صفحة جديدة 3
:: الرئيسية :: :: التسجيل :: :: البحث :: :: التحكم :: :: اتصل بنا ::
 
 
 
قديم 15-Dec-2011, 09:12 PM   #1 (permalink)
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: 10 - 1 - 2011
الدولة: هُنــا
المشاركات: 5,753
معدل تقييم المستوى: 53
صاحب السمو مميزصاحب السمو مميزصاحب السمو مميزصاحب السمو مميزصاحب السمو مميزصاحب السمو مميز
افتراضي وهو خيرٌ لكم ..



قال تعالى :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

من كتائب الفوائد للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله قال في هذه الآية :
الإنسانُ - كما وصفه خالقُه - ظَلومٌ جَهولٌ؛ فلا ينبغي أن يجعلَ المعيارَ على ما يضره وما ينفعه ميلَه وحبَّه ونفرتَه وبُغضَه، بل المعيارُ علي ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه؛ فانفعُ الأشياءِ له علي الإطلاق طاعةُ ربه بظاهره وباطنه، وأضرُّ الأشياء عليه على الإطلاق معصيتُه بظاهره وباطنه؛ فإذا قام بطاعته وعبوديَّته مخلصاً له فكلُّ ما يَجري عليه مما يكرهه يكون خيراً له، وذا تخلَّي عن طاعته وعبوديته فكلُّ ما هو فيه من محبوبٍ هو شرٌّ له.

فمن صحَّتْ له معرفةُ ربه والفقهُ في أسمائه وصفاته؛ عَلِم يقيناً أن المكروهات التي تُصِيبه والمِحَن لتي تَنزل به فيها ضروبٌ من المصالح والمنافع التي لا يُحصِيها علمُه ولا فِكرتُه، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يُحِب؛ فعامةُ مصالح النفوس في مكروهاتها؛ كما أن عامةَ مَضارِّها وأسباب هَلَكَتِها في محبوباتها.

فانظُرْ إلى غارسِ جنةٍ من الجنات خبيرٍ بالفلاحة؛ غَرَسَ جنةً، وتعاهدَها بالسقي والإصلاح حتى أثمرتْ أشجارها، فاقبل عليها يَفصِلُ أوصالَها ويقطع أغصانَها لعلمه أنها لو خُلِّيتْ على حالها؛ لم تَطِبْ ثمرتُها فيُطعِّمُها من شجرة طيبة الثمرة. حتى إذا التحمتْ بها واتحدتْ وأعطتْ ثمرتَها؛ أقبل بُقلِّمُها ويقطع أغصانَها الضعيفة التي تُذهِب قوتَها، ويُذِيقُها ألمَ القطع والحديد لمصلحتها وكمالها، لتَصلُحَ ثمرتُها أن تكون بحضرة الملوك. ثم لا يَدَعُها ودواعي طبعِها من الشرب كلَّ وقتٍ، بل يُعطِّشُها وقتاً ويَسقِيها وقتاً، ولا يترك الماء عليها دائماً، وإن كان ذلك أنضرَ لورقها وأسرعَ لنباتها. ثم يَعمِدُ إلى تلك الزينة التي زُيِّنت بها من الأوراق، فيُلقى عنها كثيراً منها؛ لأنَّ تلك الزينة تَحُول بين ثمرتها وبين كمال نُضْجِها واستوائها؛ كما في شجر العنب ونحوه. فهو يقطع أعضاءها بالحديد، ويُلقي عنها كثيراً من زينتها، وذلك عينُ مصلحتها؛ فلو أنها ذاتُ تمييزٍ وإدراك كالحيوان؛ لتوهمتْ أن ذلك إفسادٌ لها وإضرارٌ بها، وإنما هو عينُ مصلحتها.

وكذلك الأب الشفيق على ولده العالمُ بمصلحته؛ إذا رأى مصلحتَه في إخراج الدم الفاسد عنه؛ بَضَّع جلدَه وقطعَ عروقه وأذاقه الألم الشديد، وإن رأى شفاءة في قطع عضوٍ من أعضائه أبانَه عنه؛ كان ذلك رحمةً به وشفقةً عليه. وإن رأى مصلحته في أن يُمسِك عنه العطاءَ لم يُعطِه ولم يُوسِّع عليه؛ لعلمِه أن ذلك أكبرُ الأسباب إلى فساده وهلاكه. وكذلك يمنعه كثيراً من شهواته حِميةً له ومصلحةً لا بخلاً عليه.

فأحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعبادة منهم بأنفسهم ومن آبائهم وأمهاتهم؛ إذا أنزل بهم ما يكرهون؛ كان خيراً لهم من أن لا يُنزِله بهم؛ نظراً منه لهم وإحساناً إليهم ولطفا بهم، ولو مُكِّنوا من الاختيار لأنفسهم لعَجَزوا عن القيام بمصالحهم علماً وإرادةً وعملاً، لكنه سبحانه تولى تدبيرَ أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته؛ أحبُّوا أم كرهوا. فعَرفَ ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته؛ فلم يتهموهُ في شيء من أحكامه. وخفي ذلك على الجهال به وبأسمائه وصفاته؛ فنازعوه تدبيرَه وقَدَحُوا في حكمته، ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة؛ فلا لربهم عَرفوا، ولا لمصالحهم حَصَّلوا. والله الموفق.

ومتى ظَفِر العبدُ بهذه المعرفة سَكنَ في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يُشبِه نعيمُها إلا نعيم جنة الآخرة؛ فإنه لا يزال راضياً عن ربه، والرِّضَى جنة الدُّنيا ومُستَراحُ العارفين؛ فإنه طِيْبُ النفس بما يَجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له وطمأنينتُها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرِّضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ رسولاً، وما ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ من لم يَحصُل له ذلك. وهذا الرِّضى هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسنِ اختياره؛ فكلَّما كان بذلك أعرفَ كان به أرضَي.

فقضاء الرب سبحانه في عبده دائرٌ بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يَخرُج عن ذلك البتة؛ كما قال في الدُّعاءِ المشهور: «اللهم! إني عبدك، ابنُ عبدك، أبنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكل اسم هو لك، سَمَّيتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمتَه أحداً من خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك: أن تجعلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاء حُزني، وذهابَ همّي وغمّي. ما قالها أحدٌ قطُّ إلاَّ أذهبَ الله همَّهُ وغمَّهُ، وأبْدلهُ مكانَه فرجاً». قالوا: أفلا نتعلَّمُهنَّ يا رسول الله؟ قال: «بلى! ينبغي لمن سمعَهُن أن يتعلمَهُنَّ»[رواه مسلم].

والمقصود قوله: «عدلٌ فيَّ قضاؤك»، وهذا يتناول كل قضاءٍ يَقضِيه علي عبده؛ من عقوبة، أو ألم، وسبب ذلك؛ فهو الذي قضَى بالسبب وقضي بالمسبب، وهو عدلٌ في هذا القضاء، وهذا القضاءُ خيرٌ للمؤمن؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لا يَقضِي الله للمؤمن قضاءً؛ إلاَّ كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن»

قال العلامة ابن القيِّم: فسألت شيخنا [يعني شيخ الإسلام ابن تيمية]: هل يدخُلُ في ذلك قضاءُ الذنب؟ فقال: نعم بشرطه.

فأجمل في لفظه (بشرطه) ما يَترتَّبُ على الذنب من الآثار المحبوبة لله من التوبة والانكسار والندم والخضوع والذُّلِّ والبكاءِ وغير ذلك.

حفظكم الله تعالى بحفظه .. وأنار بصائركم بذكره .. ورزقكم ووالديكم وكل عزيزٍ عليكم الأُنس به وسُكنى فردوسه إنه على ذلك قدير ..
هذا والله أعلم



,i, odvR g;l >> g;g odvR ,i,

__________________
صاحب السمو غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 15-Dec-2011, 11:50 PM   #2 (permalink)
عضو فضي
 
تاريخ التسجيل: 11 - 7 - 2011
المشاركات: 509
معدل تقييم المستوى: 4
-منقاش- على طريق الإبداع
افتراضي رد: وهو خيرٌ لكم ..

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

-منقاش- غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 10:47 AM   #3 (permalink)

مدير منتديات بني عاصم

 
تاريخ التسجيل: 24 - 12 - 2008
الدولة: جدة
المشاركات: 11,740
معدل تقييم المستوى: 66
أبو حسين العاصمي مبدعأبو حسين العاصمي مبدع
افتراضي رد: وهو خيرٌ لكم ..

الله يجزاك خير ويثيبك على هذا الموضوع القيّم المبارك ...
__________________
:"" لا إله إلاّ انت سبحانك إني كنت من الظالمين "":
أبو حسين العاصمي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 02:21 PM   #4 (permalink)
عضو برونزي
 
تاريخ التسجيل: 2 - 10 - 2011
المشاركات: 298
معدل تقييم المستوى: 3
عبد الله على طريق الإبداع
افتراضي رد: وهو خيرٌ لكم ..

بارك الله فيك
عبد الله غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 06:55 PM   #5 (permalink)
عضو ماسي
 
الصورة الرمزية همس.الليل
 
تاريخ التسجيل: 24 - 9 - 2009
الدولة: بلاد الحرمين الشريفين
المشاركات: 2,037
معدل تقييم المستوى: 18
همس.الليل يستحق التميزهمس.الليل يستحق التميزهمس.الليل يستحق التميز
افتراضي رد: وهو خيرٌ لكم ..

جــــــــــزاك الله خيراً اخي الكريم وجعل ماتقدمه في ميزان حسناتك
__________________

همس.الليل غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 16-Dec-2011, 07:26 PM   #6 (permalink)
عضو فضي
 
الصورة الرمزية أحب الصالحين
 
تاريخ التسجيل: 15 - 5 - 2011
الدولة: الطائف
المشاركات: 534
معدل تقييم المستوى: 5
أحب الصالحين على طريق الإبداع
افتراضي رد: وهو خيرٌ لكم ..

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
__________________
أحب الصالحين ولست منهم لعلي أن أنال بهم شفاعةوأكره من تجارته المعاصي ولوكناسواءفي البضاعة
التوقيع{أحب الصالحين}
أحب الصالحين غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 17-Dec-2011, 02:08 AM   #7 (permalink)
عضو فعال
 
الصورة الرمزية الإحساس الرفيع
 
تاريخ التسجيل: 3 - 12 - 2011
المشاركات: 121
معدل تقييم المستوى: 1
الإحساس الرفيع على طريق الإبداع
افتراضي رد: وهو خيرٌ لكم ..

جزاك الله الجنه

وبارك فيك ونفع بك العباد

لاخلا ولاعدم من طرحك الرائع

تقبل مروري المتواضع اخي

مشكوووووووور
__________________


تدرين وش اسوي لياا أضنااااني الشوق
اسوي بعيوني كذا (~.~) وأتخيــــلكِ


الي خذاه الموت تبكي وتنساه

الموت من تبكي على فراقه وهو حي..!



{ ألإحساس الرفيع }


تسلم يدينك صبي زهران على التوقيع الجنااااااان
الإحساس الرفيع غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
لكل, خيرٌ, وهو
Latest Active Threads




الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
والآخرة خيرٌ وأبقى...... أبو حسين العاصمي اسلاميات-سيرة الرسول-سيرة الصحابة-أحكام الدين-قرآن كريم 6 26-Jul-2010 01:08 AM


الساعة الآن 06:07 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2012, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.0

:: تصميم كاكا ديزاين :: :: الرئيسية :: :: الارشيف :: :: اتصل بنا ::