عدم تهيئة الطفل للمدرسة يعرضة للإصابة
( بفوبيا بداية العام الدراسي الجديد )
رغم كل الاستعدادات التي وضعتها أم سعد في الحسبان لتهيئة آخر العنقود عُمر لمرحلته المفصلية الجديدة -التي سينتقل معها من حضن البيت وأهله إلى عهدة المدرسة ومعلميها- إلا أن حالة الطوارئ التي أعلنتها في البيت لم تسعفها في إقناع طفلها المدلل على مجرد الولوج من باب المدرسة إلى باحتها للتعرف على مرافقها قبيل بدء الدوام المدرسي، في محاولة فاشلة لنزع روح وحشة المكان الغريب على عمر.
فعمر البالغ من العمر 6 سنوات استقبل عامه الدراسي الأول بالبكاء المفرط حتى فقد طعم النوم المليء بالكوابيس، وكره نور الصباح الذي سيُجبر فيه كيومه السابق على ارتداء زيه المدرسي عنوة، بعد استنفارٍ أسري لإقناعه بالمكافآت والهدايا الكثيرة التي ستكون بانتظار عودته من المدرسة تكريماً لطوعه والتزامه.
أما مشهد وصول عمر إلى بوابة مدرسته وإقناعه بالنزول من السيارة فمعاناة أخرى لم تنته بعد، فيتشبث بيد والده رافضاً بقوة الانتقال مع مشرفته التي أصبحت تنتظر قدومه كل صباح لاستدراجه بإقناع إلى فصله الدراسي دون أبيه، وكل علامات التوتر والقلق والحزن تملأ عيونه التي تذرف الدموع منذ استيقاظه.
هذا ما عانته أم سعد مع طفلها عمر العام الماضي للتأقلم مع مجتمعه الجديد داخل المدرسة، مشيرة إلى أن تلك المعاناة استغرقت ما يقارب الشهر حتى استطاع من خلالها التعوّد على نظام حياته المختلف عن السابق، والذي ترجعه إلى تعلق طفلها بها وبوالده، وتدليله الزائد، فضلاً عن خجله وعدم قدرته على الانسجام السريع مع الغرباء.
دور الأسرة والكادر التعليمي
وفي هذا الصدد يقول الاستشاري النفسي الدكتور طارق عبد الرحمن العيسوي إنه يجب على الأسرة أن تعمل جاهدة على تهيئة طفلها المقبل على المدرسة للمرة الأولى من خلال تشجيعه على معايشة هذا المجتمع الجديد عليه، بإبراز الجوانب الإيجابية للمدرسة، ولا مانع من أن تقوم الأسرة بجولة صغيرة مع طفلها داخل المدرسة قبل بدء أول يوم دوام، ليتعرف على ما بداخلها من ملاعب وصفوف ومرافق مختلفة، ومن جانب آخر يمكن الاستعانة بالصور والأفلام الخاصة بأنشطة المدارس وألعابها الرياضية، ليتكون لدى الطفل فكرة مبدئية جيدة عن المدرسة التي لا تقتصر على تلقين الدروس وتنفيذ الواجبات والالتزام بالضوابط والنظم وما إلى ذلك.
ويتابع العيسوي حول أهمية اليوم الأول ودرجة حساسيته على إمكانية إدماج الطفل مع المدرسة وانسجامه فيها بالقول «للأسف عادة ما يحدث في اليوم الأول من الدوام المدرسي، وتحديداً في عالمنا العربي، نوع من الفوضى، يصر فيه أولياء الأمور على اصطحاب أطفالهم الصغار إلى داخل الفصل لضمان المقاعد الأمامية لهم، مما ينتج عن ذلك تلك الفوضى العارمة التي ستشكل صدمة للطفل، ومن ثم صدمة لأسرته، لذا تعد عملية استقبال الطفل القائمة على أسس من التنظيم ذات أهمية بالغة في تخفيف حالة التوتر والقلق المحتمل استمرارها معه في حال تمكنت من نفسيته غير المستقرة».
ويضيف العيسوي حول الدور البارز الذي يلعبه الكادر التعليمي في استقبال الطفل بشكل أمثل قائلاً «لا بد أن يتمتع معلمو المدرسة ومشرفوها بشخصية مؤهلة على كيفية التعامل مع الأطفال في يومهم الأول بالمدرسة، من خلال استقبالهم بملامح البشاشة والتبسم، وإن أمكن معها توزيع ورود أو هدايا صغيرة لهم، فضلاً عن أهمية توفير اللوحات الإرشادية في كافة أرجاء المدرسة، وهذا كله يعطي نوعاً من الثقة عند الطالب وقدرة على تقبل اليوم الأول».
تخبط إداري وتهميش للاختصاصات
«للأسف أصبحنا في عالمنا العربي نتراجع إلى الخلف بدلاً من أن نتقدم، حيث أصبح دور الاختصاصي النفسي مهمشاً في اليوم الأول من المدرسة، وكأن دوره محصوراً في معالجة المتخلفين أو المجانين أو للتواصل مع ذوي الإعاقة كما يفهمه البعض، غافلين دوره البالغ في عملية الإرشاد، وتعديل البيئة، وتدريب المعلمين، فكل هذه العوامل السلبية تجعل الأسر في حالة من الخوف والتوتر تنعكس على الطفل وخوفه من المدرسة» يفيد العيسوي، مستطرداً حول سلبية بعض الأنظمة المدرسة بالقول «كون المدرسة عبارة عن مؤسسة تعليمية وتدريبية فلا بد من أن يكون فيها نوع من الضبط والالتزام بمواعيدها الثابتة للحصص والطابور والفرصة والانصراف... وغيرها، فتكمن المشكلة هنا عندما يتم التركيز مع الطفل على سياسة «الممنوعات» كأن يقال له على الدوام: ممنوع الكلام..
ممنوع الخروج.. ممنوع الأكل في الفصل.. وكأننا نضعه أمام حجر عثرة بهذا الكم الهائل من المحظورات، ويعد اتباع هذا الأسلوب خطأ جسيما، يجب ممارسة عكسه مع الطفل الصغير بإرشاده إلى السلوكيات المقبولة الجيدة بشكل إقناعي متدرج، وهنا تبرز أهمية روح التكامل في العمل بين أعضاء الكادر التعليمي الذي يجب أن يعمل كفريق واحد وبصدر رحب يتسع لجميع هؤلاء الأطفال الجدد، مع توفير مساحة لاستقبال أولياء الأمور والاستماع إلى شكواهم، فأحيانا يبدي البعض منهم استياء من عدم تعاون وإنصات الإدارة المدرسية لاستفساراتهم ومطالبهم، مما ينعكس سلباً على وضع طفلهم في المدرسة، وفي الغالب تكون المشاكل صغيرة جداً ومقدورا على حلها، لكن عدم وجود إدارة واعية أو تخطيط أو التزام كل منهم في تخصصه التعليمي والإشرافي يؤدي إلى تفاقم المشاكل في الميدان».
وعلى ذلك يقترح العيسوي تمضية الأسبوع الأول من الدوام المدرسي في التعارف بين الطلاب ومعلميهم دون البدء الفوري بالدروس لضمان توثيق التواصل والمودة بينهم، فمن مهام المدرسة الحقيقية بناء أجيال وتكوين شخصيات متكاملة تستطيع أن تحمي نفسها والمجتمع والوطن، وليس فقط تلقي الدروس وحفظها ..
تفاوت قدرات الأطفال
ويلفت العيسوي إلى أن درجة انسجام الطفل في اليوم الأول مع المدرسة تتفاوت بتفاوت قدرات الأطفال عن بعضهم البعض، كالقدرات العقلية والاستقلالية، التي تعود بلا شك إلى كيفية تعامل الأسرة مع طفلها، ومدى اهتمامها بتنمية قدراته وهواياته المتمثلة بالأنشطة الصيفية والنوادي على سبيل المثال، أو مدى إهماله بتركة أمام التلفاز أو الألعاب الإلكترونية طوال اليوم، أو مدى الشد والتراخي معه في أسلوب تربيته، وبالتالي تعد الأسرة في كثير من الأحيان المسؤولة بشكل مباشر عن ما لدى الطفل من مشكلات نفسية، ومن ثم مشكلات يكملها المجتمع والبيئة المدرسية غير المستعدة أو المؤهلة للتعامل مع الطلاب الجدد.
تقلص المخاوف بتقدم المراحل
وتقلص هذه الظاهرة النفسية مع التقدم في العمر وتطور المراحل التعليمية يفسره الاستشاري النفسي بمدى تطور خبرة الإنسان عاماً تلو الآخر، فعملية المران والتدريب والتعود، وعملية الاعتماد على الذات، واكتساب معلومات ومهارات اجتماعية ولغوية، تخفف من حدة الشعور بالخوف والقلق من اقتراب موعد المدرسة والاحتكاك ببقية الطلاب، فمثلاً الوسيلة التي يستخدمها الأطفال للتعبير عن أنفسهم هي اللغة والتي تكون في بداية نموه متأخرة، إذ لا يستطيع من خلالها أن يُكون الطفل جملة كاملة أو يسرد قصة مفيدة، مما يشكل حاجزا إضافياً بينه وبين المعلم أو الإدارة المدرسة، يزيد من حدة توتره وخوفه، الأمر الذي يختلف مع الكبر والتطور في المراحل الدراسية المتقدمة التي تزيده من اكتساب الخبرات والمهارات المتعددة ومن ثم الثقة بالنفس.
الانتقال الفجائي وأثره
ومن ناحية أخرى ينوه العيسوي بتأثير الانتقال الفجائي من الإجازة إلى الدوام المدرسي بقوله «جلوس الطالب ما يقرب من الخمسة أشهر في صيف هذا العام ليس بفترة بسيطة، لاسيما إن كانت بدون نشاط منظم أو محكوم، وبالتالي معاودة الاستيقاظ باكراً من جديد والالتزام بواجبات المدرسة ومواعيدها سيصيبه بنوع من الزجر وعدم الارتياح بسبب الانتقال الذي تم دون تمهيد، حتى قرار تأجيل الدراسة لتوخي حذر عدوى إنفلونزا الخنازير جاء مفاجأ بعد خبر نفيه أكثر من مرة، وكل هذا التخبط الإداري يقلق الطالب ويوتره، ويعطي مؤشراً أولياً لبداية عام دراسي غير سعيدة ممكن أن تصيب بعض الأطفال بما يسمى «فوبيا بداية العام الدراسي» وفقاً للإستشاري النفسي.
«h1n1» مصيبة جديدة
«من فترة وجيزة قالت إحدى الأمهات على مسامعي إنها لن تبعث أبناءها إلى المدرسة، مبرره ذلك بقولها: هل يوجد أحد عاقل يبعث أبناءه إلى الموت!.. فتخيلوا إلى أية درجة وصلت إليها حالة بعض الأهالي نتيجة ما يقرءونه ويسمعونه عبر وسائل الإعلام حول إنفلونزا الخنازير، فإن كان كل هذا التوتر والخوف والفوبيا قد أحاط بالأهالي، فكيف هو حال الطفل الصغير؟» يسرد العيسوي، مشدداً على أهمية توعية وتثقيف أولياء الأمور بوباء إنفلونزا «h1n1» من خلال إقامة الورش والندوات المكثفة الخاصة لهم في المدرسة، بدلاً من الإجازات التي قد لا تجدي نفعاً ولا تعد حلاً كافياً لفترات طويلة، هذا بخلاف الأهمية البالغة المتمثلة أيضاً في توعية الخدم والسائقين الذين يوصلون الأطفال إلى المدرسة ويتعاملون معهم بشكل مباشر داخل المنزل، ولا بد من توعية الطفل نفسه بكيفية اتباع السلوك المناسب داخل الفصل الدراسي والباص المكتظ بالطلاب، وأثناء التزاحم على كافتيريا المدرسة والطابور الصباحي، والحث على التصرف المنظم دون فوضى.
وعن تلك الورش التي يقصدها العيسوي يضيف أنها مهمة في تثقيف المجتمع بكل فئاته بمظاهر المرض وأعراضه، حتى يتم تدارك الحالات المحتملة دون ضغط على الأطفال بإثارة الهلع ودب الرعب في نفوسهم الذي قد يخيف بعضهم من البعض الآخر ممن يصابون بإنفلونزا عادية تسبب ضجة وإرباكا داخل الفصل الدراسي «وهنا يكمن دور المعلم والممرض الخاص بالمدرسة في مراقبة حالة الطلبة بهدوء مع التمييز بين أنواع الإنفلونزا وتبليغ أولياء الأمور بذلك، وأقترح توفير أكثر من ممرض في المدرسة الواحدة للقيام على ذلك» يختم الدكتور طارق العيسوي إفادته.
( h1n1 ) afp []d] w,vi igu hg,hg]dk ugn Hfkhzil hg,hg]dk h1n1 []d] wfd w,vm ugn