصته مع الغزالة، فقد روي عن أنس بن مالك انه قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط فقالت: يا رسول الله إني أُخذت ولي خشفان(رضيعان) فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم فقال: "أين صاحب هذه؟" فقال القوم: نحن يا رسول الله"، قال: "خلُّوا عنها حتى تأتى خشفيها ترضعهما وترجع إليكم"، فقالوا من لنا بذلك؟ قال "أنا" فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراها منهم وأطلقها.
** وقصته مع (الجمل الذي رآه صلى الله عليه وسلم حين دخل بستاناً لرجل من الأنصار،فإذا فيه جمل فما إن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حتى حنَّ وذرفت عيناه فأتاه الرسول الكريم فمسح ذفراه فسكت،،فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"من رب هذا الجمل؟"
فقال فتى من الأنصار:" أنا يا رسول الله ، فقال له:" ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي أملكك الله إياها؟! فإنه شكا إلي انك تجيعه وتدئبه"(27)
*** وهذا جمل آخر( كانت تركبه السيدة عائشة رضي الله عنها لتروِّضه،فجعلت تذهب به وتجيء ، فأتعبته، فقال لها صلى الله عليه وسلم:" عليك بالرفق يا عائشة")(28)

... وهكذا إلى آخر الحكايات المروية عنه صلى الله عليه وسلم المتاحة بكتب السيرة المعروفة،مما يناسب هذه المرحلة العمرية.

وإذا استطعنا أن نصحب طفلنا معنا لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم بعد التمهيد له عن آداب المسجد - وخاصة المسجد النبوي والمسجد الحرام- وبعد أن نوضح له أ ن الله تعالى يرد عليه روحه حين نصلي عليه، ليرد علينا السلام؛ونوضح له أننا حين ندعو ونحن بجوار القبر الشريف يجب أن نكون متوجهين للقبلة ،فالمسلم لا يدعو إلا الله،ولا يرجو سواه.
كما نعرِّفه فضل الروضة الشريفة، ثم نحرص على أن نصحبه ليقضي بها ماشاء الله له.... فنحن نتكلف الكثير من أجل تعليم أولادنا- لضمان مستقبلهم الدنيوي- والترفيه عنهم،وكسوتهم... إلخ وفي رأي كاتبة هذه السطور أن هذه الزيارة لا تقل أهمية عن كل ذلك ؛ فهي تعلِّمه وترفع من معنوياته، وتزيده قربا من الله و رسوله ،ومن ثمَّ تؤمن له مستقبله في الآخرة عن شاء الله!
وقد ثبت بالتجربة أن هذه الزيارة إذا كانت في المراحل الأولى من عمر الطفل ، فإنها تكون أشد تأثيراً وثباتاً في نفس الطفل، بل وأكثر معونة له على الشيطان،وعلى الالتزام بتعاليم الدين في بقية عمره؛هذا إن أحسن الوالدان التصرف معه أثناء هذه الرحلة المباركة، وساعداه على أن يعود منها بذكريات سعيدة بالنسبة له كطفل.
وإذا أوضحنا له أن هذه الزيارة مكافأة له على نجاحه مثلاً، أو لحسن خُلُقه، أو غير ذلك كان التأثير أبلغ،وكان ذلك أعون له على مواصلة ما كافأناه من أجله.

ومما يعين أيضاً على حبه صلى الله عليه وسلم أن نكافئ الطفل على صلاته على النبي عشر مرات- مثلا - قبل النوم، وبعد الصلاة ،وعندما يشعر بضيق أو حزن...حتى يتعود ذلك.

ثالثاً: مرحلة ما بين الحادية عشرة والثالثة عشرة:
يمكن في هذه المرحلة أن نحكي له - بطريقة غير مباشر ة - عن أخلاق وطباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي أثناء اجتماع الأسرة للطعام أو اجتماعها للتنزه في نهاية الأسبوع ، أو نقوم بتشغيل شريط يحكي عنه في السيارة أثناء الذهاب للنزهة ،مثل شريط"حب النبي صلى الله عليه وسلم للأستاذ "عمرو خالد" مثلاً-أو نهديهم كتباً تتحدث عنه صلى الله عليه وسلم بأسلوب قصصي شيق،مثل: "إنسانيات محمد" لخالد محمد خالد،و"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم" لنجوى حسين عبد العزيز،و" معجزات النبي صلى الله عليه وسلم للأطفال " لمحمد حمزة السعداوي".

ومما يمكن أن نحكي لهم في هذه المرحلة:
أ- أدب السلوك المحمدي:
كان صلى الله عليه وسلم يجيد آداب الصحبة والسلوك،( فكان إذا مشى مع صحابه يسوقهم أمامه فلا يتقدمهم،ويبدأ من لَقيه بالسلام،وكان إذا تكلم يتكلم بجوامع الكلم،كلامه فصل ، لا فضول ولا تقصير،أي على قدر الحاجة،وكان يقول:"من حُسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه"،وكان يقول:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُل خيراً أو ليصمت"،وكان طويل السكوت ، دائم الفِكر،دمث الخُلُق،ليس بالجافي ولا المُهين،يعظِّم النعمة وإن قلَّت، لا تُغضبه الدنيا وما كان لها،فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد،وكان لا ينتصر لنفسه أبداً، و إذا غضب أعرض وأشاح ،وإذا فرح غض طرفه،كل ضحكه التبسم،وكان يشارك أصحابه في مباح أحاديثهم إذا ذكروا الدنيا ذكرها معهم،وإذا ذكروا طعاماً أو شراباً ذكره معهم،كان لا يعيب طعاما يقدم إليه أبداً،وإنما إذا أعجبه أكل منه وإن لم يعجبه تركه...وهو القائل:"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً،و"إن مِن أحبكم إلىَّ وأقربهم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً "،وسُئل –صلى الله عليه وسلم عن البِر فقال"حسن الخلق"،وسُئل أي الأعمال أفضل،فقال:" حسن الخلق")(29)
(وكان صلى الله عليه وسلم يحرص أشد الحرص على أن يسود الود والألفة بين المسلمين،فكان يوصيهم- فيما يوصيهم- بقوله: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث ،فإن ذلك يُحزنه"
وقوله:"لا يقيمن أحدكم رجلاً من مجلسه ثم يجلس فيه... ولكن توسعوا،وتفسحوا يفسح الله لكم"
وقوله:" لا يحل لرجل أن يجلس بين اثنين إلا بإذنهما"
وقوله :" يُسلِّم الراكب على الماشي والماشي على القاعد،والقليل على الكثير،والصغير على الكبير"
ويحدثنا "كلوة بن الحنبل"فيقول:" بعثني صفوان بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهَدِيَّة فدخلت عليه، ولم استأذن ولم أسلم ، فقال لي الرسول:"إرجع فقل:" السلام عليكم ،أأدخل؟")(30)
ثم يتجلى سمو خُلُقه وحسن أدبه في حفاظه الشديد على كرامة الكائن البشري -الذي كرَّمه المولى سبحانه- ومراعاته الذكية لمشاعر الناس وأحاسيسهم،ومما يدل على ذلك :أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يواجه أحداً بأخطاءه وإنما كان يقول:
" ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا .." تاركاً الفاعل الحقيقي يحس بذنبه ويعرف خطأه دون أن يعرف الآخرون عنه شيئا.

ويحكي ( معاوية بن الحكم قائلاً : "بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: (يرحمك الله) فرماني القوم بأبصارهم.
فقلت: واثكل أمياه،ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون أفخاذهم.
فلما رأيت أنهم يصمتونني سكت".
فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه... فو الله ما قهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس... إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن..!" ) رواه مسلم(31)

وعلى الرغم من كل ذلك ؛ فقد كان دائماً يدعو ربه قائلاً:" اللهم كما حسَّنتَ خَلقي فحسِّن خُلُقي"!!!

ب- الكرم المحمدي:
(كان الكرم المحمدي مضرب الأمثال،فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً وهو يجد ما يعطيه،فقد سأله رجل حُلة كان يلبسها،فدخل بيته فخلعها ،ثم خرج بها في يده وأعطاها إياه،وسأله رجل فأعطاه غنماً بين جبلين،فلم يكن الرجل مصدقاً ،فأسرع بها وهو ينظر خلفه خشية أن يرجع النبي الكريم في قوله،ثم ذهب إلى قومه فقال لهم:" يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر!"...وحسبنا في الاستدلال على كرمه صلى الله عليه وسلم حديث بن عباس الذي رواه البخاري :"قال بن عباس حين سئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:" كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في في شهر رمضان،حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن ،فكان صلى الله عليه وسل أجود من الريح المُرسلة" .
وفيما يلي بعض الأمثلة العجيبة على جوده وكرمه:
* أعطى الرسول الكريم العباس رضي الله تعالى عنه من الذهب ما لم يُطِق حمله.
** وأعطى معوذ بن عفراء ملء كفيه حُليا وذهباً لما جاءه بهدية من رُطب وقِثَّاء.
*** جاءه رجل فسأله، فقال له ما عندي شيء ولكن إبتع علي(أي اشتر ما تحتاجه على حسابي وأنا أسدده عنك إن شاء الله) فإذا جاءنا شيء قضيناه"!!) (32)

ج- الحلم المحمدي:
(كان الحلم - وهو ضبط النفس حتى لا يظهر منها ما يكره قولاً أو فعلا عند الغضب- فيه صلى الله عليه وسلم مضرب الأمثال،ولعل ذلك يظهر فيما يلي من الأمثلة:
* لمَّا شُجَّت وجنتاه صلى الله عليه وسلم وكُسرت رباعيته(السِنَّتان الأماميتان بالفك) يوم أُحد رفع يديه إلى السماء،فظن الصحابة أنه سيدعو على الكفار،ولكنه قال:" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" !!!
** ولما جذبه أعرابي برداءه جذبة شديدة حتى أثرت في صفحة عنقه صلى الله عليه وسلم، وقال الأعرابي :" إحمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ،فإنك لا تحمل لي من مالك ومال أبيك"،حلُمَ عليه صلى الله عليه وسلم ولم يزد أن قال:" المال مال الله وأنا عبده ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي" فقال الأعرابي:"لا"، فقال النبي :"لم؟" قال لأنك لا تكافيء السيئة بالسيئة"،فضحك صلى الله عليه وسلم،ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى آخر تمر!!!
*** لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم ضرب خادماً ولا امرأة قط ، بهذا أخبرت عائشة رضي الله عنه ، فقالت:" ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصراً من مظلمة ظُلمها قط،ما لم تكن حُرمة من محارم الله ، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يُجاهد في سبيل الله،وما ضرب خادماً قط ولا امرأة.

ج- العفو المحمدي:
(كان العفو- وهو ترك المؤاخذة ،عند القدرة على الأخذ من المسيء - من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم،وقد أمره به المولى تبارك وتعالى حين تنزل جبريل بالآية الكريمة:"خُذ العفوَ وَأْمُر بالعُرف وأعرِض عن الجاهلين" فسأله صلى الله عليه وسلم عن معنى هذه الآية،فقال له:" حتى أسال العليم الحكيم"،ثم أتاه فقال :" يا محمد إن الله يأمرك ان تصل من قطعك،و وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك"
وقد امتثل صلى الله عليه وسلم لأمر ربه،فنراه:
(ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً- فإن كان إثماً كان ابعد الناس عنه،كما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها.
ويتجسد عفوه حين تصدى له "غورث بن الحارث" ليفتك به صلى الله عليه وسلم والرسول مطّرح تحت شجرة وحده قائلاً(نائماً في وقت القيلولة)، وأصحابه قائلون أيضاً، وذلك في غزوة، فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا و غورث قائم على رأسه، والسيف مسلطاً في يده،وهو يقول:" ما يمنعك مني؟" فقال صلى الله عليه وسلم:"الله"!! فسقط السيف من يد غورث ،فأخذه النبي الكريم وقال:" من يمنعك مني؟"
قال غورث:" كُن خير آخِذ" ،فتركه وعفا عنه،فعاد إلى قومه فقال:" جئتكم من عند خير الناس!"
ولما دخل المسجد الحرام صبيحة الفتح ووجد رجالات قريش - الذين طالما كذَّبوه ، و أهانوه ،وعذبوا أصحابه وشردوهم- جالسين مطأطئي الرؤوس ينتظرون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاتح فيهم،فإذا به يقول لهم:" يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا:" أخ كريم ، وابن أخ كريم"،قال:" إذهبوا فأنتم الطلقاء!!!" فعفا عنهم بعد أن ارتكبوا من الجرائم في حقه وحق أصحابه ما لا يُحصى عدده!!!
ولما تآمر عليه المنافقون ليقتلوه وهو في طريق عودته من تبوك إلى المدينة ، وعلم بهم وقيل له فيهم،عفا عنهم وقال:" لا يُتحدَّث أن محمداً يقتل أصحابه!!! )(33)
وحين كان الكفار ينادونه ب" مذمم" بدلاً من "محمد"، وغضب أصحابه صلى الله عليه وسلم...كان يقول لهم:" دعوهم فإنما يشتمون" مذمماً"، وأنا "محمد"!!! (34)

د- الشجاعة المحمدية:
(كان صلى الله عليه وسلم شجاع القلب والعقل معاً،فشجاعة القلب هي عدم الخوف مما يُخاف منه عادةً،والإقدام على دفع ما يُخاف منه بقوة وحزم،أما شجاعة العقل فهي المُضي فيما هو الرأي وعدم النظر إلى عاقبة الأمر،متى ظهر أنه الحق...فكان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس على الإطلاق! ، ومن أدلة ذلك أن الله تعالى كلفه بأن يقاتل وحده في قوله:" فقاتِل في سبيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نفسك،وحرِّض المؤمنين"(النساء- 84)،ومن بعض أدلة ومظاهر شجاعته صلى الله عليه وسلم ما يلي:
شهادة الشجعان الأبطال له بذلك،فقد قال علي بن أبي طالب ، وكان فارسا مغواراً من أبطال الرجال وشجعانهم :" كنا إذا حمي البأس (اشتدت المعركة)واحمرت الحُدُق(جمع حدقة وهي بياض العين) نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم أي نتقي الضرب والطعان"!!!
وهذا موقفه البطولي الخارق للعادة يوم أُحد حيث ذهل عن أنفسهم الشجعان،ووقف محمد صلى الله عليه و سلم كالجبل الأشم حتى لاذ به أصحابه والتفوا حوله وقاتلوا حتى انجلت المعركة بعد قتال مرير وهزيمة نكراء حلت بالقوم من جراء مخالفتهم لكلامه صلى الله عليه وسلم ،وفي حُنين حين انهزم أصحابه وفر رجاله لصعوبة مواجهة العدو من جراء الكمائن التي نصبها وأوقعهم فيها، وهم لا يدرون... بقي وحده صلى الله عليه وسلم في الميدان يطاول ويصاول وهو على بغلته يقول:" أنا النبي لا كذب.. أنا ابن عبد المطلب"
ومازال في المعركة يقول:" إلىَّ عباد الله ! إليَّ عباد الله" حتى أفاء أصحابه إليه وعاودوا الكرة على العدو فهزموهم في ساعة .

هذه بعض دلائل شجاعته القلبية ، أما شواهد شجاعته العقلية،فنكتفي فيها بشاهد واحد ،فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد،وهو موقفه من تعنُّت "سهيل بن عمرو" وهو يملي وثيقة صلح الحديبية ،حين تنازل صلى الله عليه وسلم عن العبارة" بسم الله" إلى" باسمك اللهم"،وعن عبارة"محمد رسول الله" إلى " محمد بن عبد الله" ،وقد استشاط أصحابه صلى الله عليه وسلم غيظا،وبلغ بهم الغضب حداً لا مزيد عليه، وهو صابر ثابت حتى انتهت وكانت بعد أيام فتحاً مبينا؛ فضرب صلى الله عليه وسلم بذلك أروع مثل في الشجاعة وبعد النظر وأصالة وإصابة الرأي) (35)

هـ- الصبر المحمدي :
(كان الصبر- وهو حبس النفس على طاعة الله تعالى حتى لا تفارقها،وعن معصية الله تعالى حتى لا تقربها،وعلى قضاء الله تعالى حتى لا تجزع له ولا تسخط عليه- هو خُلق محمد صلى الله عليه وسلم،فقد صبر وصابر طيلة عهد إبلاغ رسالته الذي دام ثلاثاً وعشرين سنة،فلم يجزع يوماً، ولم يتخلَّ عن دعوته وإبلاغ رسالته حتى بلغ بها الآفاق التي شاء الله تعالى أن تبلغها،وباستعراض المواقف التالية تتجلى لنا حقيقةالصبر المحمدي الذي هو فيه أسوة كل مؤمن ومؤمنة في معترك الحياة:
صبره صلى الله عليه وسلم على أذى قريش طوال فترة بقاءه بينهم بمكة ،فقد ضربوه وألقوا روث الجزور على ظهره ، وسبوه واتهموه بالجنون مرة وبأنه ساحر مرة ،وبأنه كاهن مرة، وبأنه شاعر مرة ،وعذبوا أصحابه وحاصروه معهم ثلاث سنوات مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وحكموا عليه بالإعدام وبعثوا رجالهم لتنفيذ الحكم إلا أن الله عز وجل سلَّمه وعصم دمه.
و صبره صلى الله عليه وسلم عام الحزن حين ماتت خديجة الزوجة الحنون التي صدقته حين كذبه الناس، وآوته حين طرده الناس، وأعطته حين حرمه الناس، وواسته حين اتهمه الناس...وصبره حين مات العم الحاني الحامي المدافع عنه ،فلم توهن هذه الرزايا من قدرته وقابل ذلك بصبر لم يعرف له في تاريخ الأبطال مثيل و لا نظير.
وصبره في كافة حروبه في بدر وفي أُحد وفي الخندق وفي الفتح وفي حنين وفي الطائف حين حاربته البلدة كلها ،وفي تبوك فلم يجبن ولم ينهزم ولم يفشل ولم يمل، حتى خاض حروبا عدة وقاد سرايا عديدة ،فقد عاش من غزوة إلى أخرى طيلة عشر سنوات !!! فأي صبر أعظم من هذا الصبر؟!!
و صبره صلى الله عليه وسلم على الجوع الشديد،فقد مات صلى الله عليه وسلم ولم يشبع من خبز الشعير مرتين في يوم واحد قط!!!وهو الذي لو أراد أن يملك الدنيا لملكها ولكنه آثر الآخرة ونعيمها)(36)

الرحمة المحمدية
كان صلى الله عليه وسلم يرحم الناس( رحمة الأقوياء الباذلين وليست رحمة الضعفاء البائسين،وكان يمارسها ممارسة مؤمن بها، متمضخ بعطرها، مخلوق من عجينتها)(37)
حتى أن ربه قال عن رحمته صلى الله عليه وسلم لسائر الخلق"وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين"،وقال عن رحمته للمؤمنين خاصة:" بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم"
وحين أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة فخرج إلى الطائف،وقف أهلها في صفين يرمونه بالحجارة ،فدميت قدماه الشريفتان ، وشكا إلى الله تعالى ضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الناس ...فنزل جبريل عليه السلام ، (وقال يا محمد:" لو شئت أن أطبق عليهم الأخشبين "جبلين بمكة" لفعلت" ، فقال له رسول الرحمة والتسامح:" لا ، لعل الله يخرج من بين ظهرانيهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا" ، و قد صحت نظرة الرحمة والحلم المحمدية ، ودخل الناس في هذه الأماكن وغيرها في دين الله أفواجا !!!
وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً حتى في مقاتلته لأعداء دينه،فقد كان يوصي جيشه المقاتل بألا يضرب إلا من يضربه أو يرفع عليه السلاح ، وكان يقول" لا تقتلوا امرأة ولا وليداً ولا شيخا ولا تحرقوا نخيلا ولا زرعا، كما كان يحرص على عدم التمثيل بهم أو المبالغة في إهانتهم ، فيقول :" إجتنبوا الوجوه ولا تضربوها"!! )(38)
(وورد في البخاري مما رواه أنس رضي الله عنه أن غلاماً يهودياً كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما مرض،عاده الرسول الكريم فقعد على رأسه وقال له :" أسلِم " فنظر إلى أبيه و هو عنده،فقال:"أطع أبا القاسم"، فأسلم الغلام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول:" الحمد لله الذي أنقذه من النار"!!)(39)
وكان صلى الله عليه وسلم يوصي بالضعفاء رحمة بهم، فنراه يوصي باليتامى قائلا:" خير البيوت بيت فيه يتيم مُكرَم"؛ وبالنساء قائلاً: " إستوصوا بالنساء خيرا فإنهن خُلقن من ضلع أعوج"؛وبما ملكت الأيمان،(فنجد آخر كلماته صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة:" الصلاة، وما ملكت أيمانكم،حتى جعل يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه!!!) (40)
ومن رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته( أنه كان يتلو قول الله تعالى في إبراهيم:" رب إنَّهُنَّ أضْلَلْن كثيراً من الناس فَمَن تَبِعني فإنَّه مِنِّي ومَن عصاني فإنك غفورٌ رحيم" ، وقول عيسى:" إن تعذِّبهُم فإنَّهم عبادُك وإن تغفرلهم فإنك أنتَ العزيزُ الحكيم"
فرفع يديه قائلاً:" اللهم أمتي أمتي" وبكى،فقال الله عز وجل- وهو أعلم-:" يا جبريل إذهب إلى محمد فسله:" ما يبكيك؟" فاتاه جبريل فسأله ،فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله تعالى:" يا جبريل إذهب إلى محمد فقل له:" إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوؤك")(41)

الوفاء المحمدي
(كان وفاؤه صلى الله عليه وسلم باهراً،فقد كان وفياً لربه،ووفياً لحاضنته، ووفياً لزوجاته،ووفياً لأصحابه، ووفيا ًلسائر الكائنات.
فقد سألته السيدة عائشة يوماً حين كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه لماذا يجهد نفسه بهذا الشكل وقد غفر الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان رده صلى الله عليه وسلم:" أفلا أكون عبداً شكورا" ؟!!!!
(وذات يوم زارته بالمدينة سيدة عجوز فخفَّ عليه الصلاة والسلام للقائها في حفاوة بالغة، وغبطة حافلة، وأسرع فجاء ببردته النفيسة وبسطها على الأرض لتجلس عليها العجوز؛ وبعد انصرافها سألته عائشة رضي الله عنها عن سر حفاوته بها فقال:" إنها كانت تزورنا أيام خديجة"!!!
وبين غرفته بالمسجد ومكان المنبر حيث كان يؤم المسلمين في الصلاة بضع خطوات .. كان يقطعها كل يوم عند كل صلاة ولقد أحب هذه الأمتار من الأرض لأنها كانت ممشاه إلى الله، وإلى قرة عينه الصلاة، ولقد أخذه الحب لها والوفاء حتى أكرمها وأجلَّها وقال:" ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة"!!!)(42)

ومن أحلى الأوقات لرواية هذه القصص لأطفالنا عنه صلى الله عليه وسلم ، وأكثرها تأثيراً في النفس هو وقت ما قبل النوم ، حين تنطفىء الأنوار - أو تكون خافتة- ويكون الطفل مهيئاً للاستماع والتخيل، ومن ثم التفكير فيما يسمع.
فإن لم يستطع الوالدان أن يصحبوا أطفالهم في هذه الروضة المحمدية ليتنسموا عبق الرياحين و الأزهار، ويقتطفوا من أطايب الثمار ، فيمكنهما أن يسمعا معهم- بالسيارة- وهم في الطريق إلى النزهة الأسبوعية مثلاً أشرطة "الأخلاق " للأستاذ عمرو خالد التي تتكلم- بأسلوب واضح يفهمه الكبار والصغار- عن شتى الأخلاق الإسلامية ،ومظاهر كل خُلق لدي الرسول الكريم.
ولعله من المفيد الإشارة إلى أن تعليم أخلاق الرسول الكريم لأطفالنا قد يخلق لهم مشكلة وهي أنهم سيواجَهون في المجتمع بمن يتصرفون بعكس هذه الأخلاق،فيرون أقرانهم يكذبون، ويغشون، ويتكبرون، ويتنابزون بالألقاب، ويغضبون لأتفه الأسباب...
بل والأسوأ من ذلك أن هؤلاء الأقران قد يتعاملون معهم على أنهم ضعفاء أو أغبياء لتمسكهم بهذه الأخلاق!!! مما يسبب لهم إحباطا واضطراباً وعدم ثقة فيما تعلموه من والديهم ...وقد يتسبب هذا-أحياناً- في أن يندم الوالدان على تربية أولادهم على الأخلاق في زمن لا يقدِّر الأخلاق... لكن كاتبة السطور تحذِِّر من هذا الإحساس المدمِّر،وذلك المدخل من مداخل الشيطان على المؤمن، وتؤكد أن ما فعله الوالدان هو الصحيح ، والدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :" أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً" فإذا كنا قد علَّمناهم الأخلاق ابتغاء مرضاة الله تعالى، فلابد من أن نوقن في أنه سبحانه سيجعل لهم فرجا و مخرجا؛ وأن النصر في النهاية سيكون- بإذن الله - حليفهم ،إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة.

كما ينبغي أن نعلم أطفالنا أن يقول كل منهم لنفسه حين يرى تلك النماذج المؤسفة لسوء الخلق:" أنا على حق"، "إنهم هم المخطئون"،" واجبي أن أتمسك بأخلاقي حتى يفعلوا مثلي يومًا ما- كما فعل رسول الله حين كان هو المسلم الوحيد على وجه الأرض- وإن لم يفعلوا أكون من الفائزين بالجنة إن شاء الله !"
وينبغي أن نساعدهم على اختيار الأصدقاء الذين يشاركونهم هذه الأخلاق،فإن ذلك يعينهم ،ويشعرهم أنهم ليسوا بغرباء في المجتمع.
ولا ننسى الدعاء لهم دائماً:" اللهم اهد أولادي وأولاد المسلمين لصالح الأعمال والخلاق والأهواء، فإنه لا يهديهم لأحسنها إلا أنت ،واصرف عنهم سيئها ، فإنه لا يصرف عنهم سيئها إلا أنت"
"اللهم كما حسَّنت خَلقهم ،فحسِّن خُلُقهم"
مرحلة مابين الرابعة عشرة والسادسة عشرة:
من المُجدي في هذه المرحلة أن يقوم الوالدان بعقد المسابقات في الإجازة الصيفية بين الأولاد وأقرانهم من الأقارب أو الجيران أو الأصدقاء بالمدرسة أو النادي لعمل أبحاث صغيرة عن سيرته صلى الله عليه وسلم ، بحيث تشمل موضوعاتها مثلا:
حالة البشرية قبل مولده صلى الله عليه وسلم
حادثة الفيل
عبد الله ، وآمنة
مولده صلى الله عليه سلم وقصته مع حليمة
طفولته صلى الله عليه وسلم وصباه
فترة شبابه وزواجه من خديجة رضي الله عنها
علاقته صلى الله عليه وسلم بزوجاته رضوان الله عليهن
علاقته صلى الله عليه وسلم ببناته وخاصة فاطمة
علاقته صلى الله عليه وسلم بأصحابه وحبه لهم وحبهم له.
معجزاته صلى الله عليه وسلم قبل وبعد نزول الوحي

فهذه الطريقة تجعل ما يقرءون،و يكتبون أكثر ثباتاً في عقولهم،وقلوبهم ؛لأنهم سيبذلون الجهد في البحث عن تلك المعلومات، وتجميعها، وترتيبها، ثم كتابتها و صياغتها بشكل جيد.
وينبغي مكافأة من قاموا بإعداد أبحاث جيدة بهدايا نعرف مسبقا أنهم يحبونها.
كما يمكن إهداء الطفل أو مكافاته بكتب مثل:
" معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل صدق نبوته" للشيخ إبراهيم جلهوم والشيخ محمد حماد، و " محمد صلى الله عليه وسلم " لعبد الحميد جودة االسحار.

6- كيف نقيس حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم؟
ينبغي لأبناءنا - في هذه المرحلة- أن يعرفوا أن حبهم للنبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى برهان ،فلا يكفي أن يقولوا أنهم يحبونه وإنما ينبغي أن يظهر ذلك في أفعالهم وتصرفاتهم؛،وفيما يلي بعض الأسئلة التي يمكن أن تساعدهم على قياس مدى حبهم للرسول الكريم:
1- هل تصلي عليه كثيراً؟
إن المحب لا يفتر عن ذكر حبيبه والدعاء له،(وكما يقول الإمام بن القيم " إن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب واستحضاره في قلبه واستحضار محاسنه الجالبة لحبه تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه،واستولى على جميع قلبه،وإذا أعرض عن ذكره واستحضار محاسنه بقلبه نقص حبه من قلبه")( 43)

2- هل قرأت سيرته؟
إن المحب ليشتاق إلى معرفة نشأة حبيبه، وتطورات حياته وأخباره.

3- هل عرفت هديه؟
إن المحب يكون شغوفاً لمعرفة أفكار ومعتقدات وأقوال حبيبه(ولعل هذا يتحقق بقراءة كتب الأحاديث المبسطة مثل" رياض الصالحين")

4- هل تتبع سنته(الواجب منها والمستحب)؟
إن المحب يكون مولعاً بتقليد حبيبه(ولعل هذا يتحقق بالتعرف على سنته من خلال كتابي "فقه السنة"،و"منهاج المسلم")

5- هل زرت مدينته؟
إن المحب ليشتاق إلى ديار حبيبه، والمشي فوق خطواته.

6-هل تحب آل بيته الكرام وأصحابه وأتباعه رضوان الله تعالى عليهم؟
إن المحب يحب أحباب حبيبه.

7- هل تحدثت عنه مع غيرك ممن لا يعرفون عنه شيئا؟
إن المحب يود دائما ًلو ظل يتحدث عن حبيبه مع كل الناس.

8- هل ترضى بحكمه فيما شجر بينك وبين غيرك من خلافات؟
إن المحب ليرضى بحكم حبيبه في شتى الأحوال،فما بالك إذا كان الحبيب هو محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى؟ !

؛ فإذا كانت إجاباتهم كلها ب"نعم"،فهم يحبونه بالفعل،أما إن كانت الإجابة على بعض الأسئلة ب"لا" فهم محتاجون إلى أن يراجعوا أنفسهم ، وإعادة النظر في طريقة حبهم له صلى الله عليه وسلم.
وإذا كانت إجاباتهم كلها ب"نعم" وشعروا برغبة شديدة في رؤيته صلى الله عليه وسلم في الدنيا،فيمكن أن نروي لهم هذه القصة اللطيفة؛مع توضيح أن رؤيته- بشكل عام- فضلٌ من الله، وعطيَّة يهبها لمن يشاء من عباده المؤمنين:
( جاء تلميذ إلى أستاذه وقال:" علمت أنك ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤياك" ،فقال الأستاذ:" فماذا تريد يا بني؟" قال :" علِّمني كيف أراه"،فإني في شوق إلى رؤياه،فقال له:" فأنت مدعو لتناول العشاء معي هذه الليلة لأعلمك كيف تراه صلى الله عليه وسلم"
وذهب التلميذ لأستاذه الذي أكثر له من الملح في الطعام، ومنع عنه الماء،فطلب التلميذ الماء ،فمنعه الأستاذ ،بل أصر على أن يزيده من الطعام،ثم قال له:" نَم وإذا استيقظت قبل الفجر فسأعلمك كيف ترى النبي صلى الله عليه وسلم"،فبات التلميذ يتلوى من شدة العطش والظمأ، فقال له أستاذه حين استيقظ:"أي بني قبل أن أعلمك كيف تراه أسألك:"هل رأيت الليلة شيئا؟" قال :" نعم"،قال له" ما رأيت؟" ،فقال:" رأيت الأمطار تمطر،والأنهار تجري والبحار تسير" فقال الأستاذ:" صدقت نيتك فصدقت رؤيتك ، ولو صدقت محبتك لرأيت رسول الله!!!")(44)

ومن الأمور بالغة الأهمية أن نوضح لهم الفرق بين أن نحبه صلى الله عليه وسلم وبين أن نغالي ونتعدى الحد،فمن أراد أن يُرضي الله بحب النبي صلى الله عليه وسلم فعليه أن يحبه كما أراد الله ورسوله، وليس كما يوافق هواه !!!
(ومن منطلق أن حبه صلى الله عليه وسلم عبادة،فإن العبادة يجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى ،كما يجب أن تكون على طريقة رسول الله ، وإذا خرجت عن هذين الشرطين،صارت بدعة،ومن ثم فهي مردودة على صاحبها،فقد قال تعالى" اليومَ أكملتُ لكُم دينَكم وأتممتُ عليكُم نعمتي ورضيتُ لكمُ الإسلامَ دينا"،فقد تم الدين ولم يترك شيئاً لم يتحدث عنه،وما ارتضاه الله تعالى لنا لا ينبغي أن نغيره،فقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أشد حباً له ، ولكنهم لم يكونوا يفعلون محرماً من أجله صلى الله عليه وسلم؛ فكانوا لا يقومون إليه حين يأتيهم،كما يقوم الأعاجم الكفار لملوكهم ؛ وكانوا لا يبالغون في إطراءه حين نهاهم عن ذلك قائلاً :" لا تُطْروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم،فإنما أنا عبدٌ لله ، قولوا: "عبد الله ورسوله"
وحين جاءه صلى الله عليه وسلم رجل فراجعه في بعض الكلام،فقال:
" ما شاء الله وشئت"،فقال له:" أجعلتَني مع الله نداً؟‍ " بل قل:" ما شاء الله "
فلا ينبغي أن نُغضب الله سواء بالمغالاة في مدحه- صلى الله عليه وسلم- بان نرفعه فوق قدره ، أو بمجافاته صلى الله عليه وسلم بالعقل أو القلب... ولكن علينا بالوسطية، وهي التزام السنة)(45) ، (46)
ومن ثم فعلينا أن نعلم أطفالنا مثلاً أنه لا يجوز الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم،أو الاستجارة به بعد وفاته،لأنه لا يملك لنا شيئا، كما لا ينبغي أن نفعل كما يفعل البعض عند قبره الشريف من رفع الصوت لأن الله تعالى يقول:" لا ترفعوا أصواتَكم فوقَ صوتِ النبي ولا تجهروا له بالقول كجهرِ بعضكم لبعض أن تحبَط أعمالَكم وأنتم لا تشعرون"(الحجرات-2)، ولا ينبغي أن ندعو أمام قبره ونحن ننظر إلى القبر،والصحيح أن ندعو ونحن متوجهون للقبلة ،أما المباح من القول ونحن ننظر للقبر ،فالسلام عليه والإكثار من الصلاة عليه.

كما ينبغي أن نتحدث معه عن بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي شاعت بين الناس،مثل" من حج ولم يزرنى فقد جفاني" و "من زارنى بعد مماتى فكأنما زارنى فى حياتى "و" رأيت ليلة أُسري بي مكتوباً على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله..."

من تجارب الأمهات:

* كانت الأم تحكي لطفلها منذ نعومة أظفاره سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف كان خَلقَه وخَلُقه،ولما بلغ العاشرة من عمره أكرمه الله تعالى بزيارة قبره صلى الله عليه وسلم، ولما عاد قال لها :" إني أحب الرسول جداً وأتمنى رؤيته،ومقابلته في الجنة ؛ ولكني لا أحبه أن يكون ملتحياً؛ فأنا أفضله بدون لحية! فكان على الأم أن تتصرف بلباقة فقالت له:" أنا متأكدة يا بني أنك حين تراه ستحبه أكثر بكثير،سواء كان ملتحياً أم لا"،ولكنه أصر قائلاً:"لا، أنا أحبه بدون اللحية"،فقالت له الأم :" هل تعلم لماذا كان يربي الرسول لحيته؟" قال "لا"،فقالت له:" لأن اليهود كانوا يحلقون اللحية،ويعفون الشارب، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يخالفهم...أم أنك كنت تفضل أن نتشبه بهؤلاء القوم؟!" فرد على الفور:" لا، لا يصح أن نتشبه بهم أبداً" وانتهى الحوار، ولم يعد يتكلم في هذا الموضوع أبداً.

** وكانت أم أخرى تعاني من أن أصحاب ابنها من الجيران والزملاء لا يلتزمون بالأخلاق التي ربته عليها،مما تسبب له في إحباط وعدم ثقة في تلك الأخلاق؛ لأنه لا يريد أن يشذ عن أصدقاءه وزملاءه،فقررت الأم أن تدعو مجموعة من هؤلاء الأصحاب في الإجازة الصيفية ليلعبوا معه بمختلف الألعاب التي لديه ، وفي نهاية الجلسة كانت تقدم لهم بعض الفطائر والعصائر أو المرطبات وتجلس معهم لتحكي قصصاً عن خُلُق معين من أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم مع توضيح فائدة الالتزام بهذا الخُلُق ، وكانوا هم يقاطعونها أحياناً ليكملوا حديثها،فكانت تتركهم يتكلمون- لأن ذلك يسعدهم- ثم تكمل حديثها؛ وكانت تكتفي بالحديث عن خُلُق واحد في كل مرة ...حتى شعرت في نهاية الإجازة بتطور ملحوظ في سلوكياتهم جميعاً،وفي طريقة حديثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

*** وكانت أم ثالثة تحكي لأطفالها عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم ، وطباعه، و كيف كان يفكر، وكيف كان يحل شتى أنواع المشكلات،حتى اطمأنت أنهم قد فهموا ذلك جيداً،فصارت بعد ذلك كلما مر أحدهم بمشكلة جمعتهم وسألت:" تُرى كيف كان سيحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"
ثم تكافىء من يقدِّم الحل الصحيح...فكانت بذلك تعلمهم كيف يطبقون هَديَه صلى الله عليه وسلم في حياتهم بطريقة عملية متجددة، حتى يعتادوا ذلك في الكِبَر ، ويعتادوا أيضا مشاركة بعضهم البعض في حل مشكلاتهم.

وختاماً، فما هذه العجالة-التي أرجو أن ينفع الله تعالى بها- إلا نقطة بداية يمكن أن ينطلق منها الوالدان والمربون ليعينوا أبناءهم على محبته صلى الله عليه وسلم-بعد التأكد من صحة ما يقولون- كما يمكن اتباع نفس الطريقة لغرس محبة صحابة رسول الله - رضوان الله عليهم- في قلوب أطفالنا؛ وبالله التوفيق،وعليه التُكْلان ، والحمد لله رب العالمين.

================
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2009, 04:22 PM   #5 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي

تمهيد:

سبحان الله العلي العظيم ، والحمد لله رب العالمين - كما ينبغي لجلال وجهه الكريم ، و عظيم سلطانه القديم - ولا إله إلا الله العليم الحكيم ، والصلاة والسلام على خاتم النبيين المبعوث رحمةً للعالمين وبعد.
إن الطفل نبتة صغيرة تنمو ، وتترعرع ، فتصير شجرة مثمرة ، أو وارفة الظلال ...أو قد تصير شجرة شائكة ، أو سامَّة والعياذ بالله.
وحتى نربي جيلاً من الأشجار المثمرة ، أو وارفة الظلال ؛ فإنه علينا أن نعتني بهم منذ البداية ، مع التوكل على الله تعالى والاستعانة به في صلاحهم.
وما أحوجنا في هذا العصر الذي أصبحت فيه الأمم تتداعى على أمة الإسلام كما تتداعى الأكَلَة على قصعتها- كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم- بأن نربي وننشئ جيلاً قوي الإيمان يثبُت على الحق ، و يحمل لواء الإسلام ، ويدافع عنه بكل طاقته.
وفيما يلي تقترح كاتبة هذه السطور أول ما يمكن أن يحقق هذا الهدف النبيل ، ويعين على بلوغ تلك الغاية السامية ، ألا وهو: "مساعدة أطفالنا على حب الله عز وجل"... فما جاء بها من صواب فهو من توفيق الله تعالى وفضله ومَنِّه ، وما كان من خطأ فمن نفسها والشيطان ، والحمد لله أولاً وآخرا.


--------------------------------------------------------------------------------

1- ما هو حب الله؟
هو أن يكون الله تعالى أحب إلى الإنسان من نفسه ، ووالديه ، وكل مايملك.

2- لماذا الأطفال؟
لأن" الطفل هو اللبنة الأولى في المجتمع ، فإذا و ضعناها بشكل سليم كان البناء العام مستقيماً ، مهما ارتفع وتعاظم ؛ كما أن الطفل هو نواة الجيل الصاعد التي تتفرع منها أغصانه وفروعه ... وكما نعتني بسلامة نمو جسمه فيجب أن نهتم بسلامة مشاعره ، ومعنوياته "(1) فإذا حرصنا على ذلك فإن جهودنا سوف تؤتي ثمارها حين يشب الطفل ويحمل لواء دينه- إذا أحب ربه وأخلص العمل له- وإن لم نفعل نراه يعيش ضائعاً بلا هوية - والعياذ بالله - كما نرى الكثير ممن حولنا .

3- لماذا نعلمهم حب الله؟
أ-لأن الله تعالى قال عن الذين يحبونه في الآية رقم (31) من سورة آل عمران: { قُل إن كُنتم تحبون اللهَ فاتَّبعوني يُحِببْكُم اللهُ ، ويَغفر لكم ذنوبَكم ، واللهُ غفورٌ رحيم } .
ب- لأن الله جلَّ شأنه هو الذي أوجدنا من عَدَم ، وسوَّى خَلقنا وفضَّلنا على كثير ممَّن خلق تفضيلا ، ومَنَّ علينا بأفضل نعمة وهي الإسلام ، ثم رزقنا من غير أن نستحق ذلك ، ثم هو ذا يعدنا بالجنة جزاءً لأفعال هي من عطاءه وفضله ، فهو المتفضِّل أولاً وآخِرا!!!
ج- لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو: ( اللهم اجعل حُبك أحب إلىَّ مِن نفسي ، وأهلي ، ومالي ، وولدي ، ومن الماء البارد على الظمأ ) ، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة.
د- لأن الحب يتولد عنه الاحترام والهيبة في ا لسر والعلن ، وما أحوجنا إلى أن يحترم أطفالنا ربهم ويهابونه- بدلاً من أن تكون علاقتهم به قائمة على الخوف من عقابه أو من جهنم- فتكون عبادتهم له متعة روحية يعيشون بها وتحفظهم من الزلل .
هـ- لأن الأطفال في الغالب يتعلقون بآبائهم وأمهاتهم -أو مَن يقوم برعايتهم وتربيتهم- أكثر من أي أحد ، مع العلم بأن الآباء ، والأمهات ، والمربين لا يدومون لأطفالهم ، بينما الله تعالى هو الحيُّ القيوم الدائم الباقي الذي لا يموت ، والذي لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم ، فهو معهم أينما كانوا وهو الذي يحفظهم ويرعاهم أكثر من والديهم ... إذن فتعلقهم به وحبهم له يُعد ضرورة ، حتى إذا ما تعرضوا لفقدان الوالدين أو أحدهم عرفوا أن لهم صدراً حانياً ، وعماداً متيناً ، وسنداً قوياً هو الله سبحانه وتعالى.
و- لأنهم إذا أحبوا الله عز وجل وعلموا أن القرآن كلامه أحبوا القرآن ، وإذا علموا أن الصلاة لقاء مع الله فرحوا بسماع الأذان ، و حرصوا على الصلاة وخشعوا فيها ، وإذا علموا أن الله جميل يحب الجمال فعلوا كل ما هو جميل وتركوا كل ما هو قبيح ، وإذا علموا أن الله يحب التوابين والمتطهرين ، والمحسنين ، والمتصدقين ، والصابرين ، والمقسطين ، والمتوكلين ، وأن الله مع الصابرين ، وأن الله ولي المتقين ، وأنه وليُّ الذين آمنوا وأن اللهَ يدافع عن الذين آمنوا ...اجتهدوا ليتصفوا بكل هذه الصفات ، ابتغاء مرضاته ، وحبه ، وولايته لهم ، ودفاعه عنهم.
أما إذا علموا أن الله لا يحب الخائنين ، ولا الكافرين ، ولا المتكبرين ، ولا المعتدين ، ولا الظالمين ، ولا المفسدين ، وأنه لا يحب كل خَوَّان كفور ، أو من كان مختالاً فخورا ... لابتعدوا قدر استطاعتهم عن كل هذه الصفات حباً في الله ورغبة في إرضاءه.
ز- لأنهم إذا أحبوا الله جل وعلا أطاعوا أوامره واجتنبوا نواهيه بطيب نفس ورحابة صدر ؛ وشبُّوا على تفضيل مراده على مرادهم ، و" تقديم كل غال وثمين من أجله ، والتضحية من أجل إرضاءه ، وضبط الشهوات من أجل نيل محبته ، فالمُحب لمن يحب مطيع...أما إذا لم يحبوه شَبُّوا على التفنن في البحث عن الفتاوى الضعيفة من أجل التَفَلُّت من أمره ونهيه"(2)
ح- لأن حب الله يعني استشعار أنه عز وجل يرعانا ويحفظنا في كل وقت ومكان ، مما يترتب عليه الشعور بالراحة والاطمئنان والثبات ، وعدم القلق أو الحزن... ومن ثم سلامة النفس والجسد من الأمراض النفسية والعضوية… بل والأهم من ذلك السلامة من المعاصي والآثام ، فعلينا أن نفهمهم أن " مَن كان الله معه ، فمَن عليه؟!!! ومَن كان الله عليه فمَن معه؟!!!
ط-لأن هناك نماذج للمسلمين ترى كاتبة هذه السطور أن الحل الجذري لمشكلاتهم هو تجنب تكرارها ، بتربية الطفل منذ نعومة أظفاره على محبة الله تعالى.
و من هذه النماذج على سبيل المثال لا الحصر:
* الذين يفصِلون الدين عن الدنيا ، ويعتقدون أن الدين مكانه في المسجد ، أو على سجادة الصلاة فقط ، ثم يفعلون بعد ذلك ما يحلو لهم.
** الذين يسيئون الخُلُق داخل بيوت الله- ولا يستثنون من ذلك المسجد الحرام ولا المسجد النبوي!!!- وفي مجالس العلم ، ظانِّين أن التعاملات اليومية والأخلاق لا علاقة لها بالدين.
*** الذين يتركون أحد أركان الإسلام مع استطاعتهم - وهي فريضة الحج- بدعوى أنهم ليسوا كبار السن وأن أمامهم حياة طويلة سوف يذنبون فيها ، ولذلك سوف يحجون عندما يتقدم بهم العمر ، ويشيب الشعر ، ليمسحوا كل الذنوب الماضية في مرة واحدة!!!
**** اللواتي ترفضن الحجاب بدعوى أن قلوبهن مؤمنة ، وأن صلاح القلوب أهم من المظهر الخارجي ، غافلات -أو متغافلات- عن كونه أمراً من الله تعالى وفرضاً كالصلاة!!! وكذلك الآباء والأمهات والأزواج الذين يعارضون ، بل ويحاربون بناتهم وزوجاتهم في ارتداء الحجاب !!!
***** الذين يعرضون عن مجالس العلم الشرعي ، وكل ما يذكرهم بالله تعالى ، قائلين أن "لبدنك عليك حقا"، وأن"الدين يسر"، و"لا تنس نصيبك من الدنيا"، بينما ينسون نصيبهم من الآخرة!!!
****** الذين ينبهرون بمظاهر الحضارة الغربية ، وبريقها الزائف ، فينفصلون عن دينهم تدريجياً ويظل كل ما يربطهم به هو الاسم المسلم ، أو بيان الديانة في جواز السفر!!! ومنهم الذين تغمرهم هذه المظاهر حتى تصل بهم إلى الردة عن الدين- والعياذ بالله- ويصبح اسم الواحد منهم "ميمي " أو " مايكل " بعد أن كان " محمداً " !!!

ح- لأن أعز ما يملكه الإنسان - بعد إيمانه بالله عز وجل - هو الكرامة " وليس المال أو المنال ، أو الجاه أو القدرة...فالمجرم يتعذب في داخله قبل أن يحاسبه الآخرون ، لأنه على بصيرة من قرارة نفسه التي تحس بغياب الكرامة بفعل الأفعال الدنيئة ، أما الإنسان المحترم الذي يحس بوفرة الكرامة لديه ، فإنه أحرى أن يعتلي القمم السامية والمنازل الرفيعة... وهكذا كان شأن « يوسف » الصدِّيق عليه السلام حين توسم فيه عزيز مصر أن ينفعه ذات يوم ، ويكون خليفة له على شعبه ، أو يتخذه ولداً ؛ لذا فقد قال لامرأته حين أتى بيوسف مستبشراً به : { أكرِمي مثواه } أي أكرمي مكانته ، واجعليه محط احترام وتقدير ، ولم يوصها بأي شيء آخر ... فلعله رأى أن التربية القائمة على أساس الكرامة تنتهي بالإنسان إلى أن يكون عالماً ، وقادراً على أًن يتخذ القرارات السليمة وفقاً لأسس وقواعد التفكير الحكيم ، هذا بالإضافة إلى قدرته على وضعها موضع التنفيذ " (3)
فإذا أردنا الكرامة ونتائجها لأطفالنا فما أحرانا بأن نهبها لهم من خلال حبهم لخالق الكرامة الذي كرَّم أباهم آدم وأسجد له الملائكة ، وقال عنهم: { ولقد كرَّمنا بني آدم }... وإذا أردنا لهم الدرجات العُلا في الدنيا والآخرة ، فلا مفر من مساعدتهم على حب الله الذي يقودهم إلى التقوى ، فيصبحوا من الذين قال عنهم : { إن أكرمكم عند اللهِ أتقاكم }

4- كيف نزرع حب الله عز وجل في قلوب أطفالنا ؟
تحتاج هذه المهمة في البداية إلى أن يستعين الوالدان بالله القوي العليم الرشيد ، فيطلبا عونه ، ويسألاه الأجر على حسن تربية أولادهما ابتغاء مرضاته ، ويرددان دائماً: { رب اشرَح لي صدري ، ويسِّر لي أمري ، واحلُل عقدةً من لساني يفقهوا قولي } ؛ " مع ضرورة بناء علاقات صحيحة وسليمة بين الأهل والأولاد " (4) ثم بعد ذلك تأتي العناية ، والاهتمام ، واليقظة ، والحرص من الوالدين أو المربين لأنهم سوف يتحدثون عن أهم شيء في العالم ، وأهم ما يحتاج إليه طفلهم ؛ لذلك فإنهم " يجب أن يتناولوا هذا الموضوع بفهم وعمق وحب وود " (5) ... أما إن أخطأوا ، فإن الآثار السلبية المترتبة على ذلك ستكون ذات عواقب وخيمة .
لذا يجب مراعاة متطلبات المرحلة العمرية للطفل ، وسماته الشخصية ، وظروفه... وكلما بدأنا مبكرين كان ذلك أفضل ، كما أننا إذا اهتممنا بالطفل الأول كان ذلك أيسر ، وأكثر عوناً على مساعدة إخوته الأصغر على حب الله تعالى ؛ لأن الأخ الأكبر هو قدوتهم ، كما أنه أكثر تأثيراً فيهم من الوالدين .
و يجب أيضاً اختيار الوقت والطريقة المناسبة للحديث في هذا الموضوع معهم ... وفيما يلي توضيح كيفية تعليمهم حب الله في شتى المراحل :

أولاً: مرحلة ما قبل الزواج:
إن البذرة الصالحة إذا وضعت في أرض خبيثة اختنقت ، وماتت ، ولم تؤت ثمارها ، لذا فقد جعل الإسلام حسن اختيار الزوج والزوجة من أحد حقوق الطفل على والديه ، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم : { الطيباتُ للطيبين ، والطيبون للطيبات } ، وقال صلى الله عليه وسلم: ( تخيَّروا لِنُطَفِكُم ، فإن العِرق دسَّاس ) ، وقال أيضاً: ( تُنكح المرأة لأربع : لمالها ، وجمالها ، وحسبها ، ودينها ، فاظفَر بذات الدين تَرِبَت يداك ) ، وروي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال : قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً ، فقال : ( أيُّها الناس إياكم وخضراء الدُّمُن . قيل : يا رسول الله ، وما خضراء الدُّمُن ؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء ).
كما أكَّد صلى الله عليه وسلم على أن يكون الزوج مُرضياً في خُلُقه ودينه ، حيث قال: ( إذا جاءكم من ترضون خُلُقه ودينه فزوجوه ) ، وأردف صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بالنهي عن ردّ صاحب الخلق والدين فقال : ( إنّكم إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( من زوّج ابنته من فاسق ، فقد قطع رحمها ).
فإذا اختلط الأمر على المقدمين على الزواج ، فإن الإسلام يقدم لهم الحل في" صلاة الاستخارة".
ثم يأتي بعد حُسن اختيار الزوج أو االزوجة: الدعاء بأن يهبنا الله الذرية الصالحة ، كما قال سيدنا زكريا عليه السلام مبتهلاً: { رب هَب لي ِمن لَدُنكَ ذُرِّيَةً طيبةً إنك سميعُ الدعاء } ، وكما دعا الصالحون: { ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما }.

ثانياً : مرحلة الأجِنَّة:
تقترح كاتبة هذه السطور على كل أم مسلمة تنتظر طفلاً أن تبدأ منذ علمها بأن هناك رزق من الله في أحشائها ؛ فتزيد من تقربها إلى الله شكراً له على نعمته ، واستعداداً لاستقبال هذه النعمة ، فتنبعث السكينة في قلبها ، والراحة في نفسها ، مما يؤثر بالإيجاب في الراحة النفسية للجنين ؛ كما يجب أن تُكثر من الاستماع إلى القرآن الكريم ، الذي يصل أيضاً إلى الجنين ، ويعتاد سماعه ، فيظل مرتبطاً به في حياته المستقبلة إن شاء الله .
ولنا في امرأة عمران- والدة السيدة مريم- الأسوة الحسنة حين قالت: { ربِّ إني نَذَرتُ لك ما في بطني مُحرَّراً ، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم } ، فكانت النتيجة: { فتقبَّلها ربُّها بقَبول حَسَن }.
ولقد أثبتت التجربة أن أفضل الطعام عند الطفل هو ما كانت تُكثر الأم من تناوله أثناء حملها بهذا الطفل ، كما أن الجنين يكون أكثر حركة إذا كان حول الأم صخباً أو ضجة ، وهذا يعني تأثر الجنين بما هو حول الأم من مؤثرات.
( وهاهي الهندسة الوراثية تؤكد وجود الكثير من التأثيرات التي تنطبع عليها حالة الجنين ، سواء أكانت هذه التأثيرات بيولوجية ، أوسيكولوجية ، أو روحية ، أوعاطفية.
ونحن نطالع باستمرار مدى تأثر الجنين بإدمان الأم على التدخين ، فإذا كان التدخين يؤثر تأثيراً بليغاً على صحة الجنين البدنية ، فَتُرى ما مدى تأثره الأخلاقي والروحي بسماع الأم للغيبة أو أكلها للحم الخنزير ، أو خوضها في المحرمات وهي تحمله في أحشائها؟! ) (6)
ويؤكد الدكتور "علاء الدين القبانجي" (7) هذا بقوله: " هناك خطأ كبير في نفي التأثير البيئي على النطفة ، في نفس الوقت الذي نلاحظ فيه التأثير ا لبيئي على الفرد ذاته سواء بسواء ، ولن تتوقف النطفة عن التأثر بالمنبهات الكيماوية - بما فيها المواد الغذائية والعقاقير- أو بالظروف البيئية ، بل ستظل تتأثر بقوة التوجه إلى الله أيضا ، فروح الاطمئنان والتوجه إلى الله تعالى تخفف من التوترات والتفاعلات النفسية المضطربة .
ويضيف فضيلة الشيخ "علي القرني" :" أثبت العلم الحديث أن للجنين نفسية لا تنفصل عن نفسية أمه ، فيفرح أحياناً ، ويحزن أحياناً ، وينزعج أحياناً لما ترتكبه أمه من مخالفات كالتدخين مثلاً ، فقد أجرى أحد الأطباء تجربة على سيدة حامل في شهرها السادس وهي مدمنة للتدخين ، حيث طلب منها الامتناع عن التدخين لمدة أربع وعشرين ساعة ، بينما كان يتابع الجنين بالتصوير الضوئي ، فإذا به ساكن هادئ ، حتى أعطى الطبيب الأم لفافة تبغ ، فما إن بدأت بإشعالها ووضعها في فمها حتى بدأ الجنين في الاضطراب ، تبعاً لاضطراب قلب أمه.
كما أثبت العلم أيضاً أن مشاعر الأم تنتقل لجنينها ، فيتحرك بحركات امتنان حين يشعر أن أمه ترغب فيه ومستعدة للقائه ، بينما يضطرب وينكمش ، ويركل بقدميه معلناً عن احتجاجه حين يشعر بعدم رغبة أمه فيه... حتى أن طفلة كانت أمها قد حملتها كُرهاً ، وحاولت إسقاطها ، دون جدوى ، فلما وضعتها رفضت الطفلة الرضاعة من أمها ، فلما أرضعتها مرضعة أخرى قبلت!!! ولكنها عادت لرفض الرضاعة مرة أخرى حين عصبوا عيني الطفلة ، ثم أعطوها لأمها كي ترضعها !!! " (8)
بينما نرى أماً أخرى حرصت- منذ بداية الحمل- على تلاوة القرآن والاستماع له في كل أحوالها ... قائمة ، وقاعدة ، ومضطجعة ، فكانت النتيجة أن وضعت طفلاً تمكن بفضل الله تعالى من ختم القرآن الكريم حفظاً ، وتجويداً ، وهو في الخامسة من عمره!!! فتبارك الله أحسن الخالقين" (9)
مما تقدم نخلص إلى أن تربية الطفل تبدأ من مرحلة الأجنة ، " فإذا نشأ الجنين في بطن أمه في جو من الهدوء والسكينة - وخير ما يمنحهما هو القرب من الله سبحانه- فإنه يستجيب بإذن ربه ، ويعترف بفضل أمه عليه ، ويتمتع بشخصية سوية ونفسية هادئة ، يقول لسان حاله : { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!!! } " (10)

ثالثا: مرحلة مابعد الوضع حتى السنة الثانية:
" بعد أن يولد الطفل ويبدأ بالرضاعة والنمو يكون أشد استقبالاً لمتغيرات الحياة من الشاب البالغ ، لأن الوليد يكون مثل الصفحة البيضاء الجاهزة لاستقبال خطوط الكتابة ، بينما يكون الشاب البالغ قد أوشكت قناعته على الاكتمال ، فيصبح من الصعب التلاعب بها أو محوها " (11)
لذا يجب أن نرقيه بالرقية الشرعية ( المأخوذة من الكتاب والسنة المطهرة ) ، ونسمع معه التلاوات القرآنية لشيوخ ذوي أصوات ندية ، كما نُكثر من الاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل والحوقلة ونحن نحمله ، حتى تحُفُّه الملائكة ، ويتعود سماع مثل هذه الكلمات النورانية.
" ومع زيادة نمو الوعي عند الطفل يجب أن نحرص على أن نَذكُر الله عز وجل أمامه دائماً ، فبدلاً من أن نقول : " غاغا " ، أو ما شابه ذلك من ألفاظ نقول : " يا الله " ، ونسعى دائماً إلى أن يكون لفظ الجلالة ملامساً لسمعه حتى يحفظه ، ويصبح من أوائل مفرداته اللغوية ، وإذا أراد أن يحبو ، وصار قادراً على النطق ، فيجب أن نأخذ بيده ونريه أننا نريد أن نرفعه ، فنقول : " يا رب .. يا مُعين " ، ونحاول أن نجعله يردد معنا ، وإذا أصبح أكثر قدرة على التلفظ بالكلمات علمناه الشهادتين ، ورددناها معه حتى يعتادها " (12) فنراه يَسأل عن معناها حين يستطيع الكلام .

رابعاً: من سنتين إلى ثلاث سنوات :
( في هذا العمر يكون الطفل متفتح الذهن ، مما يدعونا إلى تحفيظه بعض قصار السور كالفاتحة ، والعصر ، والكوثر...إلخ ، وذلك حسب قدرته على الحفظ ، وكذلك تحفيظه بعض الأناشيد مثل : " الله رب الخلـق ، أمـدنا بالرزق " ، و" من علِّـم الـعصفور أن يبني عشــا في الشـجر ، الله قـد عـلمه وبالهُـدى جَـمَّلهُ " ) (13)
وكذلك : " اللهُ ربي ، محمدٌ نبيي ، والإسلامُ ديني ، والكعبةُ قبلتي ، والقرآن كتابي ، والنبي قدوتي ، والصيام حصني ، والصَدَقة شفائي ، والوضوء طَهوري ، والصلاة قرة عيني ، والإخلاص نِيَّتي ، والصِدق خُلُقي ، والجَنَّةُ أملي ، ورضا الله غايتي ".
( وكلما زاد وعيه وإدراكه ردَّدنا أمامه أن الله هو الذي رزقنا الطعام ، وهو الذي جعل لنا الماء عذباً ليروي عطشنا ، وهو الذي أعطاه أبوه وأمه لرعايته ، وهو الذي أعطانا المال والمنزل ، والسيارة واللعب...إلخ ، ولذلك فهو جدير بالشكر ، وأول شكر له هو أن نحبه ولا نغضبه ، وذلك بأن نعبده ولا نعبد سواه ) (14)
كما نذكر ونحن نلعب معه بدميته مثلا : أن هاتين اليدين والعينين والأذرع والرجلين لدينا مثلها ولكن ما يخص الدمية من القماش أو البلاستيك ، أما ما أعطانا الله فهي أشياء حقيقية تنفعنا في حياتنا وتعيننا عليها.
( وإذا جلسنا إلى الطعام قلنا بصوت يسمعه : " بسم الله " ، وإذا انتهينا قلنا " الحمد لله " ، وكذلك إذا شربنا ، وإذا اضطجعنا وإذا قمنا من النوم ) (15) ... حتى يعتاد الطفل ذلك ويردده بنفسه دون أن نطلب منه ذلك.
كما يجب أن نخبره أن الله تعالى يحب لهم الخير ويعلم ما يصلحهم ، فهو الذين أوصى بهم الوالدين أن يحسنوا اختيار أسماءهم ( ويعلِّموهم أمور دينهم ودنياهم ، ويحسنوا تأديبهم و تربيتهم ، وهو الذي أمر الوالدين بالعطف عليهم والترفق بهم ، والعدل بينهم وبين إخوتهم في كل الأمور) (16) ، وهو حبيبهم الذي يتجاوز عنهم حتى يصلوا إلى سن الإدراك ، فنخبرهم أنه يسامحهم على أخطائهم ماداموا صغاراً . فعليهم أن يستحيوا من الله وأن لا يعصوه .
ومن المفيد أن نربط كل جميل من حولهم بالله تعالى ، فالوردة ، والنحلة ، والفراشة ، والقمر ، وغيرها من مخلوقات الله ، أما الأشياء التي تبدو ضارة بالنسبة لنا كالذبابة ، والفأر ، وغيرهما فهي من مخلوقات الله أيضاً ، وهي تقوم بوظيفة تساعد على أن يظل الكون من حولنا جميلاً ونظيفاً.
كما يجب أن نربط كل خُلُق جميل بالله تعالى ، فالله يحب الرحمة والرفق والعدل والجمال والنظافة...إلخ.
كما يجب ان نقرِّب إلى أذهانهم فكرة وجود الله مع عدم إمكانية رؤيته في الدنيا ، فهناك أشياء نحسها ونرى أثرها ونستفيد منها دون أن نراها كالهواء والكهرباء والعطر...إلخ. أما من يريد رؤيته جل شأنه فعليه أن يكثر من الطاعات كي يحظى برؤيته في الجنة.
وينبغي أن نعلِّق في بيوتنا صوراً للحرمين الشريفين حتى تعتادهما عينيه ويدفعه الفضول للسؤال عنهما ، وعندها نجيبه بطريقة تشوِّقه إليهما ، كأن نقول عن الكعبة : " هي بيت الله ، والله كريم يكرم ضيوفه الذين يزورون بيته بأشياء جميلة ويرزقهم بها كاللعب والحلوى ، وغير ذلك مما يحب الطفل " ، مع ملاحظة أننا إذا اصطحبناه إلى هناك فلابد أن نجعل ذكرياته عن الزيارة سعيدة قدر الإمكان ونشتري له من الهدايا والأشياء المحببة إليه ما يرضيه ، حتى ترتبط سعادته بالبيت الحرام ، ومن ثم برب البيت.

خامساً: من الثالثة حتى السادسة:
( يكون استقبال الطفل للمعلومات ، واستفادته منها ، واقتداؤه بأهله- في هذه المرحلة- في أحسن حالاته) (17) ، كما يكون شغوفاً بالاستماع للقصص ، لذا يجب الاستفادة من هذا في تأليف ورواية القصص التي توجهه للتصرف بالسلوك القويم الذي نتمناه له ، وتكون هذه الطريقة أكثر تأثيراً ، إذا كانت معظم القصص تدور حول شخصية واحدة تحمل اسماً معيناً ، لبطل أو بطلة القصة [ يفضل أن يكون ولداً إذا كان الطفل ولداً ، والعكس صحيح ] ، بحيث تدور أحداثها المختلفة في أجواء مختلفة ، وتهدف كل منها إلى تعريفه بالله تعالى على أنه الرحيم الرحمن الودود الحنان المنَّان الكريم العَفُوّ الرءوف الغفور الشكور التواب ، مالك الملك ، كما تهدف القصة إلى إكسابه أخلاقيات مختلفة إذا قامت الأم برواية كل قصة على حده في يوم منفصل- لتعطيه الفرصة في التفكير فيها ، أما إذا طلب قصة أخرى في نفس اليوم فيمكن أن نحكي له عن الحيوانات الأليفة التي يفضلها مثلاً- فيصبح الطفل متعلقا بشخصية البطل أو البطلة وينتظر آخر أخبار مغامراته كل يوم ، فتنغرس في نفسه الصغيرة الخبرات المكتسبة من تلك القصص.
وإذا كانت الأم لا تستطيع تأليف القصص فيمكنها الاستعانة بالقصص المنشورة ، منها على سبيل المثال لا الحصر سلسلة «أطفالنا» ، وقصص شركة « سفير » للأطفال ، وقصص الأديب التربوي « عبد التواب يوسف » ، وقصص الأنبياء المصورة للأطفال المتاحة لدى « دار المعارف » بالقاهرة ، وغير ذلك مما يتيسر.
وفيما يلي قصة سمعتها كاتبة هذه السطور من معلمة ابنتها التي كانت تحفِّظها القرآن ، وهي تفيد حب الله والثقة به تعالى ، وحسن التصرف ، وأخذ الأسباب ، ثم التوكل عليه .

كانت " ندى" تجلس بجوار والدتها التي كانت تقوم بتغيير ملابس أختــها الرضيعة" بسـمة" ، بينما اكتشـفت الوالدة أن" بسـمة" حـرارتها آخذة في الارتفاع ، فحاولت إسعافـها بالمواد الطبيعية المتاحة بالمنزل ، دون جدوى ، ولما كان الوالد مسافراً ، فقد طلبت الوالدة من" ندى" أن تظل بجوار أختها حتى تذهب إلى الصيدلية القريبة من منزلهم لتشتري لها دواء يسعفها ، فقالت"ندى" : "سمعاً وطاعة يا أمي"
وبينما كانت" ندى" تغني لأختها بعد خروج الأم انقطع التيار الكهربي وساد الظلام الغرفة ، فشعرت "ندى" بالخوف الشديد ، ولم تدر ماذا تفعل ... ولكنها تذكرت قول والدتها لها : "أن الله تعالى يظل معنا أينما كنا وفي كل الأوقات من الليل والنهار ، وهو يرانا ويرعانا ويحمينا أكثر من الوالدين لأنه أقوى من كل المخلوقات ، ولأنه يحب عباده المؤمنين ؛ فظلت تربُت على"بسمة" التي بدأت في البكاء ، ثم جرت إلى الشباك ففتحته ليدخل بعض الضوء إلى الغرفة ، فإذا بالقمر يسطع في السماء ويطل بنوره الفضي ، فيرسل أشعته على الغرفة فيضيئها ، ففرحت "ندى" وقالت لبسمة : "انظري هذا هو القمر أرسله الله تعالى ليؤنسنا في وحدتنا ويضيء لنا الغرفة حتى تعود أمنا ويعود التيار الكهربي ، انظري كم هو جميل ضوء القمر لأن الله هو الذي صنعه ، فهو خافت لا يؤذي العين ، كما أنه يشيع في النفس الاطمئنان ، هل تحبين الله كما أحبه يا بسمة ؟ " وظلت تحدِّث أختها وتغني لها حتى عادت الأم ، فأعطت الدواء لبسمة ، ثم اثنت على" ندى" التي أحسنت التصرف ، ثم وعدتها بأن تذهب معها إلى المكتبة لشراء كتاب للأطفال عن القمر لتعرف عنه معلومات أكثر ، كما قامت بتلاوة سورة القمر عليها مكافأة لها على ما فعلت.

وينبغي حين نتحدث عن الله معهم في هذا العمر أن نكون صادقين ، ( ونبتعد عن المبالغات ، فالله موجود في السماء ونحن نرفع أيدينا عندما ندعوه ، وهو يستحي أن نمدها إليه ويردها فارغة ، لأنه حييٌ كريم ، وهو أكبر من كل شيء ، وأقوى من كل شيء وهو يرانا في كل مكان ويسمعنا ولو كنا وحدنا ، وهو يحبنا كثيراً ، وعلينا أن نحبه لأنه خلقنا وخلق لنا كل ما نحتاجه ، فهو يأمر جنوده فينفذون أوامره ، فيقول للسحاب أمطر على عبادي كي يشربوا ويسقوا زرعهم وماشيتهم ، فينزل المطر ، وهو الذي يدخل المسلمين الذين يحبونه الجنة... ويتمتع في الجنة المسلم الذي يصلي ويصوم ويتصدق ويصدُق مع الناس ، ويطيع والديه ، ويحترم الكبار ، ويجتهد في دراسته ، ولا يؤذي إخوته أو أصحابه ، والله تعالى يحب الأطفال ، وسوف يعطيهم ما يريدون إذا ابتعدوا عن كل ما لا يرضيه... وينبغي عدم الخوض في تفاصيل الذات الإلهية مع الطفل خشية من أي زلل قد نُحاسَب عليه " (18)

سادساً: مرحلة ما بين السابعة والعاشرة:
وهي مرحلة (غاية في الأهمية ، لذا لا يصح التهاون بها على الإطلاق ، ففيها تبدأ مَلكاته العقلية والفكرية في التفتح بشكل جيد ، لذا فإنه يحتاج في هذه المرحلة إلى أن نصاحبه ونعامله كصديق ، ومن خلال ذلك نغرس في نفسه فكرة العبودية لله تعالى بشكل عميق ، فإذا أحضرنا له هدية مثلا وقال: "شكراً" ، ذكرنا له أن الله تعالى أيضاً يستحق الشكر فهو المنعم الأول ، فنقول له : " ما رأيك بعينيك ، هل هما غاليتين عليك؟! ، وهل يمكن أن تستبدلهما بكنوز الأرض؟! " ، وكذلك الأذنين واللسان وبقية الجوارح ... حتى يتعمق في نفسه الإحساس بقيمة هذه الجوارح ، ثم نطرح عليه السؤال " مَن الذي تكرَّم علينا وأعطانا هذه الجوارح ؟ وكيف تكون حياتنا إذا لم يعطها لنا؟! " لذا فإن هذه الجوارح هي أغلى الهدايا التي منحنا الله عز وجل إياها- بعد الإيمان به- ومن الواجب أن نشكره هو وليس غيره على عطاياه ) (19)
ومن الضروري بناء قاعدة تعليمية اختيارية لدى الطفل من خلال تشجيعه على القراءة ، ومكافأته بقصة أو موسوعة مبسطة أو كتاب نافع أو مجلة جذابة مفيدة بدلاً من الحلوى ، ولكن قبل أن نشتري له ما يقرأه يجب أن نتصفحه جيدا ، فنبتعد مثلاً عن مجلة " ميكي " و"سوبرمان" و"الوطواط" ، وأمثالها التي تحكي قصصاً تحدث في بيئة غربية وتنقل عاداتهم وتقاليدهم الغريبة علينا... مما يؤثر بالسلب في أطفالنا ، فنستبدلها مثلاً بمجلة "ماجد" ، ومجلة "سلام وفرسان الخير" اللتان تصدران في الإمارات العربية ، و تبثان القيم الدينية والأخلاقية في الطفل بشكل لطيف محبب إليه ، بالإضافة إلى تثقيفه وتعليمه ؛ وكذلك مجلتي : "العربي الصغير" ، و"سعد" اللتان تصدران في الكويت.
ويمكن اصطحابه إلى مكتبـة تبيع أو تقتني كتـباً نعلم أنهـا جـيدة ، ثم نتركـه يخـتار بنـفسـه. ولا بأس من أن نقص على الطفل في هذه المرحلة قصة النبي "يحي" عليه السلام ليكون قدوة له ، (فقد كان يحيي في الأنبياء نموذجا لا مثيل له في النُُسُك والزهد والحب الإلهي... كان يضيء حبا لكل الكائنات ، وأحبه الناس وأحبته الطيور والوحوش والصحاري والجبال ، ثم أهدرت دمه كلمة حق قالها في بلاط ملك ظالم ، بشأن أمر يتصل براقصة بغي.
ويذكر العلماء فضل يحيي ويوردون لذلك أمثلة كثيرة ، فقد كان يحيي معاصراً لعيسى وقريبه من جهة الأم (ابن خالة أمه)..
وتروي السنة أن يحيي وعيسى التقيا يوما.
فقال عيسى ليحيى : استغفر لي يا يحيى .. أنت خير مني.
قال يحيى: استغفر لي يا عيسى . أنت خير مني.
قال عيسى : بل أنت خير مني .. سلمت على نفسي وسلم الله عليك.
وتشير القصة إلى فضل يحيي حين سلم الله عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا.

ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوما فوجدهم يتذاكرون فضل الأنبياء.
قال قائل: موسى كليم الله.
وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته.
وقال قائل: إبراهيم خليل الله.
ومضى الصحابة يتحدثون عن الأنبياء ، فتدخل الرسول عليه الصلاة والسلام حين رآهم لا يذكرون يحيي. أين الشهيد ابن الشهيد ؟ يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب. أين يحيي بن زكريا ؟

وقد كان ميلاده معجزة .. فقد وهبه الله تعالى لأبيه زكريا بعد عمر طال حتى يئس الشيخ من الذرية.. وجاء بعد دعوة نقية تحرك بها قلب النبي زكريا.
وكانت طفولته غريبة عن دنيا الأطفال .. كان معظم الأطفال يمارسون اللهو ، أما هو فكان جادا طوال الوقت .. كان بعض الأطفال يتسلى بتعذيب الحيوانات ، وكان يحيي يطعم الحيوانات والطيور من طعامه رحمة بها ، وحنانا عليها ، ويبقى هو بغير طعام .. أو يأكل من أوراق الشجر أو ثمارها.

وكلما كبر يحيى في السن زاد النور في وجهه وامتلأ قلبه بالحكمة وحب الله والمعرفة والسلام. وكان يحيى يحب القراءة ، وكان يقرأ في العلم من طفولته .. فلما صار صبيا نادته رحمة ربه :
{ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا }
فقد صدر الأمر ليحيي وهو صبي أن يأخذ الكتاب بقوة ، بمعنى أن يدرس الكتاب بإحكام ، كتاب الشريعة.. ورزقه الله الإقبال على معرفة الشريعة والقضاء بين الناس وهو صبي .. كان أعلم الناس وأشدهم حكمة في زمانه درس الشريعة دراسة كاملة ، ولهذا السبب آتاه الله الحكم وهو صبي.. كان يحكم بين الناس ، ويبين لهم أسرار الدين ، ويعرفهم طريق الصواب ويحذرهم من طريق الخطأ .
وكبر يحيى فزاد علمه ، وزادت رحمته ، وزاد حنانه بوالديه ، والناس ، والمخلوقات ، والطيور ، والأشجار .. حتى عم حنانه الدنيا وملأها بالرحمة.. كان يدعو الناس إلى التوبة من الذنوب ، وكان يدعو الله لهم.. ولم يكن هناك إنسان يكره يحيي أو يتمنى له الضرر. كان محبوبا لحنانه وزكاته وتقواه وعلمه وفضله.. ثم زاد يحيي على ذلك بالتنسك.
وكان يحيي إذا وقف بين الناس ليدعوهم إلى الله أبكاهم من الحب والخشوع.. وأثر في قلوبهم بصدق الكلمات وكونها قريبة العهد من الله وعلى عهد الله..
وجاء صباح خرج فيه يحيي على الناس.. امتلأ المسجد بالناس ، ووقف يحيي بن زكريا وبدأ يتحدث.. قال: " إن الله عز وجل أمرني بكلمات أعمل بها ، وآمركم أن تعملوا بها.. أن تعبدوا الله وحده بلا شريك.. فمن أشرك بالله وعبد غيره فهو مثل عبد اشتراه سيده فراح يعمل ويؤدي ثمن عمله لسيد غير سيده.. أيكم يحب أن يكون عبده كذلك..؟ وآمركم بالصلاة لأن الله ينظر إلى عبده وهو يصلي ، ما لم يلتفت عن صلاته.. فإذا صليتم فاخشعوا.. وآمركم بالصيام.. فان مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك جميل الرائحة ، كلما سار هذا الرجل فاحت منه رائحة المسك المعطر.
وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا ، فان مثل ذلك كمثل رجل طلبه أعداؤه فأسرع لحصن حصين فأغلقه عليه.. وأعظم الحصون ذكر الله.. ولا نجاة بغير هذا الحصن.) (20)

أما الفتيات فنحكي لهن-على قدر فهمهن- قصة السيدة "مريم" وكيف كانت ناسكة عابدة لله تعالى وكيف نجحت في اختبار بالغ الصعوبة ، وكيف أنقذها الله جل وعلا بقدرته .

سابعاً : مرحلة العاشرة وما بعدها:
في هذه المرحلة يظهر بوضوح على الطفل مظاهر الاستقلال ، والاعتداد بالنفس ، والتشبث بالرأي ، والتمرد على نصائح الوالدين وتعليماتهما- لأنهما يمثلان السلطة والقيود بالنسبة له - وهو في هذه المرحلة يود التحرر مما يظن أنه قيود ، فيميل أكثر إلى أصدقاءه ، ويفتح لهم صدره ، ويتقبل منهم ما لا يتقبله من والديه ، لذا يمكننا أن نوضح له - عن طريق رواية بعض القصص التي حدثت معنا أو مع من نعرفهم - ما يفيد أن الله سبحانه هو خير صديق ، بل هو أكثر الأصدقاء حفاظاً على الأمانة ، وهو خير عماد وسند ، وأن صداقة الطفل معه لا تتعارض مع صداقته لأقرانه.
كما ينبغي أن نوضح لأطفالنا أن الله أحياناً يبتلي الإنسان بمكروه أو مصيبة ليطهِّره ويرفع درجاته ويقربه منه أكثر ، كما يؤلم الطبيب مريضه أحياناً كي يحافظ على صحته وينقذه من خطر محقق.
والحق أن هذه المرحلة خطيرة لأنها تعيد بناء الطفل العقلي والفكري من جديد و قد تؤدي إلى عواقب وخيمة إن أسيء التعامل مع الطفل فيها ، ومما يساعد على نجاح الوالدين في الأخذ بيده إلى الصواب أن ( يبدآ معه من الطفولة المبكرة ، فعندئذٍ لن يجدا عناء كبيرا في هذه الفترة ، لأنهما قاما بوضع الأساس الصحيح ، ثم أكملا إرواء النبتة حتى تستوي على سوقها... وهما الآن يضيفان إلى جهديهما السابق جهدا آخر ، وسوف تؤتي الجهود ثمارها إن شاء الله) (21)
ويمكننا أن نعرِّفهم بأسماء الله الحسنى ونشرح لهم معانيها ، فالله رحمن ، رحيم ، ودود ، عفو ، غفور ، رءوف ، سلام ، حنَّان ، منَّان ، كريم ، رزاق ، لطيف ، عالم ، عليم ، حكم ، عدل ، مقسط ، حق ، تواب ، مالك الملك ، نور ، رشيد ، صبور... ولكنه أيضاً قوي ، متين ، مهيمن ، جبار ، منتقم ، ذو بطش شديد ، معز مذل ، وقابض باسط ، وقهار ، ومانع ، و خافض رافع ، ونافع ضار ، ومميت.
فلا يكفي أن نشرح لهم أسماء الجمال التي تبعث الود والألفة في نفوسهم نحو خالقهم ، بل يجب أيضا ذكر أسماء الجلال التي تشعرهم بأن الله تعالى قادر على حمايتهم وقت الحاجة ، فهو ملجأهم وملاذهم ، لأنه حفيظ قوي قادر مقتدر .

ومما يجدي أيضاً مع أطفالنا في هذه المرحلة : الحوار الهادئ الهادف ، وليس ( الحوار السلطوي الذي يعني: " اسمع واستجِب " ، ولا الحوار السطحي الذي يتجاهل الأمور الجوهرية ، أو حوار الطريق المسدود الذي يقول لسان حاله : " لا داعي للحوار فلن نتفق " ، أو الحوار التسفيهي الذي يُصِرُّ فيه الأب على ألا يرى شيئاً غير رأيه ، بل ويسفِّه ويلغي الرأي الآخر ، أو حوار البرج العاجي الذي يجعل المناقشة تدور حول قضايا فلسفية بعيداً عن واقع الحياة اليومي ، ... وإنما الحوار الصحي الإيجابي الموضوعي الذي يرى الحسنات والسلبيات في ذات الوقت ، ويرى العقبات ، وأيضا إمكانات التغلب عليها. وهو حوار متفائل - في غير مبالغة ساذجة- وهو حوار صادق عميق وواضح الكلمات ومدلولاتها وهو الحوار المتكافئ الذي يعطى لكلا الطرفين فرصة التعبير والإبداع الحقيقي ، ويحترم الرأي الآخر ويعرف حتمية الخلاف في الرأي بين البشر ، وآداب الخلاف وتقبله . وهو حوار واقعي يتصل إيجابيا بالحياة اليومية الواقعية واتصاله هذا ليس اتصال قبول ورضوخ للأمر الواقع ، بل اتصال تفهم وتغيير وإصلاح ؛ وهو حوار موافقة حين تكون الموافقة هي الصواب ومخالفة حين تكون المخالفة هي الصواب ، فالهدف النهائي له هو إثبات الحقيقة حيث هي ، لا حيث نراها بأهوائنا وهو فوق كل هذا حوار تسوده المحبة والمسئولية والرعاية وإنكار الذات (22) .

(ولنأخذ مثلاً للحوار الإيجابي من التاريخ الإسلامي ، وقد حدث هذا الحوار في غزوة بدر حين تجمع المسلمون للقاء الكفار وكانت آبار المياه أمامهم وهنا نهض الحبَّاب بن المنذر رضي الله عنه وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أهو منزِل أنزلَكَهُ الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فأجاب الرسول الكريم : ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة ). فقال الحباب : يا رسول الله ما هذا بمنزل ، وأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوقوف بحيث تكون آبار المياه خلف المسلمين فلا يستطيع المشركون الوصول إليها ، وفعلاً أخذ الرسول بهذا الرأي الصائب فكان ذلك أحد عوامل النصر في تلك المعركة .
وإذا حاولنا تحليل هذا الموقف نجد أن الحبَّاب بن المنذر كان مسلماً إيجابياً على الرغم من أنه أحد عامة المسلمين وكان أمامه من الأعذار لكي يسكت أو يعطل تفكيره فهو جندي تحت لواء رسول الله الذي يتلقى الوحي من السماء وهناك كبار الصحابة أصحاب الرأي والمشورة ولكن كل هذه الأسباب لم تمنعه من إعمال فكره ، ولم تمنعه من الجهر برأيه الصائب ، ولكنه مع ذلك التزم الأدب الرفيع في الجهر بهذا الرأي فتساءل أولاً إن كان هذا الموقف وحي من عند الله أم أنه اجتهاد بشرى ، فلما عرف أنه اجتهاد بشرى وجد ذلك مجالاً لطرح رؤيته الصائبة ولم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم غضاضة في الأخذ برأي واحد من عامة المسلمين. وهذا الموقف يعطينا انطباعا هاما عن الجو العام السائد في الجماعة المسلمة آنذاك ، ذلك الجو المليء بالثقة والمحبة والإيجابية وإبداء النصيحة وتقبُّل النصيحة .

وإذا كانت النظم الديمقراطية الحديثة تسمح للمواطن أن يقول رأيه إذا أراد ذلك ، فإن الإسلام يرتقى فوق ذلك حيث أنه يوجب على الإنسان أن يقول رأيه حتى ولو كان جنديا من عامة الناس تحت لواء رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، وهو أعلى المستويات من حرية الرأي (23)
ومن خلال الحوار الهادئ مع أبنائنا ... يمكن أن نوضح أن التائب حبيب الرحمن ، وأن الكائنات تستأذن الله تعالى كل يوم لتُهلك ابن آدم الذي يأكل من خير الله تعالى ، ثم لا يشكره ، بل ويعبد غيره!! ولكنه سبحانه يظل يقول لهم : ( ذروهم إنهم عبادي ، لو خلقتموهم لرحمتموهم ) ، وهو الذي قال في حديث قدسي أن البشر إن لم يخطئوا لذهب الله بهم وأتى بخلق آخرين ، يذنبون فيغفر لهم ؛ وهو الذي يهرول نحو عبده الذي يمشي نحوه ، وهو الذي يتجاوز عن العبد ويستره ، ويحفظه ، ويرزقه ، مع إصراره على المعصية ، ويظل يمهله حتى يتوب ، وهو الذي كتب على نفسه الرحمة ، وهو الذي سمى نفسه " أرحم الراحمين " ، و" خير الغافرين " ، و" خير الرازقين " ، و" خير الناصرين " وهو الذي قال في كتابه الكريم: { إن اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعا } !!!

ويمكن في هذه المرحلة أن نحكي لهم كيف نصر الله أولياءه من الأنبياء والصالحين (24) ونخبرهم عن نماذج من الصحابة والصالحين الذين أحبوا الله تعالى فأحبهم وتولى أمرهم ، وذلك برواية قصصهم التي نجد أمثلة لها في كتب السيرة المعروفة ، وأيضا في النصف الأخير من محاضرة " حب العبد لله " للداعية الإسلامي « عمرو خالد » (25) كما يمكن أن نستمع معهم إلى محاضرتي: " محبة الله أصل الدين " للشيخ راتب النابلسي (26) ، و" محبة الله " للأستاذ عمرو خالد (27)
وينبغي أن نراعي حالته النفسية والإيمانية عند الحديث بهذا الشأن ، فإذا رأيناه يحتاج إلى أمل في رحمة الله ، رغَّبناه ، وإذا رأيناه يحتاج إلى من يوقفه عند حده ، خوَّفناه من عقاب الله.

5- متى وكيف نتحدث إليهم؟
لكي نضمن التأثير فيهم علينا أن نقتدي بمعلم البشرية ، رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يعلِّم أصحابه والمسلمين ، ويوجِّههم بطرق كثيرة ، منها على سبيل المثال لا الحصر:

التشويق بالسؤال ثم إجابته: كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أتَدرون من المُفلس؟ )

إثارة الانتباه بالسؤال ، باستخدام "ألا" الافتتاحية : كما كان يقول صلى الله عليه وسلم: ( ألا أخبركم بخير الناس؟ ) ، ( ألا أنبئكم بأهل الجنة؟ ) ، ( ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا؟ ) ...إلخ

رواية القصة ، كما روى صلى الله عليه وسلم قصة الرجل الذي سقى الكلب في خُفِّه فدخل الجنة ، وقصة المرأة التي دخلت النار في هِرَّة حبستها.

أثناء الذهاب معه إلى نزهة أو أثناء الركوب في الطريق لمكانٍ ما ، كما حكى ابن عباس رضي الله عنهما: ( كنت خلف رسول الله يوما فقال: ياغلام ، إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك... ) إلى آخر الحديث.
وهناك أيضاً حديث أبي ذر رضي الله عنه : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حماراً وأردَفـني خلفه ، وقال : (يا أبا ذَر أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك ، كيف تصنع ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : تعفف )

انتهاز فرصة حدوث موقف معين ، كما رأينا في الحديث الذي رواه عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال : ( كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه و سلم , و كانت يدي تطيش في الصحفة , فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا غلام ... سَمِّ الله وكُل بيمينك ، وكُل ممَّا يليك ).

رواية الأخبار ، كما جاء في سنن الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاءني جبريل ، فقال : يا محمد إذا توضَّأت فانتضِح )

إخباره من حين لآخر أننا نحبه ، كما قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : (والله يا معاذ إني أحبك ) . و لسعد بن أبي وقَّاص: (ارم سعد فداك أبي وأمي ).

وفيما يلي بعض ما ييسر تحقيق هذا الهدف:
* لا يجب التحدث معه في هذا الموضوع وهو غاضب أو بعد عقابه لأي سبب ، أو وهو يبكي ، أوفي جو يسوده الكآبة ، أو الحزن.
** وإذا كنا لا نريد تنفيذ شيء يريده ، فلا يجب نقول له " إن شاء الله " ، حتى لا يتعلم من تكرار ذلك أن هذه العبارة تعني: " لن أفعل " ، بل يمكن أن نقول : " سننظر ، سأفكر ، وفقاً للظروف " ، أو ما شابه ذلك من تعبيرات .
*** كما أننا إذا أردنا عقابه فلا يصح أن نحلف بالله أننا سنعاقبه ، ويكفي أن نقول : " سترى كيف أعاقبك ، أو ما شابه ذلك " حتى لا يرتبط اسم الله جل وعلا في ذهنه بالعقاب.
**** ولا داعي أن نكرر على سمعه كلما أخطأ : " سوف يدخلك الله جهنَّم - أو النار- إن فعلت ذلك ثانيةً " حتى لا يرتبط الله عز وجل لديه بجهنم منذ صغره.
***** وإذا كنا نضربه مثلاً ، أو أوشكنا على عقابه لأي سبب ، فاستغاث بالله تعالى ، فيجب أن نتوقف فوراً ، وأن نكظِم غيظنا ما استطعنا.

6- ماذا أفعل إن لم أكن قد بدأت مع طفلي؟
ابدأ فوراً ، ولكن بخطوات متدرجة تتناسب مع عمره ، وظروفه ؛ واستعن بالله ولا تيأس ، فإنه { لا ييأس من رَوحِ اللهِ إلا القومُ الكافرون }

7- من تجارب الأمهات:
* تحدثت أم عن تجربة أبيها وأمها في توجيهها وإخوتها ، فقد كان الأب يعود من صلاة الجمعة كل أسبوع ، فيوجه حديثه للأم قائلاً : " هذا ما قاله لنا اليوم خطيب المسجد... " ، فيقص عليها الكثير من القصص ، ثم يخرج منها بالمواعظ والنصائح ، متجاهلاً أولاده الذين يحملقون فيه وقد أصغوا باهتمام شديد لحديث (الكبار) ، تقول الراوية : " فلما كبِِرتُ وتذكرت ما كان يقصه أبي ، علمت أن بعض حديثه لا يمكن أن يكون قد قاله خطيب المسجد ، وإنما كان موجهاً إلينا أنا وإخوتي ، والعجيب أننا تأثرنا كثيراً بهذا الحديث غير المباشر ، وكنا نحترم ربنا كثيراً ، ونحبه ، ونخاف من كل ما يمكن أن يقال عنه أنه " حرام " لأنه يغضب الله عز وجل ، وأنا الآن أتبع نفس الأسلوب مع أولادي "

* وتحدثت أم أخرى عن طفلتها التي كانت أصغر إخوانها ، وكانوا لا يكفون عن مضايقتها طوال الوقت ، فكانت تصحبها معها - وهي ابنة ثلاث سنوات- للدروس بالمسجد حمايةً لها منهم ، فشبت هذه البنت - دوناً عن إخوتها- وهي تحب الله عز وجل وتخافه في السر والعلن ، وتحفظ المعلومات التي سمعتها بالمسجد ، بل وتحرص على الصلاة والصيام والتصدق بطيب نفس !!!

* وقالت أم ثالثة : " كان أولادي يرفضون النوم في غرفتهم بمفردهم ، فصرت أجلس معهم بعد ذهاب كل منهم إلى فراشه ، وأحكي لهم قصة هادفة ، ثم أطفئ نور الغرفة وأترك نورا خافتا يأتي من الردهة المجاورة ، ثم أقوم بتشغيل شريط لجزء " عمَّ " يتلوه شيخ ذو صوت ندي ، وأترك الغرفة ، فكان الأطفال يستمتعون بصوته ، وينامون قبل انتهاء الوجه الأول منه ، ومع الوقت لم يعودوا يخافون من النوم بمفردهم ، فبمجرد تشغيل الشريط كانوا يقولون لي : " اذهبي إلى غرفتك ، فنحن لسنا بخائفين " ، والأهم من ذلك أنهم أصبحوا يسألون عن الله تعالى ، ويشتاقون لرؤيته ، ويستفسرون عن معاني كلمات الآيات التي يستمعون إليها ، بل و يحبون الحديث في الدين ويتقبلون النصح بنفوس راضية "

وختاماً:
فإن موضوع "حب الله تعالى " لا تسعه المجلدات…وما هذه العُجالة إلا محاولة على الطريق عسى الله أن يمن علينا وإياكم بتوفيقه لنعين أطفالنا على الشعور بحبه تعالى ، فيترتب على ذلك فلاحهم في الدنيا والآخرة إن شاء الله.

---------------
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2009, 04:23 PM   #6 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي

تمهيد

الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه،حمداً يوازي نعمته علينا بالإسلام... إذ أنزل إلينا خير كتبه،وأرسل إلينا أفضل رسله وشرَع لنا أفضل شرائع دينه ،وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس...والصلاة والسلام على خير البرية ،وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد.
فإن طفلك هو هبة الله تعالى لك،هو بضعة منك،وهو ثمرة فؤادك،وفلذة كبدك،ومعقد آمالك،وحلمك الذي لم تحققه بعد...لذا فمن الطبيعي أن تحلم له بكل خير...بالتفوق في الدراسة،والنشاط الذي يمارسه، ثم الوظيفة المرموقة،ثم الزواج السعيد، والرفاء، والبنين...إلخ
ومن أجل ذلك فأنت تبذل كل غال وثمين لتساعده على تحقيق كل هذه الأحلام ،أو بعضها،أو حتى أحدها!
ولكن؛ هل فكرت يوماً في أن إمكانات طفلك قد لا تتناسب مع تحقيق هذه الأحلام؟
ولو فرضنا-جدلاً- أن تلك الأحلام قد تحققت جميعاً ،فماذا لو أصبح المجتمع يكتظ بذوي الوظائف المرموقة؟!
هل تستقيم الحياة بدون المُزارع، والصانع، والخبَّاز ،والنجار، والحداد، وعامل النظافة... وغيرهم من ذوي المهن التي لا تتمناها لطفلك؟!
فما هو الحل في رأيك؟؟؟
إن الله تعالى كما قسَّم الأرزاق،" فقد قسم المواهب وجعلها مختلفة لكي يتكامل الناس، ويتعاونون ،ويحتاج بعضهم إلى بعض حتى يعمروا الكون"(1)،لذلك فإن بداية الحل هي أن تحلم لطفلك أحلاماً لا تتعارض مع مواهبه ،وفي نفس الوقت لا تحتاج لتحقيقها إلى أن تدفعه دفعاً يحطم نفسيته ،ويطمس مواهبه الطبيعية المعبِّرة عن ذاته،ويضعف شخصيته؛فإذا أردت له السعادة ،فدعه يكون نفسه!!! وليس أنت أو أي أحد آخر ممن تُعجب بهم.
وبقية الحل هي أن تهتم بمستقبله في الآخرة ،كما تهتم بمستقبله الدنيوي،بل أكثر!
فكما تخشى عليه من هبَّات النسائم الرقاق في الدنيا ، كذلك يجب أن تخشى عليه من عذاب الله في الآخرة.
مرة أخرى ، كيف؟؟؟
ذلك بأن تحلم له بإيمان قوي، وعقيدة راسخة ، وهمة عالية...فإن ساعدته على تحقيق ذلك أصبح طفلك متفوقاً في كل نواحي حياته ،عزيز النفس ،عالي الهمة،مرموقاً في أي وظيفة يقدرها الله سبحانه له، يعرف كيف يسعد نفسه ويسعد غيره ؛ فيكون لك قرة عين؛ ومن ثم يكون مسلماً حقاً....فهل يراودك هذا الحلم؟
إذا كانت إجابتك هي "نعم" فتعال معي عبر السطور القادمة لترى محاولة لتحقيق هذا الحلم،عسى الله الكريم أن ينفع بها ...فله الحمد ومنه وحده التوفيق، والمنة ،والفضل .

د.أماني زكريا الرمادي


--------------------------------------------------------------------------------

1- ما هو الإسلام؟
هو أجل وأعظم وأشرف نعم الله على الإنسان.
وهو الاستسلام الكامل لأوامر الله سبحانه ،والانتهاء عن نواهيه؛استسلام الواثق بحكمته ،المعتمد على قدرته؛ الطامع في رحمته .

2- ما هو حب الإسلام؟
هو أن تكره أن تخرج عنه؛ فتعود إلى الكفر، كما تَكره أن تُقذف في النار.

3- لماذا نحب الإسلام وننتمي إليه ؟
أ- لأنه الدين الخاتم الذي قال عنه سبحانه تعالى في قرآنه المعجز في كل مكان وزمان:" إنَّ الدينَ عندَ اللهِ الإسلام"وقال عمن يتبعون غيره: " ومَن يبتَغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"

ب- لأنه الدين القيِّم ،كما قال عنه جل وعلا في قرآنه -الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه- في كثير من المواضع ؛ أي الدين الثابت الذي لا عوَج فيه، ولا زيغ ،ولا ضلال.

ج- لأنه دين الحرية الذي حرر الإنسان من العبودية لغير الله ، ومن الخوف إلا مِنْه، ومن الحاجة إلا إليه ومن الذل إلا له،ومن التوكل إلا عليه،فإذا كان مَن نعبده ونخشاه،ونذل له،ونتوكل عليه هو أرحم الراحمين،وأكرم الأكرمين،ومالك الملك،والقادر المقتدر، والعزيز الجبار،وذو الجلال والإكرام،و الحي القيوم،والحفيظ المقيت،فهنيئاً لنا بهذا الدين.

ب- لأنه دين الاعتدال الذي رفع الإصر والأغلال عمن اتبعوه ،بعكس الأمم التي كانت من قبلهم،( يقول العلامة سليمان الندوي: «ما من دين خلا من العبادة لله، لكن الأديان القديمة حسب أتباعها أن الدين يطالبهم بإيذاء أجسامهم وتعذيبها وأن الغرض من العبادة إدخال الألم على الجوارح وأن الجسم إذا زادت آلامه كان في ذلك طهارة للروح ونزاهة للنفس! وقد جاءت الشريعة الإسلامية برفع هذه الآصار فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه: «إياكم والغلو فإنما اهلك من كان قبلكم الغلو» وهو الغلو الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب ونهاهم عنه: «قل يا أهل الكتاب لا تغْلُوا في دينكُم غيرَ الحق ولا تتَّبعوا أهواءَ قومٍ قد ضلوا من قبل وأضَلوا كثيراً وضلُّوا عن سواءِ السبيل».
وقد عُرف الرسول صلى الله عليه وسلم في كتب الأولين بالأوصاف المميزة التالية: «يأمُرُهم بالمعروف وينهاهُم عن المُنكر ويحِلُّ لهمُ الطيباتِ ويحرِّم عليهم الخبائثَ ويضع عنهم إصرَهم والأغلالَ التي كانت عليهم"؛ وقد امتن الله برسوله على الناس فقال: «لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم»، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: «بُعثت بالحنيفية السمحة"، فهي حنيفية العقيدة، سمحة في التكاليف والأحكام وإنما خصها الله بالسماحة والسهولة واليسر لأنه أرادها رسالة الناس كافة والأقطار جميعا، والأزمان قاطبة... ورسالة هذا شأنها من العموم والخلود لابد أن يجعل الله الحكيم في ثناياها من التيسير والتخفيف والرحمة ما يلائم اختلاف الأجيال وحاجات العصور وشتى البقاع... وهذا واضح في شريعة الإسلام عامة وفي العبادات خاصة ؛يقول الله تعالى في بيان رسالة المسلم في الحياة: «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربَّكم وافعلوا الخيرَ لعلكم تُفلحون، وجاهِدوا في اللهِ حقَّّ جهاده هو اجتَباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج»؛ويقول في أعقاب ما ذكره من المحرمات في النكاح وإباحة ما وراء ذلك بشرطه «يريد الله أن يخفف عنكم وخُلق الانسانُ ضعيفا»)(2)

د- لأنه دين التيسير الذي يتناسب مع الفطرة البشرية، فلا يكلف النفس إلا وسعها ،ولا يحمِّلها إلا ما تطيق،بل وينهى عن المغالاة والتنطع والتشدد،خاصة في أمور الدين،يقول المولى جل وعلا:"لا يكلِّف اللهُ نفساً إلا وُسعها"،كما يقول:" يريدُ اللهُ بكم اليسرَ ولا يريد بكم العُسر»؛ ويقول الرسول الكريم:" إن هذا الدين شديدٌ فأوغل فيه برفق"،ويقول:"روِّحوا القلوب فإن القلوب إذا تعبت كلَّت وإذا كَلَّت مَلَّت " ومن أقواله صلى الله عليه وسلم: «ان الدين يسر ولن يشادد الدين أحد إلا غلبه ،فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا» ونراه صلى الله عليه وسلم حين بعث معاذاً وأبا موسى الأشعري أميرين الى اليمن كان من وصيته لهما: «يَسِّرا ولا تُعسِّرا، وبشِّرا ولا تُنفِّرا ،وتطاوعا ولا تختلفا». ومن أوصافه عليه الصلاة والسلام أنه ما خُيِّر بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً .
وإذا كانت وجهة الإسلام هي التيسير فكل مسلم يبغي التشديد والتعنت إنما يعاند روح الإسلام ولهذا وقف الرسول الكريم في وجه المتعنتين والمتشددين وأخبر بهلكتهم ووبالهم فقال:" ألا هلك المتنطعون ،ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون» ولم يكن يكرر الكلمة ثلاثاً إلا لعظم خطر مضمونها.

ج- لأنه دين العطاء الذي يعطي الأجر الوفير على مساعدة الغير والتخفيف عنهم وإدخال السرور على قلوبهم،وإطعامهم ،وعيادة مريضهم وإعانة ضعيفهم،وكفالة يتيمهم ،وإغاثة ملهوفهم،وتعليم جاهلهم،وتوقير كبيرهم ،والعطف على صغيرهم ،والعفو عن مسيئهم.

د- لأنه دين النظافة، والطهارة الظاهرة والباطنة، والخُلُق الكريم،والرقي والسمو والحضارة بنوعيها : المادية والروحية. فعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء ؛قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة"،و قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء، رواه مسلم.ويقول الله تعالى:" إن الله يحب التَّوَّابين ويحب المتطهرين "
أما الطهارة الباطنة فهي" تطهير النفس من آثار الذنب والمعـصية ، وذلك بالتوبة الصادقة من كل الذنوب والمعاصي ، وتطهير القلب من أقذار الشرك والشك والحسد والحقد والغل والغش والكبر ، والعُجب والرياء والسمعة ، وذلك بالإخلاص واليقين وحب الخير والحلم والصدق والتواضع ، وإرادة وجه الله تعالى بكل النيات والأعمال الصالحة .
وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن أهمية طهارة القلب :"تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم. وقد كان المصطفى عليه الصلاة والسلام ينهى أن يبلغه عن أصحابه ما يسوؤه ،فيقول لهم:"لا يبلِّغني أحد منكم عن أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر"رواه أبو داود
هـ- لأنه الدين الوحيد الذي عرف للمرأة قدرها وأعطى لها من الكرامة، والحقوق مالم نر مثله لدى أي دين أو ملة أو عقيدة أخرى(للاستزادة في هذا الموضوع إستمع لدرس مكانة المرأة في الإسلام للأستاذ عمرو خالد)(3)

و-لأنه الدين الوحيد الذي اهتم بأتباع الأديان الأخرى ،وكفل لهم حرية العقيدة،(فقد قال تعالى " لا ينهاكُم الله عن الذين لم يقاتِلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبَرُّوهم وتُقسطوا إليهم إن اللهَ يحب المقسطين " 8- الممتحنة ،والآية الكريمة ترخص للمؤمنين في البر والصلة قولا وفعلا للذين لم يقاتلوهم لأجل الدين ولم يلحقوا بهم الأذى ولم يُخرجوهم من ديارهم ،وترخص لهم ببرهم والإحسان لمن أحسن منهم والعدل في معاملاتهم وهذا خالد بن الوليد يعاهد أهل الحيرة في زمن أبو بكر رضي الله عنه على ألا يهدم لهم بيعة أو كنيسة وعلى ألا يُمنعوا من نواقيسهم أو إخراج صلبانهم وأن يُعال العاجز هو وأولاده من بيت مال المسلمين ما أقام بدار الإسلام)(4)
كما يسوي الإسلام في الحقوق( بين المسلمين وأتباع الأديان الأخرى؛ فنجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:" من ظلم معاهدا أو أنقصه حقه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فانا خصمه يوم القيامة " لذا نرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصى عمرو بن العاص وهو وال على مصر، يقول له " أن معك أهل الذمة والعهد فاحذر يا عمرو أن يكون الرسول الله صلى الله عليه وسلم خصمك " ونراه حين فتح بيت المقدس يعقد معاهدة مع أسقفها جاء فيها: " هذا ما أعطى عمر أهل إيلياء ( بيت المقدس ) من الأمان: أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم ولا يُكرهون على دينهم ولا يُضار أحد منهم ...فكان لغير المسلمين في بلاد الإسلام ما للمسلمين من حقوق عامة وعليهم ما على المسلمين كذلك)(5)

ز- لأنه دين الرحمة الذي أوصى بالضعفاء كالأطفال، واليتامى والنساء، وكبار السن، والمساكين ، والخدم ؛ فنرى الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بهم قائلاً:
" ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا"
"أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" مشيراً بإصبعيه السبابة والوسطى .
"خير البيوت بيت فيه يتيم مُكرم"
" من أضحك أنثى كان كمن بكى من خشية الله"
" استوصوا بالنساء خيرا"
" من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن، وضرائهن،وسرائهن دخل الجنة" فقال رجل :"وثنتان يارسول الله؟" قال:" وثنتان"،فقال آخر:" وواحدة؟" قال: "وواحدة"
وعن الخدم يقول:" إنهم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم،فأطعموهم مما تطعمون ،واكسوهم مما تلبسون"...ولك أن تتأمل عظمة الإسلام في كلمة إخوانكم؛ فهو يحترم آدمية وكرامة الخادم لأنه-في النهاية- إنسان له مشاعر وأحاسيس.
كما يعتبر الإسلام أن من زار مريضاً كان كمن زار الله تعالى ، ومن امتنع عن زيارته عاتبه الله! و نراه-صلى الله عليه وسلم- يوصي بحُسن اختيار الزوج والزوجة كأحد حقوق الطفل،ثم بحسن اختيار أسمائهم،وحسن تأديبهم،والتصابي لهم،وإكرامهم والعطف عليهم ؛ثم يجعل من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم!!!! كما نرى الله تعالى يوصي المؤمنين قائلاً:" واعبدوا الله َ و لاتُشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين"،ونراه صلى الله عليه وسلم يحب المساكين ويحسن إليهم ويدعو ربه أن يحشره في زمرتهم ! فأي دين هذا؟؟!!

ح- لأنه دين المعاملة الحسنة الذي يجعل من الكلمة الطيبة صدقة،و التبسم في وجه الغير صدقة، ومن إماطة الأذى عن الطريق صدقة ويعطي أعظم الأجر على إفشاء السلام، بل ويجعل مما يحط الخطايا عن المسلم : مصافحةأخيه المسلم،والمسح على رأس اليتيم،وإطعام الرجل زوجته في فمها،وتزينه لها كما تتزين له،والحرص على عدم إيذاء الآخرين بالقول أو الإشارة أو الصوت المرتفع،فيقول المولى عز وجل:" وقولوا للناس حُسنا"،ويقول رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم:" المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده"،بل ويجعل المعاملة الحسنة من أساسيات الدين ،إذ يقول صلى الله عليه وسلم:" الدين المعاملة"!

ط- لأنه الدين الوحيد الذي يعطي أعظم الأجر على أفعال يسيرة يقوم بها المسلم؛منها على سبيل المثال لا الحصر:
• التصدق من المال الحلال،فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربى أحدكم فلوه - أي مهره - حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه.
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة)
• قول "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" فقد روى البخاري و مسلم في صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من قالها مائة مرة في يوم كانت له عدل عشر رقاب وكتب له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ،ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك"
• صوم الأيام الست من شوال، فقد قال صلى الله عليه وسلم أن" من صامها كان كمن صام الدهر"
• من قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً كان كمن قرأ القرآن كله.

ي- لأنه دين الوفاء الذي يعطي للمريض، والمضطر،والمسافر، وأمثالهم من الأجر مثل ما كان يعطي كلاً منهم وهو سليم ،معافي،ومقيم.

ك- لأنه دين الحلم الذي لا يحاسب الإنسان الذي غاب عنه عقله أو وعيه، حتى يفيق أو يعي؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " رُفع القلم عن ثلاث: عن الصغير حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق " (رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عائشة بإسناد صحيح) ومعنى رفع القلم: امتناع التكليف ؛ أي ليسوا مكلفين.

ل-لأنه دين العلم الذي تميز بمعجزة القرآن، وكان أول ما نزل منه هو كلمة "إقرأ"،كما نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في شأن العلم الكثير من الأحاديث منها:
" طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"
" مداد العلماء أفضل عند الله من دماء الشهداء" !!!
" من سلك طريقا يلتمس فيه علما كان في سبيل الله حتى يرجع"
"إن الله وملائكته والكائنات،حتى الحوت في بطن الماء لتصلي على معلم الناس الخير"
وقد التزم المسلمون الأوائل بهذه التعاليم حتى سادوا العالم بعلمهم و تتلمذ على أيديهم الطلاب الذين كانوا يأتونهم من شتى بقاع الأرض...ولكنهم لما ابتعدوا عن دينهم بتتابع الأجيال بدأت حضارتهم في التدهور،بينما بدأ الغرب في بناء صرح حضارتهم العلميه على أنقاض الحضارة الإسلامية المنصرمة .
م- لأنه دين المودة والترابط الأسري،والاجتماعي الذي يجعل عقوق الوالدين من الكبائر ،ويوصي بهما بعد عبادته تعالى،قائلاً: " واعبدوا اللهَ ولا تُشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً" ،ويحرم الجنة على قاطع الرحم،كما قال صلى الله عليه وسلم:" لا يدخل الجنة قاطع رحم"،ويوصي بالجار؛ قائلاً: "مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أن سيورِّثه"،كما يوصي بالصديق،فيقول صلى الله عليه وسلم:" خير الصاحبَين عند الله تعالى خيرهم لصاحبه"،بل ويوصي سبحانه بالصاحب في السفر ، قائلاً:" والصاحب بالجنب"،كما نراه صلى الله عليه وسلم يحض على الجماعة فيقول:" يد الله مع الجماعة"،ويقول:"إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية" ،بل ويعطي ثواباً على صلاة الجماعة أكثرمن صلاة الفرد،ويشرع لهم صلاة الجمعة وصلاة العيدين، والحج لكي يلتقون ببعضهم البعض ويتعارفون،فيتعاونون...ويصدق ذلك قوله تعالى :
" وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارَفوا"

م- لأنه دين الرفق بكل الكائنات حتى أنه يُدخل بغياً الجنة لأنها سقت هرة ،بينما يُدخل امرأة أخرى النار لأنها حبست هرة دون أن تطعمها أو تطلق سراحها؛ويُدخل رجلاً الجنة لأنه آثر على نفسه كلبا عطشاناً،فاجتهد ليسقيه قبل أن يشرب ؛(بل أن المسلمين في عهد الدولة الأموية كانوا يخصصون –في دمشق بسوريا- مكاناً لرعاية الحيوانات المسنة حتى تموت)(6)
ويصدق ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما خلا منه شيء إلا شانه"وقد تجسد هذا الرفق في سلوكه صلى الله عليه وسلم مع الجمل لذي شكا له من صاحبه الذي يجيعه ويجهده ،فقال لصاحبه:" ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي أملكك الله إياها؟!"

3- لماذا نحبب الإسلام إلى أطفالنا ؟
أ- لأنهم لن يصبحوا مسلمين حقاً إلا إذا أحبوا الإسلام وعاشوا به، وله.
ب- لأن الأبناء( رعية استرعاهم الله آباءَهم ، ومربيهم وأسرهم ، ومجتمعهم ، وهؤلاء جميعاً ، مسئولون عن هذه الرعية ، ومحاسَبون على التفريط فيها ، كما أنهم مأجورون إن هم أحسنوا إليهم واتقو الله فيهم ) (7)
ج- لأن مرحلةُ الطفولة( مرحلة صفاء وخلو فكر ، فتوجيه الطفل للناحية الدينية يجد فراغاً في قلبه ، ومكانا في فكره ، وقبولاً من عقله .
د- لأن مرحلة الطفولة مرحلة تتوقد فيها ملكات الحفظ والذكاء ، ولعل ذلك بسبب قلة الهموم ، والأشغال التي تشغل القلب في المراحل الأخرى ، فوجب استغلال هذه الملكات وتوجيهها الوجهة الصحيحة
هـ- لأن مرحلة الطفولة مرحلةُ طهر وبراءة ، لم يتلبس الطفل فيها بأفكار هدامة ، ولم تلوث عقلَه الميولُ الفكرية الفاسدة ، التي تصده عن الاهتمام بالناحية الدينية ، بخلاف لو بدأ التوجيه في مراحل متأخرة قليلا ، حين تكون قد تشكلت لديه أفكار تحول دون تقبله لما تمليه الثقافة الدينية الإسلامية ؛ يقول الشاعر:
وينفع الأدب الأحداث في صغر ***وليس ينفع عند الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قوَّمتها اعتدلت *** ولن تلين إذا قومتها الخشب
و - لأن العالَم أصبح في ظل العولمة الحديثة ، كالقرية الصغيرة ، والفردُ المسلم تتناوشه الأفكار المتضادة والمختلفة من كل ناحية ، والتي قد تصده عن دينية ، أو تشوش عليه عقيدته ، فوجب تسليح المسلمين بالثقافة الدينية ، ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، ويواجهوا هذه الأفكار بعقول واعية... لذا فإن غرس الثقافة الدينية في مرحلة الطفولة يؤثر تأثيرا بالغا في تقويم سلوك الطفل وحسن استقامته في المستقبل ، فينشأ نشأة سليمة ، باراً بوالديه ، وعضواً فعالا في المجتمع ) (8)

4- كيف نحبب الإسلام لأطفالنا ؟
بأن نحب الإسلام أولاً - لأن الطفل يرى بعيون والديه أو مربيه- ثم نراعي ظروف الطفل ،ومشاعره، واحتياجاته، وإمكاناته في كل مرحلة عمرية ؛حتى يصبح –بعون الله -مسلماً سوياً نافعاً لنفسه وأهله ومجتمعه ودينه ، ولنتذكر جيداً أن (التربية النفسية للطفل تعتمد على أنه :
عندما يعيش في ظل النقد المستمر فإنه يتعلم أن يُدين الآخرين
وعندما يعيش في ظل الأمن فإنه يتعلم أن يجد الثقة في نفسه
وعندما يعيش في ظل العداوة فإنه يتعلم الهجوم
وعندما يعيش في ظل من يتقبلونه،فإنه يتعلم الحب
وعندما يعيش في ظل الخوف فإنه يتعلم ترقب الشر
وعندما يعيش في ظل الاعتراف به فإنه يتعلم أن يكون له هدف
وعندما يعيش في ظل الشفقة الزائدة عليه فإنه يتعلم أن يتحسر على نفسه
وعندما يعيش في ظل التأييد له فإنه يتعلم أن يحب نفسه
وعندما يعيش في ظل الغيرة الزائدة،فإنه يتعلم الشعور بالإثم
وعندما يعيش في ظل الصداقة فإنه يتعلم أن العالم مكان جميل)(9)

وفيما يلي نرى مراحل تعليمه حب الإسلام:

مرحلة ما قبل الزواج :
إن أبسط حقوق طفلك عليك أيها الرجل هي أن تختار له أم طائعة لله ،(وأن تختاري له أيتها المرأة أب يعينك على طاعة الله- لكي يسهل عليك طاعته كزوج، فتضمني الجنة بإذن الله-)(1)واستمعا إلى قول الرسـول صلى الله عليه وسـلم لكَ :" ...فاظـفَر بذاتِ الدين ترِبَت يداك"؛ويقول لكِ ولأولي أمرك:" إذا جاءكم مَن ترضون دينه وخُلُقه فزوجوه"
وإنه لمن الحكمة ألا يغامر المرء بسعادته- في حياة تملؤها طاعة الله - أو بمستقبل أولاده ؛على أمل أن يهتدي الزوج أو الزوجة بعد الزواج ،فهي مخاطرة غير مأمونة العواقب لأن الله تعالى يقول:" "إنك لا تهدي مَن أحببت ولكن الله يهدي مَن يشاء"!
وللمقبلين على الزواج تهدي كاتبة هذه السطور كتاب "بيتٌ أُسس على التقوى" لفضيلة الشيخ"عائض القرني" ،عسى أن ينفعهم الله تعالى به.

مرحلة الأجنة:
إن الطفل ليستشعر حب الإسلام وهو لا يزال في رحم أمه ،وذلك من خلال حبها وإخلاصها لدينها، وممارستها لهذا الدين كما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ودوام استماعها للقرآن الكريم بقلبها قبل أذنيها؛فإن مشاعرها تنتقل إليه –بقدرة الله- لا محالة .

مرحلة ما بعد الولادة وحتى السنة الثانية :
ينبغي أن يكون أول ما يطرق سمع المولود هو الأذان في أذنه اليمنى، والإقامة في اليسرى؛ تطبيقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وحماية له من الشيطان.
وفي هذه المرحلة يستطيع الطفل أن يحب دينه من خلال ما يراه في عيون وتصرفات من حوله-خاصة الوالدين- واتجاهاتهم الذهنية نحو الإسلام، فلن يشب مسلماً حقاً إلا إذا كانوا هم هكذا،يقول صلى الله عليه وسلم:" كل مولود يُولد على الفطرة،فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه"…فإذا كان الطفل يسمع دائماً أمثال العبارات التالية:
• " الحمد لله على نعمة الإسلام"
• "رضيتُ بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا ً"
• " اللهم يا مقلِّب القلوب ثبت قلوبنا على دينك"
• "ربنا لا تُزِغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدُنك رحمة إنك أنت الوهاب"
• " اللهم أدِم علينا نعمة الإيمان بك وشرف الإسلام لك،واجعلنا مِمَّن عبدك حتى يأتيه اليقين"
وإذا كان يرى والديه يصليان بحب وخشوع؛ وينتشيان بسماع القرآن الكريم؛ويبتهجان بذكر الرسول صلى الله عليه وسلم،ويشتاقان لزيارته وزيارة الكعبة؛ويسعدان بالتصدق على المحتاجين ،ولسان حالهما يقول:" مرحباً بمن جاء يحمل زادَنا إلى الآخرة بدون أجر "(كما كان يقول الحسن البصري رضي الله عنه)؛ويتمنيان لو كانت السنة كلها رمضان؛ويقتصدان من قوتهما لتوفير المال اللازم لأداء فريضة الحج،ويرددان دائماً:" الحمد لله على كل حال"، و"قدََّر الله وما شاء فعل"... فإن هذا الطفل سينشأ إن شاء الله على حب دينه،بل وسيضيف إلى أفعال والديه أو مربيه -بما وهبه الله من إمكانات ومواهب- ما يزيده طاعةً لله وخدمة ً لدينه.

مرحلة الثالثة،وحتى السادسة:
في هذه المرحلة يمكن أن نردد أمامه مثل الأناشيد التالية حتى يحفظها:

"أنا يا قومي مسلم ٌ أنا يا قومي مسلمٌ
إن سألتم عن إلهي فهو رحمن رحيم
أو سألتم عن نبيي فهو ذو خُلقٍُ عظيم
أو سألتم عن كتابي فهو قرآنٌ كريم
أو سألتم عن عدوِّي فهو شيطانٌ رجيم"
*********
"الكتكوت يقوم الصُبح يقوم يسبّح
والعصفور يشوف النور يطير ويفرح
والصلاة يا حلوين هيّ عماد الدين
يا لا بينا نقوم نصلي عشان نفلح
والصوم في رمضان صحة للإنسان
يا لاّ نصوم وندعي ربي علينا يفتح
واللي ماله كتير يعطف عالفقير
ربنا يبارك له رزقه وماله يربح
والحج المبرور ده ذنبه مغفور
يرجع زي يوم ولادته طفل يمرح"(10)

*****

" اللهُ ربي ، محمدٌ نبيي ، وهو أيضاً قدوتي، والإسلامُ ديني ، والكعبةُ قبلتي ، والقرآن كتابي ، والصيام حصني ، والصَدَقة شفائي ، والوضوء طَهوري ، والصلاة قرة عيني ، والإخلاص نِيَّتي ، والصِدق خُلُقي ، والجَنَّةُ أملي ، ورضا الله غايتي "
كما ينبغي أن نوضح لأطفالنا أن( الإنسان دائماً ما يكون بحاجة إلى من يعتمد عليه ويتوكل عليه ،وبحاجة إلى قوة عظمى عادلة تكفل له العيش الكريم، والأمن والاطمئنان ..قوة تعطيه ما يسأل، وتمنع عنه ما يخاف ،وتفصل بينه وبين غيره بالحق،قوة تحقق له أمانيه، وتحفظ روحه وجسده من الهلاك،هذه القوة العظمى هي الله سبحانه وتعالى... ثم نشرح له ببساطة قوله تعالى:" إن ربَّكم اللهُ الذي خلق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ثم استوى على العرش يُغشي الليلَ النهارَ يطلبه حثيثا والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمره ألا له الخلقُ والأمر،تبارك اللهُ رب العالمين"
كما نخبره أن الإيمان بالله تعالى هو الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة أي الأعمدة التي يقوم عليها الإسلام، وقد أمرنا الله تعالى أن نتفكر في مخلوقاته التي تدل على عظمته وقدرته سبحانه وتعالى،فهذه السماء وما فيها من كواكب ونجوم وأفلاك ومجرات وهذه الأرض وما عليها من كائنات ونباتات وما فيها من كنوز ،وهذه البحار وما فيها من عجائب وغرائب كلها من آيات الله المبهرة.وقد سُئل أعرابي عن الدليل على وجود الله تعالى فقال:
" الماء يدل على الغدير وأثر الأقدام يدل على المسير،فسماء ذات أبراج(نجوم وكواكب)،وأرض ذات فِجاج(طرق واسعة)وبحار ذات أمواج...أما تدل على الصانع العليم الحكيم القدير؟)(11)

من الممكن أن نحكي لهم أمثال القصص التالية التي تترك أعظم الأثر في نفوسهم الصغيرة:

ربي موجود

(في يوم من الأيام حضر رجل لا يؤمن بوجود الله تعالى إلى أحد الخلفاء وقال له في ثقة:
" إنني لا أجد أحداً يقنعني بوجود إله وأتحدى أكبر عالم عندكم وإني واثق من النصر عليه،فسكت الخليفة قليلاً،وقال في نفسه:" إن أمرتُ بقتله فسوف يقول الناس أنني لم أستطع مواجهته بالدليل،ثم نادى وزيره ليستدعي له الإمام أبو حنيفة النعمان،فلما جاءهم طلب منه الخليفة إقناع هذا الرجل بوجود الله تعالى.
قال له الإمام أبو حنيفة :" سوف أثبت له ذلك ولكني أستأذنك لكي أنهي أمراً ضرورياً في القرية المجاورة، ثم أعود سريعاً، فأذن له الخليفة، ولكنه تأخر كثيراً، فأحس الرجل بالغرور والكبر و قال للخليفة : "إئذن لي بالانصراف ، فقد هرب أبو حنيفة لأنه عاجز عن إقناعي"، ولكن أبو حنيفة ما لبث أن عاد،واعتذر عن التأخير،ثم أخبرهم أنه وجد في طريقه نهراً ،ولم يجد قارباً، فجلس ينتظر حضور قارب ،وطال انتظاره ،ثم فجأة رأى أبو حنيفة أمراً عجيباً..رأى أخشاباً تتجمع ومسامير تقف فوق الخشب وظهرت مطرقة وأخذت تدق على المسامير،حتى رأى أمامه قارباً متقن الصنع ، فركبه وحضر.
فأخذ الرجل يضحك وقال :" إن هذا الكلام لا يقوله إلا مجنون، ولا يصدقه أحد، فكيف تطير المسامير والألواح في الهواء ،وتتجمع على الماء ويتكون منها قارب دون أن يصنعه أحد؟!"
وهنا تبسم أبو حنيفة وقال:" إذا كان وجود قارب صغير بدون صانع لا يصدقه عقل، فهل يصدق العقل أن هذا الكون بكل ما فيه من أرض وسماء وشمس وقمر قد وُجد بنفسه دون أن يخلقه خالق؟!!!"
فبهت الرجل ثم قال:" صدقت، فلابد أن يكون لهذا الكون من خالق هو الذي خلقه ونظمه،هو الله) (11)

*****

(كان بعض الزملاء يجلسون معا ً في فصلهم بالمدرسة فدخل عليهم أحد الزملاء ممن لا يؤمنون بوجود الله تعالى ، وقال لهم :" هل تروني؟ قالوا نعم،قال إذن أنا موجود ثم قال : "هل ترون اللوح؟" قالوا: "نعم" قال:" إذن اللوح موجود"،ثم قال :" أترون الكراسي؟" قالوا:" نعم"،قال:" إذن الكراسي موجودة"،ثم قال لهم في مكر:" أترون الله؟" قالوا :"لا "قال:" فأين الله إن لم نكن نراه؟!"
فقام احد التلاميذ الأذكياء وقال لزملائه:" هل ترون عقل زميلنا ؟ فقالوا:"لا"،قال: "إذن فعقله غير موجود!! )(11 "بتصرف" )

ربي رحيم

(كان يعيش في قديم الزمان رجل كثير الذنوب يداوم على معصية الله تعالى واستمر على ذلك حتى حضرته الوفاة، فقال لأبناءه إذا مِتُّ فاحرقوا جثتي ثم اسحقوها حتى تكون رماداً،ثم انفخوا هذا الرماد في الجو في أماكن كثيرة من البحر حتى يذوب رمادي في ماءه وتتناقله الأمواج فلا يكون لي أثر،ثم قال لهم:" فو الله لئن قدر عليَّ ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً"
فلما مات فعلوا ما أمرهم أبوهم ؛فقال الله تعالى للأرض أدِّي ما أخذتِ فتجمعت ذرات الرماد وقام الرجل ماثلاً أمام الله سبحانه فسأله عن السبب الذي من أجله أوصى أولاده بذلك –وهو سبحانه اعلم- فقال الرجل:" خشيتك يارب"؛فغفر الله تعالى له بسبب خشيته له!!! ) (11)

****

(كان تاجر يعيش في زمن بعيد ،فكان يبيع للآخرين ويشتري مهم،وذات يوم تُوفي هذا التاجر ،فاستقبلت الملائكة روحه،وقالوا له:"هل فعلت من الخير شيئا"؟
فقال لهم :" كنت أرسل فتياني إلى مَن لي عليه دين ليجمعوا لي هذه الديون ولكني كنت أوصيهم بأنهم إذا وجدوا أحدا ً مُعسراً (أي لا يستطيع دفع دينه) أن يتجاوزوا عنه ولا يأخذوا منه شيئا وكنت أقول لهم: تجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا"فغفر الله تعالى له وتجاوز عنه بسبب تجاوزه عن المعسرين)(11)

ربي قادر

في يوم من الأيام دخل الغني مع صديقه الفقير حديقة الغني الواسعة وقد امتلأت بأشجار العنب والنخيل وفجر الله تعالى في وسطها نهراً، فاغتر الغني باتساع الحديقة وكثرة ثمارها ،فقال لصاحبه:" ما أظن أن تنتهي ثمار هذه الحديقة ،وزاد غروره فادعى أنه لو مات فلن يحرم من خيراتها بعد مماته،فنصحه صديقه الفقير بألا يكفر بالله،وألا يتكبر بنعمه ،وقال له:"أنظر إلي أنا أقل منك في المال والولد،ولكن عسى ربي أن يعطيني خيراً مما أعطاك،فلماذا لا تقول" ما شاء الله ،لاقوة إلا بالله"؟(أي أن كل هذا من فضل الله ولا يستطيع الحفاظ عليه غير الله)لكن الغني لم يستمع لنصيحته وفي الصباح دخل الغني حديقته ليتمتع بما فيه من خيرات وجمال،فوجد مفاجأة قاسية في انتظاره ،فقد وجد حديقته بلا ثمار ولا أوراق ،فقد فسدت ثمارها وتساقطت أوراق أشجارها،فأخذ يضرب كفا بكف من هول المفاجأة وندم على ما قاله لصديقه وقال:" يا ليتني لم أشرك بربي أحدا،وهكذا تكون كل من اغتر بنعمة الله ولم يشكره على نعمه ،ولم يعتمد على ربه ليحفظها له)(11)
ومثل هذه القصة أيضاً قصة "أصحاب الجنة" التي وردت في سورة القلم.

مرحلة السابعة حتى العاشرة
في هذه المرحلة ينبغي أن نحبب إليهم الإسلام من جانبين:
أولاً: كدين له أركان:
1- شهادة التوحيد:
( فإذا عرفوا الله تعالى في وقت مبكر تنامت هذه المعرفة ، وتراكم هذا العلم ، وتعمقت تلك التجربة ، وكلما ازدادوا يوماً في عمرهم ، ازدادوا قرباً من الله عز وجل ، فالذي يشب على طاعة الله شيء ، والذي يتعرف إلى الله في وقت متأخر شيء آخر ، وكُلاًَّ وعد الله الحسنى )(12)
فالله ربنا واحد لا شريك له ولا نظير ولا وزير،فلا يصح أن يكون هناك أكثر من قائد للمجموعة الواحدة و إلا اختلفا وفسد أمر هذه المجموعة ،كما أننا لا نراه بأعيننا لأننا لن نحتمل ذلك،لأن نوره أقوى من أن تتحمله أعيننا،ويمكن أن نحكي لهم قصة موسى عليه السلام والجبل.
ولكننا نستطيع أن نراه سبحانه في الجنة فقط؛ فهذه هي أعظم نعمة يمن بها الله تعالى على عباده المتقين في الجنة.
أما في الدنيا فهو-سبحانه- يرانا ويسمعنا أينما كنا ،ونحن نشعر به ونراه في كل شيء جميل من مخلوقاته، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم حين يرى الهلال أول كل شهر ينظر إليه قائلاً:"ربي وربك الله"!!
2- الصلاة: إن الصلاة عماد الدين،بها يقام ،وبدونها يهدم- والعياذ بالله-لذا فإن تعليمهم إياها وترغيبهم فيها من أهم واجبات الوالدين التربوية،وفي تفصيلات هذا الموضوع يتحدث مقال بعنوان "كيف نحبب الصلاة لأبناءنا؟"-وهومنشور على موقع طريق الإسلام www.islamway.com -تحسبه كاتبة هذه السطور نافعاً.
3- الزكاة : في هذه المرحلة يتم تدريب الطفل على الزكاة من خلال تدريبه على الصدقة،فنتصدق أمامه بما تيسر،ونخبره أن الصدقة تطفيء غضب الرب وأن المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن فضلها :
"كل امرئ في ظل صدقته حتى يُفصل بين الناس"
"تصدقوا ولو بتمرة؛ فإنها تسد من الجائع، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"
"داووا مرضاكم بالصدقة" .
فالمال الذي نملكه هو مال الله عز وجل استودعه لدينا ليختبرنا به،ويرى ماذا سنصنع ؟كما ينبغي أن نشرح له الآية القرآنية:" مَثَلُ الذين يُنفقون أموالَهم في سبيل اللهِ كَمَثَل حبةٍ أنبَتَت سبعَ سنابلَ في كل سنبلةٍ مائةُ حبة ،واللهُ يُضاعفُ لمن يشاء"
و أن نعطيه الصدقة ليعطيها بنفسه للفقير والمحتاج ،ليشاركنا الأجر،ويشعر بحلاوة ذلك ويعتاده.
ونعلِّمه أن التصدق لا يكون بالمال فقط،وإنما بالملابس، والأحذية والكتب ،والحلوى،والآنية، والأدوات المدرسية...وما إلى ذلك من الأغراض التي تزيد عن حاجتنا ،و يمكن أن يحتاجها الفقراء.
وجدير بالذكر أن الطفل في نهاية هذه المرحلة يكون أكثر حرصاً على ممتلكاته،وأشد اهتماماً بأناقته وحسن مظهره من ذي قبل،فإذا رفض التصدق من ملابسه وأحذيته مثلاً،تركناه كما يشاء ،و اقترحنا عليه أن يتصدق من لعبه أو كتبه،أو غير ذلك مما يختاره هو، ولا ينبغي أبداً أن نُكرهه على الصدقة،أو غيرها،ولنتذكر قول الله تعالى : " لا إكراهَ في الدين"
ويمكن أن نخصص في البيت صندوقاً للصدقات يضع فيه الوالدان والأولاد ما هم في غنى عنه أو ما يستطيعون التصدق به،وكلما امتلأ قاموا بترتيب هذه الأغراض وأعطوها لمن يستحقها.
وينبغي أن نخبره بأن الصدقة (تحفظ المال من الآفات والمُهلكات والمفاسد، وتحل فيه البركة، وتكون سبباً في إخلاف الله على صاحبها بما هو أنفع له وأكثر وأطيب ،وقد دلت على ذلك النصوص الثابتة والتجربة المحسوسة؛ فمن النصوص الدالة على أن الصدقة جالبة للرزق قول من لا تنفد خزائنه:" وما أنفقتُم من شيء فهو يُخلفُه وهو خير ُالرازقين" {سبأ: 39)
كما نخبره بأن الأمر لا يقتصر على المجازاة على الصدقة بمثلها؛ بل يتجاوز ذلك إلى حال المتصدق عليه؛ إذ بمقدار إدخالها للسرور عليه، وإزالتها لشدائده، وتفريجها لمضايقه، وإصلاحها لحاله، ومعونتها له وسترها عليه؛ ينال المتصدق أجره من الله من جنس ذلك، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "من نفَّس عن مؤمن كُربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كُربة من كُرب يوم القيامة، ومن يَسَّر على مُعسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" ، وقوله صلى الله عليه وسلم : "من يلقَ أخاه المسلم بما يحب لِيَسُرَّه بذلك، سرَّه الله يوم القيامة"
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : "كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لفتيانه: تجاوزوا عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه" )(13)
وينبغي أن نحكي لهم أمثال القصص التالية:
( قوله صلى الله عليه وسلم : " بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة يقول:"إسقِ حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة( أرض ذات حجارة سوداء)؛ فإذا شرجة( ساقية ) قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان ـ للاسم الذي سمع في السحابة ـ، فقال له:" يا عبد الله لِمَ تسألني عن اسمي؟" فقال: "إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان ـ لاسمك ـ فماذا تصنع فيها؟" قال: "أما إذ قلتَ هذا؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه" وفي رواية: "وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين )(13)

***

وقصة الرجل الذي اشترى حُلة،فتصدق بحُلتة القديمة،ثم جاءه مسكين،وفي يده رغيفاً ،فأعطاه كسرة منه، ثم رأى أعمى قد ضل الطريق ، فمشى معه وأرشده حتى وصل إلى غايته؛ فلما لقي ربه ورأى ثواب أعماله تلك؛ قال متحسراً:"يا ليتها كانت الجديدة(أي الحُلة)،يا ليته كان كله(أي رغيف الخبز)، يا ليته كان بعيداً(أي المشوار)

***

وقصة الأبرص ،والأقرع ،والأعمى الذين عافاهم الله تعالى ورزقهم ؛ثم نسوا فضل الله عليهم ولم ينفقوا مما رزقهم،إلا الأعمى فرضي الله عنه وسخط على صاحبيه.
فإذا استقر حب الصدقة في قلب الطفل ونفسه ورأيناه بدأ يتصدق من مصروفه أعلمناه أن الله تعالى فرض على المسلم أن يعطي المحتاجين نسبة قليلة ينبغي حسابها بدقة ،هذه النسبة تعد أقل بكثير من الصدقات التي ننفقها،هذه الفريضة هي الزكاة،ونحن لسنا مُخيَّرين في أن ننفقها وإنما نحن مخيرون في الصدقة فقط !
كما ينبغي أن يعلم الطفل أن زكاة القوة أن نعين الضعفاء،وزكاة العلم أن نعلِّم الجاهلين،وزكاة الصحة أن نعود المرضى ونقضي حوائجهم... وهكذا ؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال صلىالله عليه وسلم:" أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كُربة، أو تقضي عنه دينا،أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أناعتكف في هذا المسجد (يعني المسجد النبوي) شهرا، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يومتزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
4- الصوم:
لقد فرض الإسلام تعليم الصبي الصلاة منذ السابعة من العمر حتى العاشرة، أما الصيام فهو أشق على النفس من الصلاة...ولكنه أحياناً يكون لدى بعض الأطفال الكسالى - الذين يُعرضون عن الطعام بطبيعتهم- أيسر من الصلاة!!! بينما نجده مشكلة لدى الطفل الأكول،لذا فإنه من واجبنا أن نعلِّمهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:" نحن قومٌ لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع" ونعينهم على تنفيذه اتباعاً للسنة،وتمهيداً لتيسير الصيام عليهم بالتدريج، ثم صيانةً لهم من الأمراض في المستقبل.
وبشكل عام ، فإن تدريبهم على الصيام ينبغي أن يتم تدريجياً،ووفق الظروف الصحية للطفل ؛ففي شهر رمضان من كل عام، يرى الطفل والديه، و الكبار من الأقارب والجيران والمدرسين يصومون فيشعر بالغيرة والرغبة في تقليدهم،لذا يجب أن نعينه على ذلك وننتهز هذه الفرصة بأن نشجعه و نتركه يصوم لمدة ساعتين مثلاً،ثم نزيد عدد الساعات حسب قدرة الطفل، وإذا رغب في الطعام تركناه حتى يشعر أن هذا أمر يخصه وأنه شيء بينه وبين ربه،ولا ينبغي أبداً أن نخاف عليه من الضعف أو الهزال؛ فشهر رمضان كالعطر يتبخر سريعاً، كما أن الطفل إذا اشتد به الجوع، فسيكون أمامه أحد أمرين:
إما أن يأكل لأنه لم يعد يتحمل الجوع،وبذلك نطمئن عليه.
وإما أن يحاول أن يتحمل الجوع ويجاهد نفسه ،وبذلك يتعود مجاهدة النفس والصبر على طاعة الله ،فنطمئن عليه أكثر!!!
ولا ينبغي أن ننسى مكافأته على اجتيازه فترة الصوم المحددة بنجاح ،ويكون ذلك بزيادة مصروفه مثلاً،أو أن تقول له الأم مثلاً:"أنا فخورة بك،فقد أصبحت الآن مثل الكبار تستطيع مجاهدة نفسك ومقاومة الشعور بالجوع والعطش"
وإذا جاء شهر رمضان في أيام الدراسة فللطفل الذي لا يزال في مرحلة التدريب أن يختار أن يصوم في فترة وجوده بالمدرسة ،ثم الإفطار بقية اليوم ؛أو العكس...حتى يستطيع أن يتم اليوم،خاصة وأن بعض المدارس تقلل ساعتين من فترة الدوام في رمضان بينما تتوقف الدراسة في هذا الشهر في البعض الآخر .
ولنتذكر أن مستقبل الطفل الحقيقي هو الآخرة،لذا ينبغي أن نعده لها خير إعداد وأن نخاف عليه من مخالفة أوامر الله أكثر مما نخاف عليه من الضعف أو التقصير في الدراسة.
5-الحج
مما يساعد على تهيئة نفس الطفل لحب فريضة الحج والشوق إليها أن نصحبه معنا لأداء العمرة بعد أن نتحدث معه عن مشاعر المسلم هناك و مدى كرم الله تعالى لضيوفه وترحيبه بوفده ،والرحمات التي تحيط بالكعبة ومواطن إجابة الدعاء حولها ، وفضل وحلاوة زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، والبقاء في الروضة الشريفة...والأهم من ذلك أن يرى الوالدين مشتاقين إلى هذه الرحلة ويسمعهما يتحدثان عنها ،ويعدان لها بفرحة .
وبعد ذلك يمكننا أن نخبره بأن الحج -وهو صورة مكبرة من العمرة- فرض على كل مسلم ومسلمة في العمر مرة وأنه واجب على كل مستطيع بالغ عاقل،والاستطاعة تكون بالمال، والصحة، وتوفُّر الأمن حول طريق الحج.
وأن "الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب"كما قال صلى الله عليه وسلم.
ولفضيلة الشيخ الشعراوي –رحمة الله تعالى عليه- قول في هذا ،وهو أن" المسلم لا ينبغي أن يعيش مرفهاً مترفاً ثم يقول:" أنا لست مستطيعاً من الناحية المادية إذن ليس لي حج" ولهؤلاء أقول أن الاستطاعة المادية تعني أنك لديك ما يفيض عن سد حاجاتك الأساسية ،فإذا كان لديك جهاز تبريد (ثلاجة ) مثلاً،فعليك ببيعها وادخار ثمنها للحج"!!إنتهى حديث فضيلة الشيخ.
ولمثل هؤلاء تقول أيضاً كاتبة هذه السطور: "أن من نوى طاعة ربه أعانه تعالى بقدرته على ذلك،ومن تكاسل وماطل وكَّله الله إلى نفسه"
وقد ثبت بالتجربة أن من يدَّخر من قوته ولو بمقدار جنيه مصري كل يوم بنية تأدية فريضة الحج أو حتى الذهاب للعمرة ؛فإن الله تعالى يبارك له في هذا المال، ويزيده له بما يكفيه لذلك، و بشكل يتناسب مع قدرته تعالى...وصدق الله العظيم القائل:"و من يتَّقِ اللهَ يجعل له مخرجا،ويرزقه من حيث لا يحتسب"
ومثل هذه الأفكار يجب أن يسمعنا أطفالنا ونحن نقولها ونحكيها لغيرنا حتى تترسب في عقولهم الباطنة ويشبَّوا عليها، فيصبحون مسلمين حقاً.

ثانياً: الإسلام كمنهج وسلوكيات:
من الممكن أن نعرِّفهم بآداب وسلوكيات الإسلام في هذه المرحلة عن طريق بعض أشرطة الفيديو من أمثلة:" سلام وفرسان الخير"، وسلسلة "الإبن البار"،ومجلات الأطفال الهادفة مثل "ماجد" ،و"سعد"اللتان تصدران في الإمارات العربية،و"العربي الصغير" الكويتية ،و سلسلة كتب "أخلاقيات من حكايات"التي تنشرها "المصرية للنشر والتوزيع"(*?)- وهي سلسلة مفيدة يشرف عليها المركز الفني للطفولة وتحكي قصصاً تغرس القيم ا لدينية في قلوب الأطفال بلطف ،وسلسلة "أخلاق من حكايات"،وسلسلة "من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم للأطفال" التي تصدر عن "دار الإيمان للنشر والتوزيع" (**) ،وسلسلة كتب سفير،وغير ذلك مما يتيسر.
كما ينبغي أن نبدأ تعليمه ذكر الله تعالى بأن يقول حين يصبح:" أصبحنا وأصبح المُلك لله، والحمد لله"؛وحين يمسي:" أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله"، و" أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" كما نعلمه أن يبدأ كل عمل له ببسم الله ،وأن يختمه بالحمد لله،كما نعلِّمه ما يقول حين يدخل الخلاء وحين يخرج منه،وأن يتلو آية الكرسي قبل أن ينام لقوله صلى الله عليه وسلم:" من قرأ آية الكرسي ليلاً لم يزل عليه من الله حافظاً حتى يصبح"
وكما نشجعه على طاعة الله ، فينبغي أن نشجعه أيضاً على اللعب وممارسة الرياضة،ونخبره أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسابق السيدة عائشة ،وهي صغيرة السن،وكان يأمر صغار الصحابة قائلا:
" إرموا فإن أباكم كان راميا"،و يعقد بينهم السباقات والمبارزات المختلفة،وأن عمر بن الخطاب-أميرالمؤمنين- قال :"علِّموا أولادكم السباحة ،والرماية، وركوب الخيل" .
ومما يعين الوالدين على تحمل الجهد والمشقة من أجل لعب الأولاد وممارستهم الرياضة أن تكون نيتهم من ذلك هي تربية جيل مسلم صحيح النفس والجسد ؛وإدخال السرور على قلوب أبنائهم ،فيهون التعب،وينالا الأجر والثواب على ذلك إن شاء الله.

مرحلة الحادية عشر ة حتى الرابعة عشرة
في هذه المرحلة يكون النصح والإرشاد عقيمين إن لم نتعامل معه كأصدقاء، وإن لم يأخذ الحديث شكل الحوار الهادىء الهادف، بدلاً من إصدار الأوامر والتعليمات ، مع الاستفادة من الجلسات الجماعية التي تضمه مع أصدقاءه أو المقربين إليه… ومن خلال ذلك ينبغي أن نقوم بشرح معاني الأركان الخمسة للإسلام كما يلي:
1- شهادة التوحيد: (فشهادة التوحيد هي بداية الطريق،والاستجابة لله هي معالم هذا الطريق)(14) فينبغي أن نتحدث إليه عن الإيمان بالله الواحد الذي لا شريك له،فهو وحده كل شيء وما عداه لا شيء،(فالإنسان به موجود، وبدونه لا وجود له... أو بعبارة أخرى هو صفر لايساوي شيئاً،والناس كلهم أصفارٌ،مهما كثر عددهم،ولا يكون لهم مدلول إلا إذا وُضعوا عن يمين الواحد القهار!!! فعندئذٍ فقط يصيرون بعونه –تعالى- ذوي قيمة )(15)
كما ينبغي أن يعرف الطفل أن المسلم يؤمن بوجود الملائكة التي هي جند الله ينفذون أوامره ولا يعصونه،يسبحونه ليل نهار ولا يفترون؛
كما يؤمن بالكتب السماوية التي أنزلها على رسله لتمهد لنزول القرآن الكريم ؛الكتاب المعجز الجامع المانع،وأن الرسل كلهم عباد الله إخواناً،أرسلهم الله تعالى ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور.
وأن المسلم لابد أن يرضى بقضاء الله مهما بدا له أنه شر،فعسى أن يكره الإنسان شيئاً وهو خير له،ونضرب له الأمثال على ذلك من حياتنا اليومية؛مع التوضيح بأن الله تعالى يحب الصابرين ويكون معهم ؛وأن هؤلاء الصابرين ينالون أجرهم يوم القيامة بغير حساب!!!
2-الصلاة:
ينبغي أن يعي الطفل أن الصلاة ليست إسباغ الماء على مواضع الوضوء،ثم الإتيان بحركات متكررة وتلاوة بعض الآيات المتكرر بعضها أيضا،لأنهم لو صلوا بهذه الطريقة فسرعان ما يصيبهم الملل؛ فيسأموها والعياذ بالله... بل ينبغي أن يعرفوا أنها لقاء مع رب الأرباب ،مع مالك الملك، مع الغفور الودود ،ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد!!!
ومن ثم ينبغي أن يعرفوا مراتب الناس في الصلاة التي صنَّفها الداعية الإسلامي الأستاذ "عمرو خالد" في كتابه"عبادات المؤمن" (16)، ليختاروا المرتبة التي يحبونها لأنفسهم...
وهذه المراتب هي:
1- الذي لا يحافظ على الصلاة، ولا على وقتها، ولا وضوءها ،ولا أركانها الظاهرة من القيام والركوع والسجود والخشوع ...فهذا معاقَب بإجماع العلماء.
2- الذي يحافظ على الوضوء ووقت الصلاة والأركان الظاهرة بلا خشوع ...وهذا محاسَب على صلاته حساباً شديدا.
3- الذي يحافظ على الوقت والوضوء والأركان الظاهرة ،ثم يجاهد شيطانه،فيخشع لبعض الوقت،ويسهو لبعض الوقت؛ فالشيطان يختلس من صلاته ويسرق منها ...فهذا في صلاة وجهاد، فله أجران!!!
4- الذي يحافظ على الوقت ،والوضوء،والأركان الظاهرة والخشوع...فأجره عظيم؛وهو نوع نادر.
5- الذي يحافظ على الوقت والوضوء والأركان الظاهرة ،ولكنه قد خلع قلبه وأسلمه لله عز وجل ...فهذا أعلاهم مرتبة!
الصلاة في المسجد:
من الواجب أن نشرح له معاني الآية الكريمة:: " في بيوتٍ أذِن اللهُ أن تُرفع و يُذكَر فيها اسمُه " سورة النور؛ وأن نوضح له أن من صلى في المسجد فقد زار الله تعالى في بيته ، وحق على المَزور أن يكرم زائره،فإذا كان المَزور هو الكريم، الجواد، خير الرازقين...فما أجملها من زيارة ؛ وما أعظمه من أجر!!!
كما نرغِّبه فيها من خلال أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الصلاة ؛ مثل:" من غدا إلى المسجد أو راح،أعد الله له نُزُلاً في الجنة كلما غدا أو راح"،و" من تطهر في بيته ثم غدا بيتا من بيوت الله ليقضى فريضة من فرائض الله ، كانت خطواته إحداها تحط خطيئة و الأخرى ترفع درجة. "
3- الصوم : في هذه المرحلة يكون الطفل قادراً على إتمام اليوم من حيث تحمل الجوع والعطش، ولذلك يجب أن يتقدم عن المرحلة السابقة بمعرفة روح الصوم وأنه لم يُفرض لتعذيب المسلمين، وأن أحد أهداف الصوم هو الشعور بجوع الفقراء،وترويض النفس على الصبر وتحمل الشدائد،وتغذية الروح بطاعة ربها مع الإقلال من تغذية الجسد، والوصول بالمسلم إلى تقوى الله في السر،والعلن ، كما ينبغي أن يعرف أن الصوم يعني كف أذى اللسان والجوارح عن الغير،وغض البصر عن محارم الله تعالى ،و أن ثواب الصائمين لا حدود له وأن الله سبحانه هو وحده الذي يقرر مقداره لأن الصوم عبادة إخلاص لله عز وجل ولا يعرف مدى صدقها والإخلاص فيها إلا هو.
4- الزكاة:
في هذه المرحلة ينبغي أن نتلو عليه آية مصارف الزكاة :" إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ،وفي الرقاب والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل "(التوبة-60) ونكررها معه حتى يحفظها،مع شرح معانيها .
وينبغي أن نعرِّفه أن الإنفاق على ذوي الأرحام والجيران أفضل وأعظم أجراً من الإنفاق على غيرهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة)
كما ينبغي أن نوضح له معنى الآية الكريمة:" ولا تيمَّمُوا الخبيثَ منه تنفقون،ولستُم بآخذيهِ إلا أن تُغمضوا فيه" فالصدقة تقع في يد الرحمن قبل يد الفقير، لذا فقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تعطِّر الدراهم قبل أن تتصدق بها!!!
5- الحج:
في هذه المرحلة يستطيع الطفل أن يفهم الحكمة من الحج،فهو المؤتمر الإسلامي الأكبر الذي يجمع المسلمين من شتى بقاع الأرض ،ومن كل فج عميق ؛على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم ،ولا يتبقى لهم لغة إلا لغة التوحيد والإخلاص لله تعالى والتجرد له وحده، دون الأهل والولد والمال ،وغيرهم؛ "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام" فيختلطون ويتعارفون ويؤْثرون بعضهم بعضا ويتعاونون، ويعلمون أنهم جميعا في دين الله إخوانا.
(وأنه رحلة الاتجاه إلى الله وحده بالنفس والقلب والحواس،وهي بداية عهد وميثاق جديد مع مالك الملك الغني عن العالمين،وهي رحلة إعلان الرفض للشيطان ،ومناهجه وخطواته،وهي تعبير عملي وإعلان عن بدء حياة جديدة في طريق الحق،وعن الخضوع المطلق لله ...فهي شرف لا يطاوله شرف آخر، فتلبية دعوة الله شرف وتكريم من الله تعالى للحاج،فمن قصد البيت شهد الجدران وكسوة الأركان،ومن قدِم على رب البيت شهد من جلاله ما هو أهل له) (14)
وأن (الحج هو جهاد النساء،فقد سألت عائشة رضي الله عنها قالت:
" يارسول الله ،هل على النساء من جهاد؟"
قال:"عليهن جهاد لا قتال فيه ..الحج والعمرة "
ويقول صلى الله عليه وسلم:" الحُجاج والعُمَّار وفد الله ،إن دعوه أجابهم وإن سألوه أعطاهم،وإن استغفروه غفر لهم"
وفي هذه المرحلة يمكن أن نفهمهم المزيد عن آداب وأخلاقيات الإسلام ،ومنها ما حواه هذا الحديث الشريف من منهاج جامع للمسلم :" إتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها،وخالق الناس بخُلقٍ حسن"(فهو يحدد علاقة الإنسان مع ربه أولاً،فيقول له: إجعل بينك وبين عذاب الله تعالى وقاية من خلال خشيته في السر والعلن،فإن كان الخلق لا يرونك في موضع،فالله يراك في كل المواضع؛ثم علاقته مع نفسه قائلاً له : لا تقسُ كثيراً على نفسك إذا وقعت في معصية وإن كبُرَت، فأنت بشر، وكل ابن آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوابون، فإياك أن تتصور أن ذنبك أكبر من عفوه تعالى،إذا عصيته فلا تيأس وإنما سارع بالتوبة والأعمال الصالحة قبل أن يتلقاك الشيطان وأعوانه فيصدوك عن سبيل الله ؛وفي النهاية تعامل مع الناس -كل الناس- باخلاق نبيك الكريم،الذي كان أعداءه يحبونه ويشهدون بحسن خلقه قبل أصدقاءه،ولنا فيه الأسوة الحسنة)(17)
ومن المفيد أن نهدي إليه كتيب يحوي الأدعية الخاصة بالنوم والاستيقاظ وتناول الطعام والدخول للخلاء والخروج منه ودخول البيت والمسجد...إلخ ؛أو نلصق ملصقات بها هذه الأدعية في أماكنها المختلفة بالبيت،حتى يحفظها.

مرحلة الخامسة عشرة حتى الثامنة عشرة
في هذه المرحلة يجب أن نوجه أبناءنا-بالحُسنى- إلى أن:
• شهادة التوحيد يجب أن تكون بالقلب واللسان، فالمسلم قد ينطق بالشهادة بلسانه،ولكنه يشرك مع الله تعالى ماله أو وولده،أو زوجته ،أو أهواءه، أو عمله،أو الموضة، أو الناس...إلخ ،وذلك بأن يحب أحد هؤلاء أكثر مما يحب الله عز وجل،أو يفضل ما يمليه عليه هؤلاء على مراد الله وأوامره ونواهيه.فينبغي أن يدرب نفسه –بمساعدة الوالدين أو المربين-على الإخلاص لله في القول والفعل؛و أن يعلم أن مادون الله باطل ،وأنه ينبغي أن يؤْثِر الله الباقي على كل ما هو دونه مما هو فانٍ.
ويمكن أن نناقش معه بعض معاني آية الكرسي-التي جمعت أصول التوحيد كلها على أتم وجه وأبلغ أسلوب في جمل موصولة من غير فاصل بينها بحرف من حروف العطف،فهي موصولة المبنى والمعنى،ويفسر بعضها بعضاً-كما ذكرها الدكتور "محمد بكر إسماعيل" : ( فالله هو المعبود بحق،ولا معبود سواه وهو الحي الباقي بقاءً سرمدياً ،حياة لا يشاركه فيها أحد،وهو مدبر الأمر الذي يسوس المُلك بعلمه المحيط وإرادته التامة،وقدرته المهيمنة،فمن شأن المعبود بحق أن يقوم على حاجات عباده وتصريف شؤونهم!!
ومن المنطقي أن المعبود بحق الذي يدبر الأمر لا تقهره غفلة ولا نوم عن تدبير ملكه،وهذا توكيد على قيامه سبحانه على كل شيء وقيام كل شيء به.
وهو الذي له الملك كله إيجاداً وخلقاً وتقديراً وتدبيراً فهي ملكية لا ينازعه فيها أحد،و من ثم فإن كل ما في ملكه – ولا ملك إلا ملكه- فهو عبد له،ناصيته بيده ماض فيه حكمه،عدل فيه قضاؤه.
وهو المتفرد بأمر العباد ،فلا يشفع أحد لأحد في شيء إلا بإذنه،فالعبيد جميعا يقفون في الحضرة الإلهية موقف العبودية ،وهو موقف الخضوع والخشوع والاعتراف المطلق له بالهيمنة على خلقه...وما يتفاضلون بينهم إلا بالتقوى ؛وفق ميزان الله الدقيق.
وهو العليم الذي لا تَخفى عليه خافية من مكنونات الصدور و مطويات الضمير،بل أنه يعلم من أنفسهم ما لا يعلمون منها...هذا العليم لا يدرك أحد –بعقله القاصر-من علمه تبارك وتعالى إلا بمشيئته وحده وبالوسيلة التي يختارها لهم،فلا يدعي مُكابر أنه قادر على تحصيل شيء من العلم بملكاته الذاتية،أو يُفتتن بما أذن الله له فيه من علمه،سواء كان هذا الذي أذن له فيه علم شيء من نواميس الكون،أو رؤية شيء من غيبه في لحظة عابرة إلى حد معين.
أما كرسيه تعالى فهو من الأخبار التي يحملها السلف الصالح على ظاهرها من غير تأويل فيقولون:" لله كرسي دون العرش ، لا يعلم حقيقته إلا هو جل شأنه"
وهذا الملِك القائم على شؤون خلقه الذي دبر ملكه تدبيرا محكما يخلو من التفاوت والخلل ،لا يُعجزه حفظ السماوات والأرض وما فيهما،فكل ما في ملكه في حيز قدرته التامة.
و بناءً على ما سبق ؛فهو المتفرد بالعلو والعظمة لا ينازعه فيهما أحد، فالكبرياء رداؤه والعظمة إزاره من نازعه أحدهما أصابه الهوان وداسته الأقدام)(15)
كما ينبغي أن نوضح أن الله تعالى يبسط على عباده من رزقه وفضله ورحماته ، في أحيان ،ثم يقبضها عنه في أحيان أخرى...وهكذا يقلبه بين حال وحال،كي لا يغتر بنفسه أو يطيب له البسط فيبتعد عن ربه ويطمئن إلى الدنيا،وفي نفس الوقت كي لا يضيق بحياته إن استمر به القبض طويلاً...فينبغي على المسلم أن يظل عابداً للقابض الباسط وليس للأحوال، وأن يرضى بما قسمه الله له...يقول الإمام الغزالي رحمه الله:" ليس في الإمكان أبدع مما كان ، ولو كُشف الغطاء لاخترتم الواقع،ولو أن كل إنسان انزعج من شيء ساقه الله إليه،ثم كشف الله تعالى له علم الغيب لما تمنى إلا أن يكون كما هو!!!)(18)
كما بمكن إهداؤه كتاب "فاعلم أنه لا إله إلا الله" للشيخ عائض القرني، الذي يشرح بعض جوانب العقيدة من كتاب "التوحيد" للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
• وأن الصلاة في المسجد سنة مؤكدة للرجال إلا بعذر، أما النساء فعليهن بالصلاة بالمسجد ما استطعن،و إلا فعليهن بالصلاة في أول الوقت(أي لا تؤخرها أكثر من ثلث ساعة بعد الأذان)(19) وأن الزكاة فرض على المسلم-أي أنه لا اختيار له في هذا الأمر-وينبغي أن يحسبها بدقة ، وألا يخلطها بأموال الصدقة،وأن ينفقها في مصارفها التي حددها الله في القرآن.
و أن الزكاة تطهر النفس من البخل ،كما تطهر المال مما قد يختلط به من المال المشبوه ،و تزكِّي المؤمن فتزيد من حالته الإيمانية،وترفع درجاته عند ربه تبارك وتعالى.
كما ينبغي أن يعرف أنواع الزكاة ؛ وأن لكل نوع طريقة في الحساب.
• وأن الصوم ليس إمساك عن الشراب والطعام والشهوة فقط،وإنما هو التزام يؤدي على التقوى،وهو عطية غالية من الجواد الكريم، فلا ينبغي أن نضيعها.
ويمكن أن نستمع معه إلى درس يتحدث في ذلك بشمولية وإيجاز وهو درس "كيف تستقبل رمضان" (20)
وأن من يترك أداء فريضة الحج وهو مستطيع فإنما يأتي عملاً من أعمال الكفر ،والدليل قوله تعالى:" وللهِ على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا،ومن كفر فإن الله غنيٌ عن العالمين"(آل عمران-97)(فمناسبة مجيء الكفر بعد ذكر الحج هو أن المسلم الرافض لأداء فريضة الحج يدخل في دائرة خطيرة)(16)؛ فهو يهدم ركناً قوياً من أركان دينه،وعموداً أساسياً من أعمدة إ يمانه.
(يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تاركي الحج :"والله لقد هممت أن أكتب في الأمصار أن من كان غنيا ويجب عليه الحج فافرضوا عليه الجِزية!!"،ويقول سعيد بن جبير –وهو عالم وفقيه من أئمة السلف- لو علمت أن في البلدة التي أعيش فيها غني من الأغنياء كان يستطيع الحج ولم يحج ومات على ذلك ما صليت عليه الجنازة!!
وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن امرأة جاءت له صلى الله عليه وسلم فرفعت صبياً-ما يدل على أنه صغير السن خفيف الوزن-وقالت:" يا رسول الله ألهذا حج؟ قال :" نعم ،ولك الأجر")(16)
(وفي الحج استشعار حقيقي لمشاهد من يوم القيامة حيث الزحام الشديد،والملابس التي تشبه الأكفان،والأذان بالحج يشبه النفخ في الصور،والكل في خشية ووجل من الله تعالى طمعاً في المغفرة والثواب؛وكيف لا ،والله تعالى يقول في مطلع سورة الحج:" ياأيها الناسُ اتقوا ربَّكُم إنَّ زلزلةَ الساعةِ شيءٌ عظيم" ؛ فالحج صورة مصغرة من يوم الزلزلة.
كما أن الحج يدرب المؤمن على الجهاد والمثابرة ابتغاء مرضاة الله، حين يجرده من كل الرفاهية التي يعيشها في بيته وبلده.
وفيه تقوية لأواصر الوحدة بين المسلمين بشتى جنسياتهم واختلاف ألوانهم، وفيه إشارة لوجوب استمرار هذه الوحدة بعد الحج
كما أن الحج تربية أخلاقية عظيمة ،فالحاج لا يرفُث ولا يفسُق ولا يجادل ولا يصخب ولا ينتصر لنفسه،ولا يكذب...إلى آخر الأخلاق الإسلامية الحميدة)(16)
وفي هذه المرحلة ينبغي للطفل أن يعلم فضل أذكار الصباح والمساء المأخوذة عن السنة النبوية الشريفة ،وأنها حصنه من الشيطان والنار،فنهديه كتيب مثل "حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة" لسعيد بن علي بن وهف القحطاني" ونشجعه على أن يهديه لأصحابه ومعارفه لنيل الأجر والثواب.

وبالإضافة إلى تعليم أولادنا أركان الإسلام وتحبيبهم فيها ينبغي أن نعلمهم ما يدعم هذه الأركان ،ومن ذلك ما يلي:

حب الله ورسوله:
(يقول الإمام بن تيمية:" مساكين أهل الدنيا ،خرجوا منها ولم يذوقوا أحلى ما فيها،قيل وما أحلى ما فيها؟ قال:" حب الله عز وجل")(16)
"ومن أمثلة المحبين لله تعالى حقاً وصدقاً ابن القيم –رحمه الله- الذي يقول:" في القلب شعث(تمزق) لا يلُمُّه إلا الإقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأُنس بالله وفي القلب خوف وقلق لا يُذهبه إلا الفرار إلى الله ") (16)
ولزرع حب الله تعالى في قلوبهم الصغيرة طرق كثيرة وفي ذلك يمكن قراءة مقالة تتحدث عن "أطفالنا وحب الله عز وجل" على موقع طريق الإسلام.

بر الوالدين
ينبغي أن يعرف الطفل فضل والديه والمراحل التي لم يرها من عمره وهو جنين، ثم وليد، ثم رضيع،من خلال القصص المشوقة،ومن خلال من يراهم ممن حوله من أبناء الأقارب والجيران وغيرهم.
كما ينبغي علينا أن نعينه على برنا كوالدين من خلال برنا به وإعطاءه حقوقه عندنا من الحب ،والاحترام، والتقدير، والعطف،والشعور بالأمان...وغير ذلك؛كما قال صلى الله عليه وسلم:" لاعبه سبعاً ، وأدِّبه سبعاً ،وصاحبه سبعاً".
هذا بالإضافة إلى أن نكون لهم قدوة،فنبر نحن آباءنا ليبرنا أبناءنا!
كما ينبغي أن نعلمهم الدعاء للوالدين في حياتهم وبعد مماتهم.وأن نعلمهم أن رضاهما من رضا الله سبحانه،وأن الإحسان إليهما مقترن بطاعة الله تعالى ،لقوله سبحانه:" واعبدوا اللهَ ولا تُشركوا به شيئاً، وبالوالدين إحسانا"
ويساعد على ذلك أن نحكي لهم من القصص الواقعية التي تبين فضل برهم،ومنه قصة أصحاب الغار الذين حُبسوا فيه بصخرة،ثم ظل كل منهم يدعو الله تعالى أن يخلصهم بفضل عمل صالح قام به ،فكان أولهم يطعم والديه ويسقيهم قبل أولاده وزوجته ،فلما عاد ليلة ووجدهما نائمين كره أن يوقظهما وفي نفس الوقت لم يرد أن يؤثر أولاده عليهما فترك أولاده يصطرخون من الجوع وهو جالس إلى جوارهما يحمل إناء اللبن حتى استيقظا؛فسقاهما ثم سقى أولاده؛فدعا الله قائلاً: اللهم إن كنت قد فعلت ذلك ابتغاء مرضاتك ففرج عنا ما نحن فيه؛ فانفرجت الصخرة قليلاً عن الغار بفضل صنيعه هذا.

ذكر الله
والذكر في هذه المرحلة لا يكون فقط باللسان وإنما بالقلب، والله تعالى يقول:"إذكروني أذكركم"،فهنيئاً لذاكر الله تعالى بالخير والرحمة والبركة والمغفرة،فإن من نسيه الله صار مغموراً ضائعاً لا ذكر له في الأرض ولا في الملأ الأعلى) (14)
ويمكن أن نقول لأولادنا:(لك أن تتخيل أنه إذا ذكرك بالخير مدير المدرسة مثلا أو مدير النادي،أو محافظ البلدة التي نسكن بها، أو رئيس الجمهورية،فماذا يكون شعورك؟ أما إذا ذكرك ملِك الملوك جل شأنه فماذا أيضاً يكون شعورك؟!!!)(21)

مراقبة الله في السر والعلن
وهو أدب يتعلمه الطفل من خلال الصيام، ثم نقوِّيه لديه من خلال رواية بعض القصص الواقعية التي حدثت معنا وآثرنا فيها رضى الله حتى ولو لم يكن أحد يرانا غيره،ومثل قصة بائعة اللبن التي كانت أمها تريدها أن تغش اللبن بالماء،فلما رفضت وقالت لها الأم:" لماذا؟ إن عمر لا يرانا،فردت الإبنة :" إذا كان عمر لا يرانا فإن الله يرانا"،فأُعجب عمر بن الخطاب -الذي سمعهما حين كان يتفقد أحوال الرعية - بقوة إيمانها وحرص على أن يخطبها لابنه ،فكانت ثمرة الزواج هو خامس الخلفاء الراشدين الأمير "عمر بن عبد العزيز"!!!

إخلاص النية في العمل لله:
من المفيد أن يعلم الطفل أنه إذا نوى بكل ما يفعله مرضاة الله تعالى؛ فإنه سينال عظيم الأجر على كل ما يمارسه من أمور حياته:( فيروِّح عن نفسه لكي يقوى على الطاعة؛ ويمارس الألعاب الرياضية ليكون مسلماً قوياً؛ ويأكل باعتدال ليكون مسلما صحيحاً معافى في نفسه وبدنه،ويذهب إلى الأماكن الخلوية والمتنزهات ليتفكر في خلق الله ويَذْكره بين أناس غافلين؛ويتعلم العلم الدنيوي والشرعي ليفيد المسلمين وغيرهم بعلمه ؛ولا يضر نفسه وغيره بجهله،ولأن العلم في الإسلام فريضة على كل مسلم ومسلمة؛ويتعلم اللغات ليأمن مكر أعداءه وليدافع عن دينه،ويدعو إليه،ويستمع إلى الأخبار المحلية والعالمية ليهتم بشؤون غيره من المسلمين ؛ويحاول مساعدتهم ولو بالدعاء، وينوي بالزواج أن يكوِّن أسرة مسلمة تعبد الله وتذكره...وهكذا)(22)

التوكل على الله
كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على تعليم الغلمان من أولاد الصحابة كيف يتوكلون على الله حق التوكل،فقد كان يركب وراءه ذات مرة ابن عباس،فقال له:"يا غلام إحفظ الله يحفظك،إحفظ الله تجده تجاهك،واعلم أن الأمة لو اجتمعت لينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك،وأن الأمة لو اجتمعت ليضروك بشيء فلن يضرونك إلا بشيء قد كتبه الله عليك،رُفعت الأقلام وجفت الصحف"...فما أعظمه من حديث ،لذا ينبغي أن يعلق في إطار على الحائط ليراه أهل البيت ويبث فيهم روح اليقين في الله، والرضا بقضاءه،والشجاعة والإقدام وحسن التوكل عليه تعالى،مع أهمية أن نشرح له أن التوكل يعني الأخذ بالأسباب بالجوارح مع التوكل على الله بالقلب،أي التيقن من أن تحقيق الغاية لن يتم إلا بأمر الله؛فإذا لم يكن هناك أسباب يمكن اتخاذها فالأمر لله، وهنا ينبغي التضرع والدعاء له تعالى لتحقيق تلك الغاية، مع الثقة في حكمته وأن كل ما يأتي به الله خير.
ومما يعينه على ذلك أن نحكي له من مثل القصص الواقعية التالية:
لما فتح القائد "عمرو بن العاص" مصر منع عادة عروس النيل التي تقضي بإلقاء فتاة شابة مزينة بالحلي في النيل ليفيض عليهم ،فتوقف النيل عن الجريان لمدة ثلاثة شهور،فأرسل عمرو بن العاص إلى عمر ليستشيره،فأرسل يقول له: حسناً فعلت وأرجو أن تلقي في النيل رسالتي التالية:" هذه رسالة من عمر بن الخطاب إلى نيل مصر أما بعد،فإن كنت تجري من لدن الله فنسأل الله أن يجريك... وإن كنت تجري من لدنك،فلا تجري فلا حاجة لنا فيك"،فجرى النيل وفاض!
ويقول الداعية الإسلامي الأستاذ "عمرو خالد":
كان لي صديق يعمل في إحدى الفنادق الكبيرة بالقاهرة،وكان من ضمن مهام مهنته أن يعد لحفلات يرتكب فيها محرمات،وبينما هو يعد قائمة بالمطلوب لإحدى هذه الحفلات،نظر أمامه فإذا بالشيخ محمد متولي الشعراوي -رحمه الله- يتناول الطعام أمامه في المطعم، فتيقظ ضميره وشعر أنه يأتي مُحرَّماً ،فما كان منه إلا أن ترك ما بيده وذهب إليه يسأله،هل ما أفعله بوظيفتي حلال أم حرام؟ فقال له:" إنه حرام"،فقال له "فماذا أفعل ؟" فقال له:" إتركها"،فرد الشاب "إن لي زوجة وأولاد،فمن أين سنجد قوتنا؟"،فرد عليه الشيخ الجليل:" يابني إنه (من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)"،فقال له:" إذن أظل بوظيفتي حتى أجد غيرها ثم أتركها"،فرد الشيخ الشعراوي بحزم:" يا بني إنه يقو ل:من يتق الله (أولاً) يجعل له مخرجاً (بعد ذلك)...فكيف تريده أن يجعل لك مخرجاً وأنت لم تتقه؟"
فظل الشاب يفكر حتى هداه الله تعالى إلى كتابة الاستقالة والتوكل عليه سبحانه،ولكنه قبل أن يتم كتابتها إذا بمدير سلسلة الفنادق التي ينتمي إليها هذا الفندق يتصل به ويقول:"أريد أن أخبرك بشيء،فرد الشاب وأنا أيضاً أريد أن أخبرك بشيء-يعني الاستقالة- ولكن المدير قال له: "سأقول لك أنا أولاً: لدينا وظيفة شاغرة لمدير فرعنا بالمدينة المنورة وقد اخترتك لها،فما رأيك؟!!!"(23)
وهذه قصة واقعية أخرى لمسلم توكل على الله وافتخر بانتماءه للإسلام واعتز بتفضيل مراد الله على مراده:
يقول الدكتور "عبد الله الخاطر" الذي كان يعيش في انجلترا لدراسة الدكتوراه:"إلتقيت بشاب إنجليزي يعيش في جنوب لندن،وقد أسلم حديثاً،وبعد إسلامه بثلاثة أسابيع عثر على وظيفة ، فحاول غيره من الشباب المسلمين أن يحذروه من أن يقول أنه قد أسلم حين يذهب للمقابلة الشخصية،حتى لايكون ذلك سبباً في عدم قبوله،فيتأثر نفسياً فيرتد عن دينه،إلا أن هذا الشاب توكل على ربه ولم يخشهم،فذكر لأصحاب العمل أنه قد أسلم وكان اسمه"رود"، فاصبح "عمر"،وقال لهم أيضاً بفخر:"لقد غيرت ديني واسمي وأريد وظيفة تتيح لي وقتاً للصلاة، فما كان منهم إلا أن قبلوه في تلك الوظيفة!!! وكان الأمر أعجب عندما قالوا له:" إننا نريد في هذه الوظيفة رجلاً عنده القدرة على اتخاذ القرارات وأنت عندك قدرة عظيمة جداً في اتخاذها،فقد غيرت اسمك ودينك وهذا إنجاز كبير!!! (24)
كما يمكن أن نسمع معهم قصصاً أخرى بنفس المعنى في درسي "التوكل" و"اليقين"(ضمن سلسلتي: إصلاح القلوب،ودروس أخرى على موقعه www.forislam.com)
وينبغي أن نحكي لهم عن نماذج مشرفة عرفت الله حق معرفته فارتاحت وقنعت وسارت على الدرب الصحيح من أمثال "حاتم الأصم" الذي تتلمذ على يد "شفيق البلخي" ،(وسأله معلمه يوما:" كم صحبتني؟" فقال له:"منذ ثلاث وثلاثين سنة"،فقال له:" وما تعلمتَ مِنِّي ؟" قال: "ثمان مسائل"،قال شفيق :" إنَّا لله وإنا إليه راجعون ، ذهب عمري معك ولم تتعلم مني إلا ثمان مسائل؟! قال:" يا أستاذ لم أتعلم غيرها و إني لا أحب أن أكذب"،فقال له:" هات ماهي حتى أسمعها"،قال حاتم:
• نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوباً فهو مع محبوبه إلى القبر،فإذا وصل إلى القبر فارقه،فجعلت الحسنات محبوبي فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي.
فقال أحسنت يا حاتم فما الثانية؟ قال:
• نظرت في قول الله تعالى:" وأما من خاف مقامَ ربه ونَهى النفس عن الهوى،فإن الجنةَ هي المأوى"فعلمت أن قوله تعالى هو الحق،فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت في طاعة الله تعالى.
• الثالثة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه ثم نظرت إلى قول الله تعالى :" ما عندكم ينفَد وما عند اللهِ باق"فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته إلى الله ليبقى عنده محفوظاً.
• الرابعة أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال والشرف والنسب،فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قوله تعالى :" إن أكرمكم عند الله أتقاكم" فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما.
• الخامسة أني نظرت إلى هذا الخلق وهم يطعن بعضهم في بعض،ويلعن بعضهم بعضاً،وأصلُ هذا كله الحسد ثم نظرت إلى قوله تعالى:" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا"فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة عند الله فتركت عداوة الخلق عني.
• السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يظلم بعضهم بعضا فرجعت إلى قوله تعالى:" إن الشيطان لكم عدوٌ فاتَّخِذوهُ عدواً"فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدوٌ لي فتركت عداوة الخلق غيره.
• السابعة نظرت إلى هذا الخلق فرأيت الواحد منهم يطلب كسرة الخبز فيذل بها نفسه ويدخل فيما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى:"وما من دابَّةٍ في الأرض إلا على اللهِ رزقُها " فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها فاشتغلت بما لله تعالى علي وتركت ما لي عنده.
• الثامنة : نظرت إلى هذا الخلق فرأيت منهم متوكلين،على مخلوق،هذا على عقاره وهذا على تجارته،وهذا على صناعته،وهذا على صحة بدنه،فرجعت على قوله تعالى:" ومن يتوكل على اللهِ فهو حسبُه" فتوكلت على الله فهو حسبي.
قال شقيق:" يا حاتم وفقك الله تعالى فإني نظرت في علوم التوراة والإنجيل والزبور،والفرقان العظيم فوجدت جميع أنواع الخير والديانة تدورعلى هذه الثمانية،فمن استعملها فقد استعمل الكتب الأربعة") (25)

مجاهدة النفس
يعد جهاد النفس أقوى واشد من مجاهدة العدو ،ومما يعين عليه أن يحدد الإنسان هدفه،فهل يريد الدنيا الفانية التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟أم رضا الله والجنة؟ وإذا كان يريد الجنة فعليه أن يعلم أنها سلعة الله الغاليه، ومن أجلها يجب أن يقدم الغالي والنفيس من الأوقات والأموال والجهد؛ ويتنازل عن الهوى والشهوات،ويستعين بالله على نفسه الأمارة بالسوء، ليطوِّعها ويجعل منها نفساً لوامة،وذلك بتربية الضمير لديه ومساعدته على الصبر على الحق والترفع عن الدنايا منذ نعومة أظفاره،كما ينبغي أن نحبب إليه الجميل من الأفعال ونبغِّض إليه القبيح منها.
فإذا عرف هدفه- وهو الفوز برضا الله –وأحبه؛ عاش له وبه ،وأراح والديه وأسرته ومجتمعه واستراح.

دوام الاستغفار:
يجب أن نعلمه أن للاستغفار فوائد أخرى غير ستر الذنوب والخطايا ومحوها،وهي التي جاءت في الآيات( 10-12 )من سورة نوح:" فقلتُ استغفروا ربَّكم إنَّهُ كان غفَّارا ،يرسل السماءَ عليكم مدرارا ،ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا" .

تجديد التوبة:
يجب أن يذكِّر الوالدين أبناءهم على الدوام بأن اليأس من رحمة الله وعفوه ذنب في حد ذاته لأنه يعطل أسماء كثيرة من أسماء الله الحسنى مثل: العفو، والغفور، والغفار، والغافر، والتواب. كما يذكِّرونهم بأن اليأس مدخل شيطاني يدخل به إبليس على قلب المؤمن ليعود به إلى المعصية ،ثم الكفر – والعياذ بالله-رويداً رويدا،وينبغي أن يقولوا لهم دائما:" لا تيأسوا أبداً من رحمة الله ،إن "الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم"، فالحذر من ارتكاب المعاصي واجب ولكن إن غلبت على الإنسان نفسه فعليه بالمسارعة بالتوبة،ولا ييأس من كثرة ذنوبه،فباب التوبة مفتوح للإنسان مادام لم يغرغر(أي يدخل في مراحل الموت)وأن يلزم باب الكريم ولا يبتعد عنه فينفرد به الشيطان وأعوانه؛كما يجب أن يسمع الأولاد من والديهم قول "ابن القيم":
(لا تسأم من الوقوف على بابه ولو طُردت
ولا تقطع الاعتذار ولو رُددت
فإذا فُتح الباب للمقبولين فادخل دخول المتطفلين
وقل يارب مسكين فتصدق علي فإنما الصدقات للفقراء والمساكين!!!) (16)
كما ينبغي أن يسمعهما يتضرعان إلى الله بمثل هذه الأدعية:
" اللهم إن عظُمت ذنوبي فأنت أعظم وإن كبر تفريطي فأنت أكبر وإن دام بُخلي فأنت أجود"
" اللهم إن مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجَى عندي من عملي"
عبادة الدعاء
وهي التوجه لله سبحانه- دون غيره -بطلب ما يحتاجه المؤمن ،وهي الاعتراف العملي بالافتقار إلى الواحد القهار...فهل هناك أحد يعيش بدون مشاكل تؤرقه؟
وهل هناك أحد ليس لديه آمال يحلم بتحقيقها؟
وهل هناك أحد يستطيع أن يستغنى عن ربه؟
أم هل هناك أحد لم يرتكب ذنباً ويخشى أن يؤاخذه لله عليه؟)(16) وإذا علمنا أن الجنة لن يدخلها أحد-حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم – بعمله، إلا أن تتداركه رحمة ربه ؛(فهل هناك أحد يستطيع أن يستغنى عن رحمة ربه ؟!!! )(16)
هل هناك أعز من الذل بين يديه والتمسح بأعتابه حتى يرضى؟
وهل هناك أذل ممن يرجون عباد الله فإن شاءوا أعطوهم وإن شاءوا منعوهم؟وإن أعطوهم منُّوا عليهم،وإن أعطوهم مرة أو اثنان فهل يعطونهم الثالثة؟
(فهل يتعلق الغريق بغريق آخر؟وهل يرجو الفقير فقير مثله؟،وهل يلوذ ضعيف بضعيف مثله؟) (16)
وينبغي أن نعلِّمهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لم يسأل الله يغضب عليه"،و قول الشاعر الحكيم :
"لا تسألنَّ بُنيَّ آدم حاجة *** وسَل الذي أبوابه لا تُحجب
فالله يغضب إن تركتَ سؤله *** وبُنيَّ آدم حين يُسأل يغضب!!
كما ينبغي أن نعلمهم آداب الدعاء، ومنها اليقين في الإجابة،وألا يستعجل الإجابة وأن يعلموا أن الدعاء منه ما يجاب ومنه ما يُدفع به البلاء،ومنه ما يُدَّخر ليوضع في ميزان الحسنات يوم القيامة... والمؤمن حيت يرى دعاءه يوضع في ميزان حسناته يوم القيامة يتمنى لو لم تُجب له دعوة في الدنيا!!!
كما ينبغي أن يعرفوا أن الدعاء خيرٌ كله،كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:" إن الله تعالى حيِيٌ كريم ،يستحي أن يرفع العبد يديه ،ثم يردهما صُفراً خائبتين"
فنذكرهم دائماً بفضيلة الدعاء قائلين:"إن الله الواجد جل شأنه قريب مجيب رحيم ودود ،فادعوه مخلصين له الدين ،وأنتم موقنون بالإجابة ؛فإن من سأله أعطاه ومن توكل عليه كفاه،ومن اعتصم به هداه إلى صراط مستقيم،فهو الواجد الذي لا تنفد خزائنه ،ولا تنتهي نعمه ولا تضيق رحمته بالعالمين"(15)
وما أحلى الدعاء القائل:" اللهم إنا قد جئنا جوارك
وأنخنا مطايانا ببابك
نرجو رحمتك ونخشى عذابك
فلا تبعدنا اللهم عن جنابك
وافتح لرجاءنا رحابك،
ولدعاءنا أبواب السماء
ودعاءه صلى الله عليه وسلم:" اللهم إني أسألك الهُدى والتُّقى والعفاف والغِنى"


--------------------------------------------------------------------------------

من تجارب الأمهات:

فيما يلي قصصا واقعية ترويها الأمهات عن خبرتهن في تحبيب أبنائهن في الإسلام.
في حب الإسلام:
فوجئت الأم بطفلها البالغ من العمر إحدى عشر عاماً يسألها قائلاً:"أنا مسلم ،نعم، ولكن لماذا يوجد أناس آخرين غير مسلمين؟ ولماذا لا أكون أنا أيضا غير مسلم؟" فرأت أن الإجابة المباشرة لن يكون أثرها عميقا كما تريد،فاقترحت عليه أن يحاول البحث بنفسه عن إجابة،وأن يقوموا بعقد مسابقة بينه وبين أقرانه من الأقارب والجيران والأصدقاء للإجابة على سؤال محدد :" ماذا لو لم أكن مسلماً؟" ،ونصحتهم بالاستعانة بمكتبة البيت أو النادي أو المدرسة،وتم تحديد يوم ليعرض كل منهم إجابته،فوجدت الأم إجابات مقنعة ، منها ما قاله الأولاد:
لو لم أكن مسلماً لما وجدت مكاناً محدداً أفزع إليه حين تصيبني مشاكل ، ولما وجدت قوة تحميني حين أواجه مصاعب ..فمن سأنادي إن لم يكن معي أبي أو أمي أو مثلهم من البشر؟
و لسماني أبي أسما قبيحا، ولفرق أبي وأمي بيني وبين إخوتي في الحب والعطاء ،ولاحتقرني الناس وهجروني بسبب شكلي أو لوني أوديني أو فقري أو جهلي ،ولما وجدت من يرحمني حين أكون صغيراً،أوضعيفاً أو مريضاً،ولما احترمني غير ي حين أكون كبير السن ، ولظللنا نعيش بدون أمان يُغير بعضنا على بعض دون ضوابط ،ولظللنا نبيت يقتلنا الهم والقلق على رزقنا و حياتنا ومستقبلنا،ولأكلنا الحيوانات الميتة،ولظل الفقير فقيراً يحقد على الغني،ولظل الغني غنياً يحتقر الفقير ويخاف من حسده وحقده ،ولظللت أعيش بلا هوية أو هدف،أعطل عقلي ولا أحترمه، وأتبع أهوائي ولو كان على حساب غيري.
وقالت البنات: لولا الإسلام لوأَدني أبي فور ولادتي ،ولامتُهنت كرامتي، واستُبيحت حرمتي ،ولظللت جاهلة بلا قيمة،ضعيفة بلا حول ولا قوة ،ولتزوجني أخي وعمي وابني، ولفقدت اسمي بعد زواجي،ولما عرف أبنائي قيمتي وحقي عليهم، ولطلقني زوجي دون سبب وفي أي وقت، ولتزوج علي أي عدد من النساء في أي وقت شاء،ولظللت محرومة من حقي في الميراث،ولنسيني أبنائي بعد موتي.
فنظرت الأم في النهاية إلى ابنها فرأت في عينيه أن إجابة سؤاله قد وصلت إلى قلبه قبل عقله،فحمدت الله الهادي.

طفولة العظماء:
رأت الأم أبناءها منبهرين بشخصيات الرسوم المتحركة والمجلات والأفلام الغربية من الأبطال،فعز عليها ذلك وقالت لهم:" إن هؤلاء أبطال غير حقيقيين،فهل أحدثكم عن أبطال حقيقيين؟" فكانت إجابتهم بالفعل هي الإيجاب،فظلت تحكي لهم كل يوم قصة قبل النوم من قصص أبطال المسلمين من الأطفال أمثال:
"علي بن أبي طالب" الذي نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وهو ابن عشر سنين.
و "الحسن" و"الحسين" الذين رأيا شيخا يتوضأ –وكانا غلامين- فلم يريدا جرح مشاعره بأن يقولا له أنه لا يحسن الوضوء ،فقالا له: يا عماه لقد اختلفت وأخي فيمن يحسن الوضوء منا فهلا حكمت بيننا؟ وأرياه كيف الوضوء الصحيح .
و"عبد الله بن الزبير" الذي عُرف عنه منذ صغره قوة في الحق وصراحة في الكلمة يعترف إذا أخطأ ويتحمل الجزاء إذا دعا الأمر،وقد كان يوما يلعب مع الصبية-وهو لا يزال صبي- وإذا بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب يمر بهم،ففروا من أمامه-لأنه كان يسألهم عن صلاتهم فإذا كانوا قد أدوها تركهم وإذا لم يؤدوها أمرهم بأدائها- أما "عبد الله" فوقف مكانه ،فلما سأله "عمر" عن عدم فراره معهم قال:" لَم أرتكب ذنباً فأخافك،وليست الطريق ضيقة فأوسعها لك"، فسأله:" هل أديت فرضك؟" قال " نعم يا أمير المؤمنين،وتلاوة ما عليَّ من قرآن وحديث وأنا الآن أروِّح عن نفسي،فقال له:" جزاك الله خيرا يا ولدي".
و"أسامة بن زيد" الذي علم أن رسول الله صلى الله عليه سلم يتجهز للغزو فأصر – وهو بعد لم يتجاوز العاشرة من عمره- على أن يكون له دور،فذهب يعرض نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم،إلا أن الرسول الكريم أجابه بأنه ما يزال صغيرا لم يُفرض عليه القتال ،فعاد باكياً،ولكنه عاود الكرة مرة ثانية وثالثة ،وفي الثالثة طلب منه أن يطيِّب الجرحى من المقاتلين،ففرح فرحاًً شديداً،ولما كبر أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى أسامة قيادة أحد جيوش المسلمين ،فتم ذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه.
و"معاذ" و"معوِّذ" الغلامان الذين نالا شرف قتل "أبي جهل" رأس الكفر الذي طالما آذى الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه،فقال لهما :"أيكما قتله؟"،فقال كل منهما :" أنا قتلته" فقال لهما:" هل مسحتما سيفيكما؟" قالا :"لا" فنظر صلى الله عليه وسلم في السيفين وقال:" كِلاكما قتله"!!!
و"أسماء بنت أبي بكر" التي تشرفت -دون الخلق- بحمل الطعام والشراب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيها في مخبأهما أثناء الهجرة،والدفاع عنهما بشجاعة وصلابة أمام أبي جهل الذي لطمها على خدها لطمة أطاحت قرطها.
وأروى بنت الحارث التي قادت كتيبة من النساء وقد عقدت لواءً من خمارها كخدعة حربية،ففعلت من معها من النساء مثلها واندفعت بالكتيبة إلى حيث كان المسلمون يواجهون عدوهم في "ميسان"،فلما رأى الأعداء الرايات مقبلات عن بعد ظنوا أن مدداً للمسلمين في الطريق إلى أرض المعركة ،ففروا مولين الأدبار،وتبعهم المسلمون يطاردونهم حتى قتلوا منهم أعدادا ًكبيرة.( (?
في التعرف على الدين: لما اقترب أولادي من سن المراهقة إستأذنتهم في أن أضع بعضاً من كتبي في مكتبتهم الخاصة بغرفتهم لأن مكتبتي مكتظة،فلم يعترضوا.فاخترت مجموعة من الكتب مثل :( رأيت الله للدكتور مصطفى محمود، ورياض الصالحين للإمام النووي ،وحياة الصحابة للكاندهلوي ،وفقه السيرة ،والمهذَّب من إحياء علوم الدين للإمام محمد الغزالي، ومنهاج المسلم للشيخ أبو بكر الجزائري، وتفسير القرآن للشيخ الشعراوي رحمه الله ، والحلال والحرام في الإسلام ،والإيمان والحياة للدكتور يوسف القرضاوي،،ولا تحزن لعائض القرني،وعلو الهمة لمحمد أحمد المقدم، وبدائع القصص النبوي الصحيح لمحمد بن جميل زينو)
ولم أتحدث معهم عنها على الإطلاق،بل كنت أراقب الموقف من بعيد ...وما هي إلا أسابيع حتى امتدت أيديهم الغضة إلى تلك الكتب واحداً تلو الآخر وأصبحوا-بحمد الله تعالى - يستفسرون عن بعض ما يقرءونه ويناقشونني فيه.

في الترغيب في الزكاة من خلال الصدقة :
قامت الأم بتخصيص صندوق كبير يضع فيه أفراد الأسرة ما زاد عن حاجتهم ،أوما يريدون التصدق به،ويتركونه حتى يمتلىء فيقومون بترتيب الأغراض ووضعها بشكل لائق،ثم ترسلها الأم مع طفليها إلى المسجد القريب من المنزل الذي ينفقها على مستحقيها؛ وكانت توضح دائماً أن الله يعطي كل منفق خلفا، وأنه يعطيه أفضل مما تصدق به في الدنيا والآخرة...وذات يوم وضع طفلها حذاءه الرياضي القديم في صندوق الصدقة دون أن يخبر أمه،ولما عاد أبوه وجدته الأم يقول لها وهو يكاد يطير فرحا:" أنظري يا أمي لقد رزقني الله بحذاء رياضي جديد أفضل من الذي تصدقت به،حتى قبل أن يصل إلى المسجد؛ أرسله لي صديق أبي الذي عاد من السفر!!!"

في الترغيب في الحج من خلال العمرة:
لم يتيسر الذهاب للمصيف قبل العمرة،وكان الأولاد يتوقون إليه،ولكنهم لما عادوا من العمرة لم يطلبوا الذهاب للمصيف واكتفوا بمزاولة رياضة كل منهم المفضلة، حتى انتهت العطلة الصيفية!!!ثم صاروا يسألون في العطلة التالية عن موعد الذهاب العمرة ويقولون :"نفضلها على المصيف"!!
والعجيب أن الأم فوجئت بأصغر أولادها(سبع سنوات) تسأل عن الحج قائلة: لقد جربنا العمرة وأريد أن أجرب الحج ،متى نحج يا أمي؟!!!

***

وختاماً ، فإن الحديث في هذا الموضوع لا يكتمل إلا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع حارثة رضي الله عنه -وكان لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره-، يروي حارثة أنه صلى الله عليه وسلم قال له يوماً: (( يا حارثة ، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، فقال له المصطفى: "وما حقيقة إيمانك؟" قال:" أصبحت أرى عرش ربي بارزا، وأصبحت أرى أهل الجنة وهم يتزاورون، وأهل النار وهم يتعاوون(يصطرخون) فقال له : عرفتَ فالزم!!))

***

"سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم" ،
وآخر دعوانا" أن الحمد لله رب العالمين"

• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 01-Jun-2009, 04:25 PM   #7 (permalink)
عضو ذهبي
 
تاريخ التسجيل: 31 - 8 - 2006
الدولة: • ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..»
المشاركات: 849
معدل تقييم المستوى: 26
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» مميز
افتراضي

لقد أثبتت التجارب التربوية أن خير الوسائل لاستقامة السلوك والأخلاق هي التربية القائمة على عقيدة دينية.

ولقد تعهد السلف الصالح النشء بالتربية الإسلامية منذ نعومة أظافرهم وأوصوا بذلك المربين والآباء؛ لأنها هي التي تُقوّم الأحداث وتعودهم الأفعال الحميدة، والسعي لطلب الفضائل.

ومن هذا المنطلق نسعى جميعا لنعلم أطفالنا دين الله غضاً كما أنزله تعالى بعيدا عن الغلو، مستفيدين بقدر الإمكان من معطيات الحضارة التي لا تتعارض مع ديننا الحنيف.

وحيث أن التوجيه السليم يساعد الطفل على تكوين مفاهيمه تكويناً واضحاً منتظماً، لذا فالواجب إتباع أفضل السبل وأنجحها للوصول للغاية المنشودة:

1- يُراعى أن يذكر اسم الله للطفل من خلال مواقف محببة وسارة، كما ونركز على معاني الحب والرجاء "إن الله سيحبه من أجل عمله ويدخله الجنة"، ولا يحسن أن يقرن ذكره تعالى بالقسوة والتعذيب في سن الطفولة، فلا يكثر من الحديث عن غضب الله وعذابه وناره، وإن ذُكر فهو للكافرين الذين يعصون الله.

2- توجيه الأطفال إلى الجمال في الخلق، فيشعرون بمدى عظمة الخالق وقدرته.

3- جعل الطفل يشعر بالحب "لمحبة من حوله له" فيحب الآخرين، ويحب الله تعالى؛ لأنه يحبه وسخر له الكائنات.

4- إتاحة الفرصة للنمو الطبيعي بعيداً عن القيود والكوابح التي لا فائدة فيها..

5- أخذ الطفل بآداب السلوك، وتعويده الرحمة والتعاون وآداب الحديث والاستماع، وغرس المثل الإسلامية عن طريق القدوة الحسنة، الأمر الذي يجعله يعيش في جو تسوده الفضيلة، فيقتبس من المربية كل خير.

6- الاستفادة من الفرص السانحة لتوجيه الطفل من خلال الأحداث الجارية بطريقة حكيمة تحبب للخير وتنفر من الشر.

وكذا عدم الاستهانة بخواطر الأطفال وتساؤلاتهم مهما كانت، والإجابة الصحيحة الواعية عن استفساراتهم بصدر رحب، وبما يتناسب مع سنهم ومستوى إدراكهم، ولهذا أثر كبير في إكساب الطفل القيم والأخلاق الحميدة وتغيير سلوكه نحو الأفضل.

7- لابد من الممارسة العملية لتعويد الأطفال العادات الإسلامية التي نسعى إليها، لذا يجدر بالمربية الالتزام بها "كآداب الطعام والشراب وركوب السيارة..." وكذا ترسم بسلوكها نموذجاً إسلامياً صالحاً لتقليده وتشجع الطفل على الالتزام بخلق الإسلام ومبادئه التي بها صلاح المجتمع وبها يتمتع بأفضل ثمرات التقدم والحضارة، وتُنمي عنده حب النظافة والأمانة والصدق والحب المستمد من أوامر الإسلام.. فيعتاد أن لا يفكر إلا فيما هو نافع له ولمجتمعه فيصبح الخير أصيلاً في نفسه.

8- تستفيد المربية من القصص الهادفة سواء كانت دينية، واقعية، خيالية لتزويد أطفالها بما هو مرغوب فيه من السلوك، وتحفزهم على الالتزام به والبعد عما سواه.

وتعرض القصة بطريقة تمثيلية مؤثرة، مع إبراز الاتجاهات والقيم التي تتضمنا القصة، إذ أن الغاية منها الفائدة لا التسلية فحسب.

وعن طريق القصة والأنشودة أيضاً تغرس حب المثل العليا، والأخلاق الكريمة، التي يدعو لها الإسلام.

9- يجب أن تكون توجيهاتنا لأطفالنا مستمدة من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ونشعر الطفل بذلك، فيعتاد طاعة الله تعالى والإقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم وينشأ على ذلك.

10- الاعتدال في التربية الدينية للأطفال، وعدم تحميلهم ما لا طاقة لهم به، والإسلام دين التوسط والاعتدال، فخير الأمور أوسطها، وما خير الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.

ولا ننسى أن اللهو والمرح هما عالم الطفل الأصيل، فلا نرهقه بما يعاكس نموه الطبيعي والجسمي، بأن نثقل عليه التبعات، ونكثر من الكوابح التي تحرمه من حاجات الطفولة الأساسية، علما أن المغالاة في المستويات الخلقية المطلوبة، وكثرة النقد تؤدي إلى الجمود والسلبية، بل والإحساس بالأثم".

11- يترك الطفل دون التدخل المستمر من قبل الكبار، على أن تهيأ له الأنشطة التي تتيح له الاستكشاف بنفسه حسب قدراته وإداركه للبيئة المحيطة بها وتحرص المربية أن تجيبه إجابة ميسرة على استفساراته، وتطرح عليه أسئلة مثيرة ليجيب عليها، وفي كل ذلك تنمية لحب الاستطلاع عنده ونهوضا بملكاته. وخلال ذلك يتعود الأدب والنظام والنظافة، وأداء الواجب وتحمل المسؤولية، بالقدوة الحسنة والتوجيه الرقيق الذي يكون في المجال المناسب.

12- إن تشجيع الطفل يؤثر في نفسه تأثيراً طيباً، ويحثه على بذل قصارى جهده لعمل التصرف المرغوب فيه، وتدل الدراسات أنه كلما كان ضبط سلوك الطفل وتوجيهه قائماً على أساس الحب والثواب أدى ذلك إلى اكتساب السلوك السوي بطريقة أفضل، ولابد من مساعدة الطفل في تعلم حقه، ماله وما عليه، ما يصح عمله وما لا يصح، وذلك بصبر ودأب، مع إشعار الأطفال بكرامتهم ومكانتهم، مقروناً بحسن الضبط والبعد عن التدليل.

13- غرس احترام القرآن الكريم وتوقيره في قلوب الأطفال، فيشعرون بقدسيته والالتزام بأوامره، بأسلوب سهل جذاب، فيعرف الطفل أنه إذا أتقن التلاوة نال درجة الملائكة الأبرار.. وتعويده الحرص على الالتزام بأدب التلاوة من الاستعاذة والبسملة واحترام المصحف مع حسن الاستماع، وذلك بالعيش في جو الإسلام ومفاهيمه ومبادئه، وأخيراً فالمربية تسير بهمة ووعي، بخطى ثابتة لإعداد المسلم الواعي.
• ● şάซ₫ άℓ๓άℓҜį ● • ° ..» غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
التربية, الإيمانية
Latest Active Threads



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية: تطبيق القرار على 30 ألف مدرسة هذا العام مستحيل هبة ريح الركن العام 6 16-May-2011 08:13 PM
مادة التربية الوطنية مسخرة ومضحكة للطلاب وسلبت هيبة الوطنية هبة ريح الركن العام 5 15-May-2011 05:40 AM
سمو وزير التربية يوجه بتعليق الدراسة في كافة مارس محافظة جدة الأسبوع القادم ابو سعود الركن العام 3 29-Jan-2011 03:13 PM
المقال الخاص بالمسابقة الثقافية ( التربية ) ابو سعود الركن العام 0 18-Aug-2010 06:53 PM
التربية الوطنية .. مقال في الصميم الأجدل الركن العام 8 01-Aug-2007 01:03 PM


الساعة الآن 06:13 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0

vEhdaa 1.1.2 by NLPL ©2009
:: تصميم كاكا ديزاين :: :: الرئيسية :: :: الارشيف :: :: اتصل بنا ::